الدولة التنموية والازدراء بالسياسة والماركسية  

تتلخص فكرة هذا المقال في أن الأسئلة الصحيحة التي تنشد التفاعل بتفكير نقدى مع الازمات المزمنة التي تواجهها الدول الفقيرة تتعلق قبل كل شيء بميدان السياسة، بمعنى أن تحليل طبيعة الواقع الاقتصادي/الاجتماعي واستكشاف سبل تغييره لا تتم بالبحث في إجراءات اقتصادية محض إذ أن علاقات هذا الواقع (الجدلية) تجد تعبيرها في السياسة.

كلمة السر الجديدة التي أضيفت لغرفة المعارضة الصدوية (echo chamber) هي "الدولة التنموية" التي تمثل، وفق تخيل البعض، الوصفة السحرية لإشفاء السودان من أرزائه. وسنحاول هنا تبيان الإزراء بالسياسة الذى تتضمنه فكرة "الدولة التنموية؛ كذلك سنرى أن ادعاء المروجين لهذه الفكرة على انها تطوير للماركسية هو افتراء سافر.

 مفهوم "الدولة التنموية" يتأسس على الإعتقاد الخاطئ الذى يتواءم مع النظرة الاقتصادوية (economism) التي تنتقص من شأن السياسة باعتبارها تخطو خلف الاقتصاد؛ هذا خلافاً للموقف الفكرى الصحيح وهو أن السياسة تمثل التعبير المركز عن الاقتصاد، وبالتالي فإن الصراع الذى تحركه بالضرورة، في المحصلة النهائية، المصالح الاقتصادية يجد تجسيده والتعبير عنه في النشاط السياسي.

الدعوة إلى " الدولة التنموية" ليست شيئاً جديداً وهى تشير إلى تكليف الدولة لنخبة من الخبراء، الذين يتمتعون بخبرة إدارية عالية، في تحديد المشروعات التنموية والإشراف على تنفيذها في إطار يسمح للدولة التدخل المحدود في توجيه مسار التنمية الاقتصادية؛ وفى التحليل النهائي فإن جوهر هذه الدعوة هو الاعتقاد في ان المدخل لتحقيق التنمية في البلدان الفقيرة هو تطبيق سياسات اقتصادية تقوم على قاعدة قيادة القطاع الخاص للاقتصاد: الرأسمالية. ومفهوم " الدولة التنموية" يعود إلى الأمريكي الراحل شالمرز جونسون، المتخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية، مُضمَّناً في كتاب له حول الموضوع*. وأساسا ارتبطت " الدولة التنموية" في الواقع بنمط السياسات الاقتصادية التي اتبعتها حكومات شرق آسيا منذ ستينات حتى تسعينات القرن العشرين، وبنموذج الاقتصاد الياباني بعد الحرب العالمية الثانية.

  اهتز عرش مفهوم "الدولة التنموية" الذى تعرض لنقد كاسح على إثر أزمة الديون التي تعرضت لها أمريكا اللاتينية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي والركود الاقتصادي الذى حدث في اليابان خلال التسعينات والأزمة المالية الحادة التي ضربت دول شرق آسيا في 1997.

 وحاليا، لا يوجد تعريف واضح ومتسق لمفهوم "الدولة التنموية"، ويمكننا القول بأنه بشكل عام صارت اقتصادات الدولة الفقيرة، تحت ضغوط المؤسسات المالية العالمية، تميل نحو ما يسمى إقتصاد السوق الحر الذى حفظ لها التدخل في النشاط الاقتصادي لتنفيذ سياسات تلك المؤسسات؛ والتوجه الجديد تزامن مع النيوليبرالية التي تبنتها الإدارة الأمريكية لرونالد ريغان (1981-89) وكَبُرَ التحزب لها من قبل حكومة مارغريت تاتشر(1979-90). وتحقق التجسيد العملى للنيوليبرالية بتطبيق النظريات الاقتصادية لمدرسة شيكاغو (جامعة شيكاغو) التي وقف على رأسها الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان. وفى ضوء هذا التوجه ظلت الدول الفقيرة خاضعة لإشراف المؤسسات المالية العالمية، صندوق النقد IMF والبنك الدولي التي صارت النخب المحلية التي أوكل لها إدارة الاقتصاد، كما مر ذكره، تنفذ وصفاتها وكأنها موظفة لديها!!

  إن الارتباط بالمؤسسات المالية العالمية أدخل الدول الفقيرة فى مسلسل القروض وسياسات التقشف والخصخصة، الخ. وكانت أسوأ تجليات النظام الجديد الدائرة الخبيثة التي وجدت تلك الدول نفسها فيها: أخذ القروض لتسديد الديون السابقة والفوائد المستحقة عليها.

