النهوض الثوري في المكسيك "انتخابات 2 يوليو 2006"

الحلقة الثانية

شهاب علي يوسف

في ثلاثينيات هذا القرن حدث نهوض ضحم للحركة الجماهيرية المكسيكية مثير للاعجاب وبقوة نضالية نضرة وباهرة  وبمهارات تنظيمية عالية، ملايين من العمال والفلاحين، نهض هذا المارد المكسيكي من اجل حقوقهم الطبيعية والانسانية الحياة والديمقراطية والحريات العامة والنمو الاقتصادي، ولذلك كان مشهد يعبر عن القوة الكامنة للشعوب ممثلاً في الطبقة العاملة والفلاحين وبمثابة الجواب النهائي والحازم لكل عملاء ووكلاء رأس المال وبقايا الكمبرادور المكسيكي وقصار القامة من المثقفين الذين يدعون بأن بعد  انهيار الاتحاد السوفيتي صارت الاشتراكية مستحيلة وانه لا توجد طبقة عاملة ثورية وانتقاد امكانية قيام الاشتراكية في اي بقعة من العالم ناهيك عن المكسيك.

بدأ تأسيس ذلك على قاعدة انتخابية مع اصرار الحركة الجماهيرية على الحاق الهزيمة بحكومة حزب العمال الرجعية بقيادة عميل امريكا "فينتي فوكس"الذي باع المكسيك بارخص الاثمان لكبريات الاحتكارات الامريكية

توجهت الجماهير بكامل ثقلها نحو حزب الثورة الديمقراطية وقائدها أندريس مانوير لوبيز: هنا تستحضرني مقولة لهيغل حيث أشار بأن الضرورة قد تعبر عن نفسها من خلال الصدقة.

حيث أن تزوير الانتخابات المكسيكية قد كان صدفة، دفعت بكل التناقضات التي حدث لها تراكم خلال عدة عقود من غياب النمو الاقتصادي والديمقراطية، الغياب الذي تمظهر في عدم تحسين ظروف عيش الفقراء المحرومين مع الاجور المتدنية والفساد المالي والاداري والمؤسسيي، حيث كان على الكادحين الهجرة الى الشمال، حيث ان كل العوامل تضافرت وتراكمت لتحلق وضع ثورى متفجر، وأن هنالك وضع طبقي اكثر تمايزا، حيث ان المكسيك آنذاك كانت رابع أكبر دولة من حيث المليارديرات في العالم بينما 50 مليون فرد يعيشون في الفقر المدقع.  ان الجماهير المكسيكية تفهم تماما ان الاعنياء واصحاب الاموال والثروات يسيطرن على الحكومة وينهبون البلاد ويراكمون الثروات لكي يزيد رأس مالهم.  وهكذا تميزت المرحلة السياسية السابقة لانتخابات غلياناً ثورياً داخل النقابات والحركة الطلابية، وسلسلة من القمع والعنف ضد عمال الحديد الصلب في مدينة لازارو في سلفادور اتينكو وكارديناس في ولاية ميشواكان، وقمع انصار الجيش الزباتي للتحرر الوطني وضرب معسكرالمعلمين المضربين في مدينة اوكاساكا التي هي بمثابة قاعدة ومركز الثورة المكسيكية.

 عملت الجماهير المكسيكية في توجيه هزيمة حزرية للمكبرادور ومملثه السياسي (فينشي فوكس) وحيث كانت الانتخابات فرصة لتنفيذ ذلك بقوة وحسم، حيث تمت تعبئة الملايين من الجماهير الكادحة من العمال والفلاحين والشباب الثوري بالاضافة الى افضل فئات المثقفين التقدميون وجميع القوى الحية داخل المجتمع المكسيكي، اصطفت ضد كل ما هو رجعي ومتعفن وفاسد ومنحط.

