الاحزاب الشيوعية والعمالية واليسارية و حركة التحرر الوطني في امريكا اللاتينية (1-5)

مدخل اول:

منذ القرن العشرين و العالم  من حولنا يشهد عدد مهول من التحولات و التغييرات السياسيةمن  أهمها تزايد عدد الدول التي تنتمي للدول النامية التي تبنت عمليات الإصلاح السياسي و الاقتصاديواعادة الهيكله و انتقلت فيها الأنظمة السياسية من نظم حكم شموليةديكتاتورية عسكرية او مدنية  إلى الحكم الديمقراطي، وهي الظاهرة التي أطلق عليها اصطلاح "التحول الديمقراطي. و الخبرة اللاتينية في التحول الديمقراطي رغم حداثتها هي ثورات شعبيه على عهود طويلة من الاستبداد الداخلي و التدخل الخارجي من الولايات المتحدة و المؤسسات المالية و التجارية العملاقة . كما ارتبطت عملية الديمقرطية بالكفاح ضد تكتلات المخدرات، بمواجهة الديون الضخمة المتراكمة، وتدهور الحياة الاقتصادية و تردي الظروف الاجتماعية  لمعظم سكان القارة.

ففي بداية العام  2014 شهدت امريكا اللاتينية  اربعة انتخابات فاز فيها التيار اليساري في ثلاثة منها اولها بوليفيا بفوز ايبو موراليس والبرازيل بفوز ديلما روسيف وارغووي بفوز تاباريه باثكييث، كما استطاع نيكولاس مادورو الفوز برئاسة فنزويلا ليستكمل مسيرة اليسار بعد هوجو شافيز،كذلك انتخابات تشيلي التي فاز بها ميشيل  باتشيليت الرئيسة السابقة ممثلة لتيار اليسار الوسط والاكوادور التي فاز بها  رافييل كورريا، لتبقي فقط باراجوي وكولومبيا.

 الرفاق الاعزاء في هذا الحيز سوف نلقي الضؤ علي أهم ملامح التحولات الديمقراطية في دول أمريكا اللاتينية مع الإشارة إلى الدور الذي لعبته التيارات اليسارية الداعية إلى التحول بعد نبذ الليبرالية الجديدة و تبني "الطريق الثالث" كإيديولوجية سياسية جديدة لتحقيق البناء الديمقراطي الوطني في بعض جمهوريات أمريكا اللاتينية كفنزويلا، البرازيل، الأرجنتين، بوليفيا و التشيلي. سوف نركز  علي  العوامل التي أدت إلى انطلاق عمليات التحول في أمريكا اللاتينية و الدور الذي لعبته التيارات اليسارية في إحداث هذا التحول، و كيف انعكست عمليات التحول الديمقراطي بدورها على الأداء السياسي لقوي اليسار التقدمي فيها.

بدأت التجربة من فنزويلا عام 1998 بانتخاب الشخصية المثيرة للجدل هوغو شافيز على رأس البلاد، وتلاه في  2003 النقابي العمالي لولا دا سيلفا في البرازيل، ومن بعده نستور كرشنر في الأرجنتين و تابري فاسكيز في أورجواي، انتهاء بايفو موراليس في بوليفيا، و باستثناء المكسيك، أصبح اليسار حاكما في منطقة كانت إلى عهد قريب محكومة من أنظمة عسكرية كمبرادورية استبدادية حليفة للولايات المتحدة الأمريكية  قائدة الامبريالية العالمية، عرفت تلك البلدان في تسعينيات القرن الماضي برامج الإصلاح الهيكلي بإملاء من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من خصخصة وسياسات ليبرالية وانفتاح على السوق العالمية.

منذ بداية القرن التاسع عشر اطرت الادارة الامريكية  طبيعة علاقتها مع القارة اللاتينية  من خلال ما يسمى ب "عقيدة مونرو" التي  تحدد بان امريكا اللاتينية ملكا وحكرا على الامريكيين الشماليين ومشروعا لسيطرتهم  بالقوة  حيث اطلق الرئيس الامريكي جيميس مونرو سنة 1883م نص مبدأ مونرو الذي طرحة في خطابة للكونعرس الامريكي : حيث ذكر ان قارة امريكا ليست مفتوحة لااي استعمار من اي دولة اوروبيه في المستقبل  وان الولايات المتحدة لم تتدخل في السابق في شئون اوروبا وعلييهم عدم التدحل في شئوننا وكرر ذلك الرئيس روزلفت، وبالتالي تركزت كل الجهود الامريكية على اخراج القوى الاستعمارية التقليدية منها(اسبانيا)، والاصطفاف مكانها عبر الاستعمار الجديد المتجدد، خلال التدخلات العسكرية في تلك البلدان  في المنطقة، والتغلغل الاقتصادي و الثقافي وايجاد قوى طبقيةاجتماعية سياسي(الكمبرادور) كحليف متوائمة مع المصالح الجيوستراتيجية للامبريالية العالمية بقيادة الولاية المتحدة الامريكية، وايصالها الى راس السلطة في حكومات تلك البلدان وضمان بقائها بالحديد والنار والقوة الجبرية المفرطة. لم توجد دكتاتورية دموية واحدة في القارة الا وكانت صنيعة الامبريالية الامريكية. بمعنى ان الامبريالية الامريكية كانت ولا زالت تشكل التحدي  الخطر الرئيسى امام الحركة التاريخية لشعوب المنطقةبأسرها، باتجاه انعتاقها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والافلات من اخطبوط راس المال المتوحش القادم من الشمال. وعلى الرغم من النجاحات الدموية التي حققتها الامبريالية الامريكية فيما كان يعرف بالفناء الخلفي او حظيرة الولايات المتحدة، الا ان مشروع السيطرة والهيمنة قد مني بهزيمتين استراتيجيتين ماحقتين  مؤكدتين وهزائم اخرى جارية على قدم وساق حاليا:

 الاولى: انتصار الثورة الكوبية منذ عام 1959  تحت لواء الحزب الشيوعي الكوبي بقيادة الاممي الزعيم فيديل كاسترو روس،  وصمودها امام اعتى الامبراطوريات , واشرسها،التي مارست عليها ابشع حصار مالي واقتصادي وتجاري عرفته البشرية حتي الان. وجود الثورة الوطنية والقومية الشعبية الديموقراطية القادرة على الاضطلاع ببرنامج بناء مجتمعي قومى اشتراكي مناهض للامبريالية وبمهمات ثورية اممية ذات اهداف موضوعية وملموسة، شكل ولا تزال تشكل مرجعية وقدوة لقوى التحرر والاستقلال فى عموم القارة وذلك باعتراف صريح من القادة الجدد.

  الثانية:  الانتصار الباهر الذي حققته الثورة البوليفرية الفترويلية وطليعتها الحزب الشيوعي الفنزويلي بقيادة  أوغو شافيس فرياس، ثورة تحرر وطني واجتماعي، في اطار قومي وديموقراطي وافق اشتراكي واممي من طراز جديد، يطلق عليه شافيس اسم اشتراكية القرن الحادي والعشرين، تمييزا لها عن اشتراكية الاتحاد السوفييتي واوروبا الشرقية سابقاً .

واذا كانت المأثرة التاريخية والتبلور الاولى للثورة الكوبية يتمثل في وجودها وصمودها وتصديها بالقوة والحزم للمشاريع الامبريالية الامريكية  في القارة، فان مآثرها الرمزية و التاريخية الثانية تتمثل في تكاملها الشامل مع الثورة البوليفرية وتشكيل نواة ثورية قومية تقدمية واممية اشتراكية قادرة على جذب وتحريك الجماهير الشعبيةالثائرة في القارة وخارجها  بقوة المثال والخطوات العملية الملموسةو المنضبطة التي تتحسسها الجماهير والشعوب في حياتها اليومية.

وكذلك المبادرة التي تسمي البديل البوليفري للامريكتين  وهو مشروع تكاملي وحدوي اممي  في كافة المجالات عمليا بين كوبا وفترويلا وانضمت اليه بوليفيا ونيكاراغوا الساندينية الجديدة. وتوجد له تطبيقات عملية بالتحديد في مجالات الصحة والتعليم والطاقةواستغلال الموارد الطبيعية وبناء الاقتصاد الاشتراكي من خلال:  ومثال علي ذلك اجراء عمليات جراحية لمرضى العيون وينتفع منها ملايين المواطنين اللاتينيين والكاريبيين في عموم القارة  ومجانا  و محو الامية قاريا ومجانا باستعمال برنامج كوبي خاص بذلك، وتزويد تلك البلدان اللاتينية  وخاصة الاكثر عوزا، بالنفط الفترويلي باسعار ميسرة وشروط مريحة جدا،  وفي احياء  تلك المبادرة التحررية اقتصاديا وروحيا جاءت ردا على مشروع الهيمنة الاقتصادية بالاحرى مشروع ابتلاع اقتصاديات القارة  الذي طرحته الادارة الامريكية تحت اسم )آلكا (منطقة التجارة الحرة للامريكتين) واتفقت بشانه مع غالبية بلدان القارة في نهاية القرن العشرين مع معارضة فترويلا الوحيدة آنذاك حيث كان من المفترض ان يبدا تطبيقه في بداية يناير 2005 ، الا ان مجمل التغيرات السياسية التي عصفت بالقارة باتجاه مناهض للعولمة الليبيرالية الجديدة ونزعة السيطرة الامريكية، ادت الى دفن ذلك المشروع في  الارجنتين وبحضور الامبراطور بوش الذي جاء مصحوبا بحاملة طائرات وعاد بخفي حنين.

شهاب يوسف

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).