  مقدمات دعاة "الدولة التنموية " في التبرير لها تتمثل في إشارتهم إلى أن الدعوة لطريق تطور غير رأسمالي لبلدان منطقة التحرر الوطني ارتبطت بالاستقطاب العالمي بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي الذى كان سائداً في فترة سابقة. لكن هذا تبسيط لنظرية الدولة الديمقراطية الجديدة التي ظهرت في اعقاب الحرب العالمية الثانية. فارتباط الدعوة آنذاك لتوجه اشتراكي للبلدان التابعة، مغاير للتطور الرأسمالي، بدول المعسكر الاشتراكي يمثل الجانب الشكلي(formal) في هذه المسالة فرضها وحدة الهدف النهائي بين فرقاء يجمعهم هم التطلع لتحقيق الاشتراكية. إن محتوى نظرية التوجه الاشتراكي لم يأتي كرد فعل بل تفرع موضوعياً من الواقع الإجتماعى/الاقتصادي للبلدان الفقيرة إذ أن هيمنة الدول الكبرى على هذا الواقع قفلت الطريق امام الراسمالية لتخرج من احشائه.

  ويتواصل التبرير ل "الدولة التنموية"، على حسب أحد دعاتها (الشفيع خضر سعيد: الدولة التنموية الديمقراطية)، هو أن برنامج اليسار في المرحلة السابقة الداعي إلى أن تنتهج البلاد طريقاً لاراسمالى للتطور بعيداً عن سياسات التبعية للغرب ولمؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لم يعد مجدياً لغياب خطط التنمية المستدامة وانعدام الاستقرار السياسي!! والحل الذى يقدمه الكاتب هو أنه” في عالم اليوم الذي يتسم بهيمنة القطب الواحد، القطب الرأسمالي، ومحاولاته لتسييد خط التنمية الرأسمالية مستغلا العولمة، كظاهرة موضوعية، سيكون من الصعب اختراع طريق للتنمية مغاير للطريق الرأسمالي، ولكن ليس مستحيلا، مثلما سيكون الحديث عن طريق التطور اللارأسمالي، وفق الكليشيهات القديمة، مجرد ثرثرة أيديولوجية غير مفيدة. وأن المدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية في السودان هو تجسيد شعار المشاركة العادلة في السلطة والتوزيع العادل للثروة، والذي ظل الشعب السوداني يرفعه في إطار معركة بناء دولة ما بعد الاستقلال..... والعمل على خلق اقتصاد تنافسي مرتبط بحركة الاقتصاد العالمي، ويستفيد من الوسائل التكنولوجية، وممارسة الدبلوماسية التجارية الناجحة لفتح الأسواق العالمية أمام المنتجات المحلية. أي هي الدولة التي تتبنى الإصلاحات السياسية الديمقراطية، على أساس قيم المواطنة والحريات وحقوق الإنسان “

  هذا التبرير يعج بالأخطاء إذ أن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا لسبب رئيس وهو التبعية للدول الكبرى والوصفات المدمرة التي تقدمها مؤسسات التمويل الدولية؛ فهذه التبعية حرمت الدول الفقيرة، ومن بينها السودان، من دينامية الرأسمالية التي تفرز الفوائد الاقتصادية والثقافية الكبيرة. فالنقطة هي أن السودان، كباقي البلدان الفقيرة، بلد محروم من عبور الطريق الرأسمالي؛ فهذه "قسمته" التي لم تكن اختيارا (choice) بل ضرورة اقتصادية نتجت عن سيطرة الدول الكبرى على القرار الاقتصادي للبلدان الفقيرة وهى السيطرة التي تُسهِّلها الطبقات الكومبرادورية السائدة سياسيا في الأطراف التابعة. ولنتوقف الآن لنرى كيف يحدث هذا الآن تحت نظام النيوليبرالية المشار اليه أعلاه.

  دعت النيوليبرالية للتحول نحو اقتصاد السوق الحر الذى صاغت قواعده المدرسة النقدية (monetarism) لميلتون فريدمان وزملائه الذين تعارضت أفكارهم مع الوصفات الكينزية التي تدعو لإنعاش الطلب "الاستهلاك" وزيادة الإنفاق الحكومي” الصرف بالعجز-deficit spending” وبالتالي عدم المبالاة بالعجز في الميزانية. فلم تكن أفكار النقوديين مجرد تنظير اكاديمي حيث تبنتها النيوليبرالية بهدف مجابهة الأزمة التي ضربت اقتصاديات الدول الغربية منذ بداية سبعينيات القرن الماضي؛ ووفقاً لذلك تقلص حجم الخدمات المجانية المخصصة لذوي الدخول المنخفضة وتجميد الأجور وتخفيض المعاشات في مقابل تقليل الضرائب على الشركات الكبرى.