ان زعيم حزب الثورة الديمقراطية لوبيز اوبرادور قد بني وراكم قاعدة الدعم التي يمتلكها من خلال حملة كبيرة من تحريض الجماهير وقافلة السيارات التي جابت البلاد طيلة العشرة اشهر لقد جيش العمال والفلاحين والفقراء الذين ساءت اوضاعهم بفعل تقدم المكسيك نحو نظام السوق الليبرالي ان حزب الثورة الديمقراطية ذو نزعة قومية ثورية وبرامج اجتماعية ولتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز الطبيعي وهو برنامج ذو طبيعة اصلاحية لايستهدف النظام الرأسمالي في الاساس، ولكنه تهديد قاتل من وجهة نظر الكمبرادور وعملائة في واشنطن.

بالنسبة للجماهير المكسيكية المسألة ابسط ما يكون فانهم لم يدرسوا البيانات الانتخابة ولاخطاباته، فالجماهير ترى في ذلك فرصة في تغيير الاوضاع تغييرا جذريا فان الكمبرادور وامريكا -لايخشون لوبيز نفسه بل يخشون القوى الطبقية والسياسية والتي تقف خلفه، فامريكا تعيش في رعب وخوف من الحركة الثورية المتصاعدة التي تجتاح امريكا اللاتينية، فهم مصممون على وضع (حجر صحي) على فنزويلا الثورية للحييلولة دون امتداد الحركة الثورية، لقد كانت امريكا والكمبرادور المحلي يعملون على منع لوبيز خوفا من احتمال صعود "تشافيز مكسيكي" والنتيجة النهائية هي تزوير الانتخابات التي حصلت في 2 يوليو 2006م. ونعلم جيداً لايدافع الاستعمار الحديث بقيادة امريكا والكمبرادور المحلي عن الديمقراطية الا عندما تضمن لهم صعود حكومة تدافع عن مصالح راس المال العالمي والكمبرادور المحلي.

ماذابعداعلان نتيجة الانتخابات المزورة

دفع ذلك الجماهير الغاضبة الى حركة احتجاجات عنيفة ففي اواخر يوليو 2006م تم تنظيم مسيرة هادرة من اكثر من ثلاثة مليون متظاهرمكسيكي قوامها الفلاحون والعمال وفقراء المدينة، حيث اقاموا معسكرا طوله سبع اميال في وسط مدينة مكسيكو ملايين الاشخاص في المخيم مع هطول الامطار الكثيف طيلة اسابيع في مدينة مكسيكو مما ادى الى توقف وشل حركة المدينة والمواصلات العامة.  بدأ حزب الثورة الديمقراطية يحقق تقدما حيث تبواء ثاني اكبر كتلة في البرلمان المكسيكي الجديد.

في المقابل نؤكد على هطل وضيق النظرة الشعبوية للزبتاين وقد رفضوا تقديم اي دعم نقدي او معنوي لحزب الثورة الديمقراطية ضد كالديرون  خلال الانتخابات، هذا يعكس ضعف الزياتيون عن التقييم السليم والتفكير المبدئي وقوفهم في مكان بعيدا عن الجماهير حيث ان الماركسيين في المكسيك لا يدافعون عن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية، واذا لم يكون الماركسيون اقوياء وقادرين بما فيه الكفاية لاستبدال الديمقراطية البرجوازية المتعفنة والفاسدة بنظام ارقى ومتقدم فانهم مجبرون عن الدفاع عن كل حق اكتسبه العمال والفلاحين بما فيه الحق في التصويت والنضال ضد محاولات البرجوازية المكسيكية والكمبرادور لحرمان الجماهير العريضة من انتخاب حكومة من اختيارهم تعبر عن خيارهم الديمقراطي هذا اولاً،  وثانيا بالضرورة للقوى الماركسية القليلة العدد، لكي تصير قوة ان تكون قادرة على الوصول الى الجماهير العريضة اينما كانت وان تخلق علاقات مع العمال والفلاحين وان تؤسس لحوار معهم مفتوح والتواصل الى اتفاقيات تكتيكية تمكنهم من النضال معاً ضد العدو المشترك، هذه بالطبع منهجية لينين التي اطلق عليها اسم (سياسة الجبهة الموحدة).