الاقتصاد الموازي في البلدان العربية – مصر نموذجا

الاقتصاد الموازي هو نشاط اقتصادي غير معلن عنه لدى اجهزة الدولة وبالتالي فهو يقع خارج اطار القانون الذي يفرض تطبيق قوانين العمل وتسجيل أي نشاط اقتصادي لدى ادارة الضرائب مما يشوه عملية التراكم الرأسمالي. ويحول عملته الاستغلال التي يتميز بها النظام الرأسمالي الى عملية التهميش ومنذ اربعة عقود (منذ بداية سياسة الانفتاح الليبرالي)..

ادت السياسات التي فرضها صندوق النقد الدولي(ذراع الامبريالية الاقتصادي) الى اضعاف قدرة الدولة على فرض اطار قانوني بمراقبة الاجور والاسعار وتعديلها وتغييب مراقبة المعايير بشكل عام واقتصار دور الدولة على القمح وحماية رأس المال فتعاظم دور الاقتصاد غير الرسمي في البلدان العربية واصبح يشكل ما بين 35 إلى 55% من اجمالي الناتج المحلي بما في ذلك البلدان المصدرة للنفط مما اثر في البنية الاقتصادية وفي علاقات العمل ونتج عنه ضعف دور النقابات ومنظمات حماية المستهلك والمنتجين.

ويعود السبب الرئيسي لازدهار الاقتصاد الموازي الى انهيار الاقتصاد الرسمي ويساهم في ازدهاره وفي اعادة انتاج الانهيار كلما زادت حصته في الناتج المحلي وكلما ازداد التشابك بين الاقتصاد الموازي المبني على التجارة غير الشرعية للمخدرات والسلاح وتهريب كافة انواع السلع غير الخاضعة لاي رقابة صحية او قانونية) والاقتصاد الرسمي في الحياة اليومية للمواطنين..ويشكل الاقتصاد الموازي كارثة اقتصادية لأنه يستفيد من البنية التحتية ومن الخدمات ولا يساهم في تمويلها لانه لا يسدد ضرائب الى خزينة الدولة. كما يتضرر العاملون فيه لانهم محرومون من الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والتقاعد ومن تطبيق الحد الادنى للرواتب، مما يحقق ارباحا خيالية للمشرفين عليه وتعتبر النساء اكبر ضحية لهذا القطاع حيث ارتفع معدل العنف والتحرش اضافة الى الاستغلال البشع. كما ادى تعاظم دور الاقتصاد الموازي الى زيادة دور الشرطة واجهزة الامن وتدخلها. التي اوكلت لها الدولة اخضاع كافة المواطنين لمنطقة المساومة والتفاوض على مبلغ الرشوة.. بدل خضوع الجميع لقواعد وقوانين واضحة.. ليشمل الاقتصاد الموازي كافة جوانب الحياة سواء في الريف او المدن.. في قطاعات الزراعة والعقارات والصناعة والخدمات.

ويمكن ملاحظة انتشار بعض انواع السلع المهربة بكميات كبيرة ووجود نفس السلع في كافة ارجاء مصر مما يدل على دخول هذه السلع بحجم كبير دون تسديد الرسوم الجمركية ويدل كذلك على وجود راسمال قوي واجهزة رسمية تحمي عمليات التهريب والتسويق الذي يتم. وقد ارتبط ازدهار الاقتصاد الموازي بعدة ظواهر اخرى سببتها الليبرالية المتوحشة ومنها سياسات الخصخصة واهمال مناطق عديدة من البلاد واهمال القطاع الزراعي مما ادى الى نزوح السكان من المناطق الريفية الى المدن وانتشار المناطق العشوائية في ضواحي المدن الكبرى.

وتشير التقديرات الى ان حجم الاقتصاد الموازي او غير الرسمي في مصر (اكبر دولة عربية بعدد السكان) يعادل 288 مليار دولار في عام 2011 ويشكل تقريبا 60% من الناتج المحلي الاجمالي لعام 2012 واصبحت اكثر من 60% من الوظائف الجديدة مابين 2006 و 2010 مرتبطة بانشطة الاقتصاد الموازي الذي اصبح الاصل في نشاط القطاع الخاص والنشاط الرسمي استثناء وتقدر غرفة (اتحاد) الصناعة والتجارة المصرية عدد العقارات المخصصة للتأجير بحوالي 25 مليون ولكن اصحابها لم يسجلوا سوى 2 مليون في سجل الشهر العقاري، أي ما يعادل 80% كما تقدر نفس الغرفة ان هناك 45 الف مصنع غير قانوني و 1200 سوق غير قانونية يعمل لها نحو 8 ملايين مواطن لا تنطبق عليهم قوانين العمل. من رواتب وتأمين وتقاعد ورعاية صحية وغيرها.

ويسبب هذا النشاط الاقتصادي نقص في ايرادات خزينة الدولة من الضرائب..مما يشكل عبئا اضافيا على العاملين الذين يتحملون اكثر من 80% من اجمالي قيمة الضرائب على الدخل ويؤدي غياب مراقبة الدولة اضافة الى الاستغلال الفاحش للعمال الى تكوين البيئة وعدم احترام قواعد التهيئة والتنمية العمرانية.. والاستيلاء على اراضي الدولة في معظم البلدان العربية.. وذلك يتم بمساعدة اجهزة الدولة الفاسدة(من شرطة وقضاء وسلطات محلية) والاعيان والقنوات الموازية في حالات التجارة والمضاربات العقارية وغيرها..

يستغل الاقتصاد الموازي الثغرات التي خلفتها السياسات الليبرالية والخصخصة.. وانسحاب الدولة من عدة مجالات ليستحوذ الرأسماليون على قطاعات عدة يستثمرون فيها دون تسديد ضرائب ودون تأمين العاملين..

ومن هذه الثغرات انهيار القطاع العام في مجالات النقل والسكن والتعليم والصحة وغيرها.. ويستغلون ضعف الرواتب بموظفي الحكومة في تشغيلهم بعد الدوام الرسمي.. في سياقة سيارات النقل ومؤسسات التعليم الخاص والمصحات.

وتشكل النساء شريحة هامة من العمالة الموازية فبالاضافة الى العمل المنزلي تعمل النساء في قطاع الزراعة وتربية الحيوان والتجارة ي الاسواق او المحلات التجارية حيث تغيب الحقوق الاساسية.. بالاضافة الى الاهانات وسوء المعاملة التي تتعرض لها المرأة مثل العنف الجسدي واللفظي والتحرش الجنسي والابتزاز سواء في مكان العمل او الشارع.

تعززت سلطات القمع والامن لجهاز الدولة مع تخلي الدولة عن مهامها الرئيسية في مراقبة الاقتصاد وتنظيمه..ومع هيمنة الاقتصاد الموازي في بعض المجالات بالتوازي مع زيادة اجور ومداخيل البرجوازية الطفيلية (السماسرة والمضاربون العقاريون والمستثمرون في التهريب والتجارة الموازية). وتعاظم دور وزارة الداخلية في مصر واجهزة القمع في ادارة العلاقات الاجتماعية والحياة اليومية مما ينعكس سلبا على الممارسات الديمقراطية ومصادرتها وذلك خصوصا منذ تدشين الادارات الامريكية الحرب على الارهاب.وتدريب اجهزة القمع (الشرطة والامن والجيش) على قمع الفقراء والمعارضة بذريعة مكافحة الارهاب وتعمد اجهزة الشرطة والامن الى استخدام الباعة والعمال غير الرسميين في اختراق ومراقبة المجتمع..