أزمة السيولة في البنوك التجارية ،،، إفلاس أم سياسة تجفيف

قراءة في أهم مفارقات الميزانية الموحدة للبنوك التجارية

كثر الحديث عن أزمة السيولة في البنوك التجارية السودانية، ولا يزال عملاء البنوك يعانون من شح السيولة وعدم قدرتهم علي سحب إحتياجاتهم الفعلية من حساباتهم الجارية، وتحدث البعض عن أزمة شاملة تعانيها البنوك التجارية تنبئ بقرب انهيار القطاع المصرفي.

وعلي الرغم من عدم وجود تعميم صادر من البنك المركزي للبنوك التجارية بتحديد سقف أعلي للسحب اليومي بهدف تجفيف السيولة كوسيلة منه لمحاربة تجار العملة، إلا أن الأمر يحتمل أمرين، الأول: أن يكون البنك المركزي قد أخطر البنوك التجارية شفاهة بتحديد سقف أعلي لسحب العملاء اليومي من حساباتهم وهو ما يعد سلوك مخالف لمعايير وأعراف الرقابة والإشراف علي المصارف والتي تصدر فيها التعليمات عادة في شكل تعاميم أو مناشير مؤرخة ومعنونة للمصارف التجارية تحمل أرقام مرجعية متسلسلة، والثاني: أن تكون البنوك بالفعل تعاني أزمة سيولة حقيقية خاصة وأن الميزانيات الموحدة للبنوك التجارية للسنوات 2010م إلي 2017م تعكس مستوي التدهور الذي تعانيه البنوك التجارية والذي لا يُستبعد معه الإنهيار الوشيك لكل الجهاز المصرفي إذا استمر الوضع علي ما هو عليه.

ولأهمية الموضوع ومن خلال تحليل الميزانيات الموحدة للبنوك التجارية خلال الفترة المذكورة أعلاه والجداول المتممة لها المنشورة في مجلة العرض الإقتصادي والمالي التي تصدر بشكل ربع سنوي عن إدارة السياسات والبحوث والإحصاء ببنك السودان المركزي العدد 4 المجلد 58 أكتوبر – ديسمبر 2017م، والتي تعتبر المرجع الرئيسي لكل الأرقام الواردة في المقال.

ودون أن نُقحِم القارئ الكريم بثقل وتعقيدات التحليل المالي نسجل فيما يلي، أبرز وأهم نتائج التحليل والملاحظات والمفارقات التي تُنذر بانهيار القطاع المصرفي، وفي نفس الوقت تكشف ضعف الرقابة والإشراف علي البنوك التجارية من قبل البنك المركزي:

أولا: بلغ حجم السيولة ممثلا في النقد المحلي بالبنوك التجارية بنهاية ديسمبر 2017م، 3.8 مليار جنيه أي ما نسبته 2.7% فقط من إجمالي قيمة ودائع العملاء بالعملة المحلية البالغة 139.1 مليار جنيه (علما بأننا استبعدنا الودائع بالعملة الأجنبية لأنها ضعيفة جدا ولا تذكر). وهذا يمثل مخالفة واضحة لسياسات البنك المركزي المعتمدة للعام 2017م التي اشترطت علي البنوك الإحتفاظ بنسبة 10% من جملة الودائع الجارية والإدخارية بالعملة المحلية في شكل سيولة داخلية نقدية لمقابلة سحوبات العملاء اليومية من العملة المحلية، ونسبة 5% من جملة الودائع الجارية والإدخارية بالعملة الأجنبية لمقابلة سحوبات العملاء من العملة الأجنبية.

المفارقة لا تكمن فقط في مخالفة أحد أهم تعليمات البنك المركزي، بل في صمت البنك المركزي نفسه علي هذه المخالفة طِوَال السنوات السابقة، والتي تراوحت فيها نسبة السيولة بالعملة المحلية ما بين 3.1% عام 2010م إلي 2.7% عام 2017م.