  كما فتحت سياسة الاقتصاد الحر مجالات جديدة للربح كان رأس المال العالمي متعطشاً لها في أعقاب الأزمة السابق ذكرها. وهكذا شهد العالم تحولاً في سياسة الإقراض والاستثمار الكلاسيكية التي كانت تنتهجها الدول الكبرى حيال الدول الفقيرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وانحسار الاحتلال المباشر لتلك الدول. وحاليا تحت مبادئ النيوليبرالية أخذ شكل الهيمنة الإمبريالية يتمثل في تغلغل راس المال الخاص فى قطاع المنافع العامة (public utilities) كالمياه والكهرباء والمواصلات والاتصالات (telecommunication).

  باعتماد نظرية النقوديين وتحويلها الى سياسات اقتصادية محددة، ربط البنك الدولي وصندوق النقد مساعدة الدول الفقيرة بشرط اتباعها اقتصاد السوق الحر من خلال تنفيذ برامج ما يسمى التثبيت والتكيف الهيكلي (Structural Adjustment & Stability Program). وكانت النتيجة تحرير الاسعار وتحرير سعر الفائدة وتخفيض سعر العملة والخصخصة ومحاربة النشاط النقابي؛ كما ازيلت أي إجراءات تتعلق بحماية منتجات تلك الدول ما جعلها تفقد السيطرة على تجارتها الوطنية لصالح الشركات العالمية الكبرى.

  وهكذا في ضوء السابق ظل الباب موصداً أمام الدول الفقيرة لكى تنمو اقتصاداتها كرأسماليات تامة النمو يتخذ فيها قانون القيمة شكلاً معمماً، وهذا الوضع إستدام تحت ظل سياسات "الدولة التنموية" بصورتها الكلاسيكسة التي مثلتها السياسات الإقتصادية في شرق آسيا في النصف الأخير للقرن العشرين وعند التعديل في تلك السياسات بالأخذ بقواعد السوق الحر.

  إن قوى الإنتاج الرأسمالية في البلدان الفقيرة محبوسة دخل بنى إجتماعية بالية (archaic) وعليه ما زالت المهمة المركزية التي تواجه الدول الطرفية المقهورة هي إستكشاف طرق للتحرر من القبضة الجهنمية (الغير عادلة) لرأس المال العالمى ؛ وهذا الإنعتاق لن يتم إلى على يد الطبقات الشعبية صاحبة المصلحة فيه والتي تمثل النقيض (antithesis) لطبقة الكومبرادور الخاضعة لمشيئة رأس المال العالمى. وهذه ليست " ثرثرة أيديولوجية"، كما جاء في المقتطف أعلاه، بل تفكير ينبع من التحليل الواقعى لمكونات المجتمعات الفقيرة التي حبستها الدول العظمى، عبر التقسيم الإمبريالى الدولى للعمل، في إقتصادات زراعية متخلفة. والثرثرة الأيدولوجية (الغير مسئولة) تكمن في الدعوة ل " الدولة التنموية" التي تعمل” على خلق اقتصاد تنافسي مرتبط بحركة الاقتصاد العالمي“؛ فالإرتباط بحركة الاقتصاد العالمى على أساس عادل لن يتحقق إلا عبر استكمال سيادة القرار الوطني. كذلك إن المبرر للشكل الديمقراطى الذى يسير بالدولة على طريق التوجه الإشتراكى في سبيل الإطاحة بالهيمنة الخارجية ليس إختراعاً كما يدعى الكاتب عندما ذكر أن العولمة ظاهرة موضوعية ” سيكون من الصعب اختراع طريق للتنمية مغاير للطريق الرأسمالي“، بل الإختراع (المثالى) هو الحلم بالدولة التي” تتبنى الإصلاحات السياسية الديمقراطية، على أساس قيم المواطنة والحريات وحقوق الإنسان.“ والكاتب عندما يذكر بما أن العولمة ظاهرة موضوعية فإنه لا مجال لإختراع توجه غير راسمالى، يخطئ : أولا في إعتبار أن الدول تخترع وليست كيانات توجد موضوعياً استجابة لحركة الواقع الاجتماعية/الاقتصادية، وثانياً في عدم إدراكه أنه بالضبط نتيجة لقوانين الرأسمالية الموضوعية (مثل قوانين فائض القيمة، نمط الإنتاج، ميل معدل الربح نحو الانخفاض، البنية التحتية والبنية الفوقية)، تأتى ضرورة التغيير وليس التعايش مع تلك القوانين التي تؤدى لكل مساوئ اللرأسمالية. ولكن التغيير لن يتم بالشعارات المجردة:” قيم المواطنة والحريات وحقوق الإنسان“التي يدل الترويج لها العودة إلى التاريخ واستدعاء شعارات الثورة الفرنسية، كصدى آتى من القرن الثامن عشر، والثبات عليها. فخلافاً لهذا الجمود والثرثرة الآيدولوجية التي تمشى على رجلين، فإن النظرة العلمية تدرك أن قوانين الراسمالية العالمية حتمتها طبيعة عمل (modus operandi) الإنتاج السلعى وكسائر القوانين الموضوعية فهى لا يمكن إلغاؤها أو تعديلها؛ فالتخلص منها لا يتحقق إلا بزوال الأساس المادى الذى أفرزها وهو الرأسمالية نفسها. وفى عصرنا الراهن أصبحت ضرورة التغيير في البلدان الفقيرة تكتسب أهمية عالمية وتترابط مع ضرورته الكائنة في أنحاء العالم. والنقطة التي لا بد من التشديد عليها في هذا المضمار هى أنه حتى في ظل نظام تتحقق فيه حرية الدولة الطرفية في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بدون تدخل او اشراف من الدول الكبرى والمؤسسات التابعة لها، فإن التنمية المستدامة فيها تعتمد بالدرجة الأولى على قواها الذاتية ولن تكون فعالية التدفقات المالية من الخارج (الغير مشروطة بالطبع) في هذا المضمار أكثر من عامل ثانوى مساعد (catalyst).