ثانيا: بلغت نسبة الرافعة المالية للبنوك التجارية (8 : 1) أو (8 إلي 1). والرافعة المالية وفقا لتعريفها البسيط، عبارة عن حاصل قسمة إجمالي مطلوبات البنوك علي حقوق الملكية أو رأس المال. وهذه ال (8 : 1) بكل بساطة تعني أن البنوك التجارية مقابل كل جنيه واحد تدفعه من رأس مالها الخاص تستدين 8 جنيهات، وهي نسبة مرتفعة جدا تتجاوز الحدود المتعارف عليها عالميا والتي يجب ألا تتجاوز (3 : 1). فقد بلغ إجمالي مطلوبات البنوك التجارية 188.4 مليار جنيه في حين بلغ إجمالي رأس مالها 22.8 مليار جنيه (188.4 / 22.8 = (8 : 1). والمطلوبات هنا تتضمن ودائع العملاء ومستحقات من البنك المركزي ومن بنوك محلية ومن بنوك خارجية بالإضافة إلي مطلوبات أخري. وهنالك عدة طرق أكثر تعقيدا لاحتساب الرافعة المالية للبنوك والمؤسسات المالية ضمن اتفاقية بازل 2 أجرت عليها لجنة بازل عدة تعديلات في بازل 3 مباشرة بعد الأزمة المالية العالمية 2008م، والتي وصلت فيها الرافعة المالية لبعض البنوك المنهارة إلي مستويات غير مسبوقة. فالرافعة المالية لبنك ليمان براذرز علي سبيل المثال كانت (37 : 1) قُبَيل انهياره بفترة وجيزة بحسب بياناته المالية المنشورة آنذاك، وتعدت حاجز ال (40 : 1) لحظة إنهياره.

هذا الوضع يبين أن الذي يتحمل المخاطر التي تواجهها البنوك التجارية السودانية بالدرجة الأولي هم العملاء أصحاب الودائع وليس المساهمين أصحاب رأس المال. وبما أن العلاقة بين البنك الإسلامي والمودعين تقوم علي عقدين:

الأول: عقد قرض حسن بين المودعين وبين البنوك فيما يتعلق بالودائع تحت الطلب أو الحسابات الجارية. بمعني أن الحساب الجاري في النظام المصرفي الإسلامي يعتبر قرض حسن من صاحب الحساب للبنك لا يستحق المودع عليه أي أرباح. فهو يمثل أحد أهم وأكبر مصادر الأموال المجانية للبنوك الإسلامية.

الثاني: عقد مضاربة يمثل فيه المودعين أصحاب رأس المال، ويمثل فيه البنك الطرف المضارب فيما يتعلق بودائع الاستثمار. وكما هو معروف في فقه المعاملات الإسلامية فإن الخسارة في عقد المضاربة يتحملها فقط أصحاب رأس المال (أي المودعين) وليس المضارب أو البنك إلا في حالة ثبوت تقصيره أو إهماله باعتبار أن رأس المال في الشريعة الإسلامية لا يجوز ضمانه عملا بالقاعدة الفقهية (الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) أو (الغُنْمُ بِالغُرْمِ). وبالتالي تصبح ودائع العملاء غير مضمونة.

وحتي صندوق ضمان الودائع المصرفية الذي تم تأسيسه بموجب قانون صندوق ضمان الودائع المصرفية لسنة 1996م والذي يقوم علي مبدأ التكافل الإسلامي كتكييف شرعي لضمان ودائع الاستثمار، لا يغطي قيمة الوديعة بالكامل بل يغطي فقط ما يعادل 1500 دولار كحد أدني و2000 دولار كحد أقصي لودائع الاستثمار بالبنوك الأعضاء في الصندوق مهما كان حجم الوديعة. علما بأن المودعين مطالبين وفقا لقانون صندوق ضمان الودائع المصرفية بسداد رسوم سنوية تعادل (0.002) سنويا للصندوق من متوسط جملة ودائعهم الاستثمارية يتم خصمها نهاية كل سنة مالية قبل سداد أرباح الودائع (يعني من دقنو وأفتلو).

ثالثا: بلغت جملة ودائع الحكومة المركزية في البنوك التجارية فقط 161 مليون جنيه عبارة عن ودائع تحت الطلب في حين بلغت ودائع الحكومة الإدخارية والاستثمارية (فقط صفر لا غير) كما في 31 ديسمبر 2017م. المفارقة التي ترد الأمرد المفتون كهلا، وتدفع العاقل للجنون هنا !!! هي أن الحكومة برغم هذه (الملاليم) التي تودعها في البنوك التجارية دون حياء أو خجل، قد استدانت من نفس البنوك 17.7 مليار جنيه كما يظهر في جانب الأصول في ميزانية البنوك التجارية المنتهية في 31 ديسمبر 2017م كمستحقات من الحكومة المركزية، أي ما يعادل 110 ضعف ودائعها في نفس البنوك التجارية. وهذا يعني أن الحكومة لا تكتفي فقط بمص عرق الموطنين من خلال الضرائب، بل أيضا تتغول علي ودائعهم في البنوك وتستغلها لتغطية نفقات أجهزتها المترهلة. في حين أن الحكومات المحترمة في البلدان المحترمة تُغدِق علي بنوكها المحلية بودائع استثمارية وإدخارية معتبرة لدعمها، ولتقوية قطاعاتها المصرفية.

أما حكومات الأقاليم فهي أفضل حالا ولكنها (كطيور الحكومة المركزية علي أشكالها تقع). فقد بلغت جملة ودائعها في البنوك 3.1 مليار جنيه. 67% منها عبارة عن ودائع تحت الطلب و31% عبارة عن ودائع استثمار وادخار و2% عبارة عن هوامش خطابات ضمان وخطابات اعتماد. وبرغم هذه الودائع المخجلة فقد استدانت 4.8 مليار جنيه من البنوك التجارية، أي ما يعادل 1.5 ضِعف ودائعها في نفس البنوك.

المفارقة الكبري هي أن المؤسسات العامة التي تُشَكِّل عبئا علي المواطن، ومن ضمنها بالطبع، شركات الكهرباء وشركات الاتصالات، فقد بلغت جملة ودائعها لدي البنوك التجارية 4.5 مليار جنيه فقط تمثل فيها الودائع تحت الطلب 60%. في حين أنها استدانت من البنوك التجارية 23.1 مليار جنيه خلال نفس الفترة أي ما يعادل 5.13 ضعف ودائعها في نفس البنوك.

وإذا اعتبرنا أن الحكومة المركزية، الحكومات الولائية، والمؤسسات الحكومية تمثل مجتمعة القطاع الحكومي، فمعني ذلك أن إجمالي ودائع القطاع الحكومى في البنوك التجارية تبلغ فقط 7.8 مليار جنيه في حين أنها استدانت من نفس البنوك مبلغ 45.6 مليار جنيه أي ما يعادل 5.8 ضعف ما تودعه في البنوك التجارية. والخلاصة هي أن الحكومة بدلا من أن تكون داعما للبنوك التجارية فهي، وفقا لهذه الأرقام، تُشَكِّل عبئا ثقيلا عليها، كالكائن الطفيلي الذي يتغذي علي مص رحيق ودماء الكائنات الحيَّة دون أن يقدم لها شئيا مفيدا. وما يدعم ذلك، ومن واقع بيانات ميزانية البنوك التجارية كما في 31 ديسمبر 2017م، أن ودائع الجمهور بلغت 107.5 مليار جنيه تمثل 77% من إجمالي قيمة ودائع البنوك التجارية البالغة 139.1 مليار جنيه منها 49% ودائع تحت الطلب (حسابات جارية)، 23% ودائع إدخار (حسابات توفير)، 28% ودائع استثمار (حسابات استثمار)، و1% هوامش إعتمادات مستندية وخطابات ضمان. في حين أن ودائع القطاع الحكومي مجتمعة تمثل فقط ما نسبته 6% من إجمالي قيمة الودائع لدي البنوك التجارية.