  نتيجة لصعوبة الدفاع نظرياً عن صيغة "الدولة التنموية"، لجأ بعض الاقتصاديين والسياسيين إلى عرض (showcasing) التجربة الإمبريقية خلال العقدين الأخيرين لدول شرق آسيا (النمور الآسيوية: تايلاند، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، تايوان وهونج كونج) وتقديمها على أنها المعيار الذى يثبت نفع "الدولة التنموية".

  لكن لم يكن نجاح دول شرق آسيا في تحقيق معدلات نمو عالية نسبياً في الفترة المشار إليها أعلاه معزولاً عن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة لمصالحها الجيوسياسية في منطقة شرق آسيا. فقد كان اهتمام أمريكا، المروج الأكبر لما يسمى بمعجزة شرق آسيا، منصباً على مواجهة المد المتعاظم آنذاك في آسيا شرقها وجنوبها لحركات التحرر الوطنى ذات التوجه الاشتراكي، وبالطبع كان في طليعة الهم الأمريكي ضرورة التصدى والتطويق السياسي والاقتصادي والعسكري للصين التي عزز فيها ماوتسى تونج في الفترة من خمسينات حتى سبعينات القرن العشرين النظام الاشتراكى. ووفقا لتلك الاستراتيجية خصت أمريكا بالإشتراك مع اليابان منطقة شرق آسيا بمعونات وقروض ضخمة مصحوبة بالعديد من التسهيلات التجارية. وفى مجرى تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية وقعت البلدان الآسيوية المذكورة أسيرة سيطرة إمبريالية غير مباشرة سحبت منها بشكل شبه كامل إستقلال القرار في إدارة شئونها الاقتصادية وصار النمو فيها يحدث بالكيفية التي تستجيب لأهداف رؤوس الأموال الوافدة كتحقيق الأرباح عبر إستغلال العمالة والمواد الخام الرخيصة، فالذى حدث كان في الغالب الأعم نموا في حجم الإنتاج وليس تنميةً. وبالإضافة لل (foreign direct investment) شهدت بلدان شرق آسيا إستثماراً هائلاً في حوافظ الأوراق المالية (portfolio investment) شمل مضاربات مالية في البورصات تقدر بمئات البلايين من الدولارات في اليوم الواحد تقوم بها رؤوس الأموال الأجنبية بهدف تحقيق الأرباح السريعة؛ والحجم الكبير لهذه المضاربات غير متكافئ مع حجم الإنتاج الحقيقى للقطاعات الإنتاجية.

  ولتكريس تبعية بلدان شرق آسيا لجأت الأنظمة الحاكمة هناك لسياسات تمارس القمع المتواصل على الشعوب هناك التي ما فتئت تقاوم نفوذ الشركات العالمية واستغلالها وتجريفها للثروات المحلية.