رابعا: بينما تبلغ العملة المحلية لدي البنوك التجارية 3.8 مليار تمثل ما نسبته 5.8% فقط من إجمالي العملة المتداولة، تبلغ العملة لدي الجمهور خارج القطاع المصرفي 61.4 مليار جنيه تمثل ما نسبته 94.2% من إجمالي العملة المتداولة وهذا كما في 31 ديسمبر 2017م، أي قبل تصريحات عمر البشير بسحب أحد العملاء لمبلغ 90 مليار جنيه، وقبل هجمة العملاء علي البنوك لسحب ودائعهم وقبل تحديد البنوك لسقوف السحب اليومي من حسابات العملاء.

فهذه الأرقام تكشف أن أزمة السيولة لدي البنوك أزمة متجذرة وهي في حالة تراكم مستمر إلي أن تصل مرحلة الإنفجار المتوقع في أي وقت اذا ما استمر الوضع علي ما هو عليه، وظل البنك المركزي واقفا متسمرا كحمار الشيخ في العقبة. فمن خلال الميزانيات الموحدة للبنوك التجارية خلال الفترة 2010م – 2017م ظلت نسبة مجموع العملة المحلية إلي إجمالي العملة المتداولة ضعيفة جدا بلغت أقصي حد لها 7.7% عام 2010م و أدني حد لها 5.1% عام 2016م قبل أن ترتفع ارتفاع طفيف إلي 5.8 عام 2017م. أي أنها طِوَال هذه السنوات كانت مخالفة للنسبة الإشرافية المحددة من قبل البنك المركزي ألا وهي 10% كما هو مذكور سابقا.

وبجانب ضعف الرقابة والإشراف من قبل البنك المركزي علي البنوك التجارية الذي تفضحه كل الأرقام المذكورة في هذا المقال، خاصة الرقابة علي هياكلها المالية وعدم التزامها بالنسب الإشرافية المقررة وعلي رأسها نسبة السيولة، الرافعة المالية، ونسبة كفاية رأس المال، وعجزه الكامل عن تقديم أي دعم لها، وبجانب الفساد وسياسات الحكومة النقدية والمالية المتخبطة التي تنعكس سلبا علي أداء البنوك التجارية، فإن النظام المصرفي في السودان عموما، كما قلنا في مقال سابق، يعتبر نظام ضعيف أصلا ولا يستطيع امتصاص صدمات إنعدام السيولة لفترات طويلة. حيث يمثل عدد السكان الذين لديهم حسابات في البنوك 7% فقط من إجمالي عدد السكان وذلك لأن الثقافة البنكية ضعيفة جدا في السودان، والغالبية العظمي من السكان يحتفظون بأموالهم خارج الجهاز المصرفي، والدليل علي ذلك يتمثل في الأرقام المذكورة أعلاه.

صحيح أن البنوك تحتفظ ضمن أصولها المتداولة بصكوك استثمار حكومية متمثلة في شهادات شهامة، شهادات صرح، شهادات شهاب، وغيرها باعتبارها أصول سريعة التسييل يمكن أن تساعدها علي مواجهة أزمات السيولة، إلا أن هذه الشهادات تمثل فقاعة أخري في حد ذاتها، وغير قابلة للتسييل لضعف الإقبال عليها في الفترات الأخيرة، بالإضافة إلي أن البنك المركزي لا يسدد للبنوك التجارية قيمة الشهادات وأرباحها في فترات الاستحقاق ويقوم بتمديد آجالها وهو ما تطرقنا له في حلقات سابقة عن صكوك الاستثمار الحكومية بشكل أكثر تفصيلا.

هذه هي بكل وضوح ومن خلال بيانات البنك المركزي نفسها، أهم المفارقات المرتبطة بمسألة السيولة لدي البنوك التجارية حتي نهاية ديسمبر 2017م، وهي تكشف الوضع الكارثي الذي تعيشه البنوك التجارية والذي يمكن أن يتفاقم ويطيح ليس فقط بالقطاع المصرفي، بل ستمتد آثاره الكارثية لتطال الإقتصاد ككل والذي هو في الأساس قد تجاوز سلفا حافة الجرف ولم يتبقي له غير السقوط في الهاوية.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).