  منذ نهاية القرن الماضى بدا البحث الجاد، من قبل الخبراء، في جدوى النموذج التنموى لدول شرق آسيا، عندما أخذت الديون تتراكم على تلك الدول في محاولة لملء الفجوات في الدخل التى نتجت عن انخفاض الصادرات. فقد أصبحت الدول المذكورة الأكثر مديونية في العالم، فمثلاً سجلت مديونية كوريا الجنوبية بنهاية عام 2017 مبلغا يقدر ب 435 بليون دولار و347 بليون دولار في إندونيسيا بواقع 38% و34% من الناتج المحلي الإجمالي للدولتين على التوالي. وقد أدت تلك المديونة المرتفعة إلى إضعاف عملات الدول الشرق آسيوية وانخفاض قيمة الأسهم والاصول المالية الأخرى وهو ما تسبب في الأزمة المالية الحادة التي ضربت تلك البلدان في العام 1997.

  التجربة الأخرى التي يحلو لدعاة " الدولة التنموية" التغنى بها كنموذج للنجاح التنموى هي إثيوبيا. وقد تعرضنا لموضوعها في مقال سابق بعنوان” أثيوبيا: حكم ال 6% والدروس المستفادة“ الذى أوردنا فيه بعض الحقائق التي نرى أنها تقدم الدليل على أن الطريق الذى سلكه النظام الإثيوبى إنتهى بالدولة هناك إلى مزيد من الإعتماد على القروض والمعونات التي لم تؤدى إلا إلى مفاقمة إفقارها. فإثيوبيا قدمت الإصلاحات الاقتصادية على أولوية التغيير الذى يحقق المشاركة الشعبية في إتخاذ القرار على المستوى السياسى الذى يضمن أن الزيادة في الإستثمار لا تتم على حساب أهميتها التنموية المستدامة وخلو التدفقات المالية المستجلبة من الدول الكبرى لتمويلها من الشروط الضارة. إن النمو الاقتصادي (النسبى) السريع تم قسرا في إثيوبيا عن طريق زيادة الاستثمارات التي في أحيان كثيرة تعارضت مع مطامح الشعب وصبت في مصلحة الشركات العالمية - وكمثال لهذا نزع الاراضى الزراعية وإعادة توطين حوالى خمسة مليون من صغار الفلاحين في المجتمعات المحلية ..

  وبعد، من الخطأ ريط فكرة ما يسمى "الدولة التنموية" بالماركسية؛ وفى واقع الأمر إن هذه الفكرة تتناقض جذرياً مع الماركسية ومنهجها الديالكتيكى المادى، وليس من قبيل المبالغة القول بأن الدعوة لها تمثل أحط وأخطر أساليب معاداة الماركسية منذ ظهورها والالتفاف على أساسها النظرى والمنهجى. فعبارة "الدولة التنموية" هي الاسم الآخر لنظرية تطوير القوى المنتجة القديمة؛ لا جديد يذكر بل مجرد قديم يعاد وأى حديث عن تطوير الماركسية ما هو إلا مجرد تشويه لها بزعم سخيف.

  إن نظرية القوى المنتجة بمنظورها الإقتصادوى ترى إن التغيير تحدثه الوصفات الاقتصادية التي تنقل قوى الإنتاج (وسائل الإنتاج، التكنولوجيا، القوى العاملة،الخ،) لمستوى أعلى؛ وهذه النقلة على نطاق الاقتصاد المفترض أن يضطلع بها تصميماً وتنفيذاً أُناس بمقدرات معنوية وذهنية خارقة. وهكذا فإن هذه النظرية تقلب العلاقة الجدلية بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج رأساً على عقب ووسيلتها في ذلك الديالكتيك المثالى وليس المادى! فالتغيير لا يحدث نتيجة إجراءات إقتصادية صرفة بل أن دولته تنهض من خلال الصراع السياسى الذى يستهدف الإطاحة بعلاقات الإنتاج القديمة واستبدالها بأخرى جديدة مُؤاتية لفتح الطريق لتطور قوى الإنتاج التي تشكل العامل الحاسم في نمو المجتمع إقتصادياً وثقافياً. إن أساس الواقع الاجتماعي مادى وليس فكرى والاقتصاد هو المحدد لإحداث التغيير فيه في التحليل الأخير، لكن الثورة هي التي تدفع الإنتاج والسياسة تقود الاقتصاد.

 * Johnson, Chalmers A., “ MITI and the Japanese Miracle: The Growth of Industrial Policy", 1925-1975”, Stanford University Press, June 1, 1982.

 

محمود محمد يس ، الراكوبة 11- 5- 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.