من وحي اليوم العالمي للحريات الصحفية

الهجمة الجديدة التي سيشنها النظام على الصحف، بموجب القانون الجديد، ليست عارضة أو نابلة أو منبتة

الصحف الحرة في السودان، تواصل عملها تحت وابل من النيران الكثيفة

  الصورة القائمة للحريات الصحفية قاتمة جداً، بل هي سوداء حالكة السواد.

الحريات الصحفية هي رأس الرمح في الحريات العامة وحرية التعبير. ولذا يحرص النظام دائماً على ضربها

 

بداية أشير إلى أن الهجمة الجديدة التي سيشنها النظام على الصحف، بموجب القانون الجديد، ليست عارضة أو نابلة أو منبتة، بل هي منهجية وهكيلية تتواصل بها الهجمة الحالية. وذلك وفق ما تمليه الاعتبارات والاحتياجات الضرورية، ليظل نظام الإنقاذ الشمولي على دست الحكم بعد أن تفاقمت أزماته، وضيّقت عليه حركة المقاومة الشعبية الخناق. وتأتي الهجمة هذه المرة مكرسة للأساليب القديمة ومتفوقة عليها في درجة القمع. ومما يجدّر ذكره هنا، إنه بعد يوم واحد من مرور اليوم العالمي للحريات الصحفية في 3 مايو الجاري، أقدم النظام على مصادرة صحيفة (الجريدة) ثم بعدها مصادرة صحيفة(الصيحة).

ولما كان الشيئ بالشيئِ يُذكر، تجدر الإشارة إلى أنه، في مناسبة اليوم العالمي للحريات الصحفية، في 3 مايو 2013م، كانت قد جرت مصادرة صحيفتي(الجريدة) و(الميدان) وتشير ممارسات النظام القمعية، واعتداءاته المتكررة على مصادرة (10)صحف في يوم واحد أكثر من مرة. وكان هذا بكل المقاييس لطمة كبرى ومجزرة للحريات الصحفية.

وفي واقع الأمر نجد أن الصورة القائمة للحريات الصحفية قاتمة جداً، بل هي سوداء حالكة السواد.

فالسودان يحتل موقعاً متأخراً جداً في سجل الحريات الصحفية في العالم. فهو قريب جداً من "الطيش" وتحديداً يأتي رقم (170 من جملة 179)، وذلك حسب ما أورده قبل سنوات قليلة، بيت الحرية الامريكي Ameican Freedom House)) وفي الواقع العملي نجد أن مساحة الحريات الصحفية المتاحة في السودان ضيقة جداً، ورغم قتامة هذا الواقع شرع النظام في إعداد قانون جديد للصحافة أكثر تشدداً من سابقه. وذلك رغم أن القانون ساري المفعول اليوم بكفل للسلطات عبر مجلس الصحافة والمطبوعات وكذلك عبر جهاز أمن النظام الحق الكامل في مصادرة الصحف قبل وبعد الطبع، ومنع نشر أخبار ومقالات في ملفات معينة، بما في ذلك الفساد والاعتقالات السياسية، وكذلك الاستدعاءات اليومية للصحفيين. ولعل الأدهى وأمر من كل ذلك هو وضع قائمة تمنع عدد متزايد من الكتاب والصحفيين من الكتابة في الصحف!!

والهدف من كل تلك القيود والعراقيل هو تضييق الخناق على حرية التعبير، والتأثير على السياسات التحريرية للصحف المنحازة إلى جانب قضايا الشعب والوطن، وإرهاب الصحفيين الشرفاء الملتزمين بشرف وقداسة مهنة ورسالة الصحافة، وكذلك يستهدف جهاز الأمن من المصادرة، قبل وبعد الطبع، إنهاك وإرهاق الصحف الحرة مادياً لتتوقف وتكف عن الصدور من تلقاء نفسها.

* الحريات الصحفية هي رأس الرمح في الحريات العامة

لا شك في أن الحريات الصحفية هي رأس الرمح في الحريات العامة وحرية التعبير. ولذا يحرص النظام دائماً على ضربها ضمن مخططه المتواصل لقفل هامش الحريات. ويحرص النظام دائماً على ضرب هذا الهامش. وعلى سبيل المثال لا الحصر كان النظام قد لجأ في فبراير 2014م  بعد أن شاهد بأم عينيه انتفاضة سبتمبر 2013م والدماء التي بذلتها الجماهير ثرة لا تستكين ضد سياسات رفع الدعم عن المحروقات، إلى فرض تعديلات دستورية كانت بمثابة انقلاب على هامش الحريات، ووضعت تلك التعديلات صلاحيات وسلطات مطلقة في أيدي رئيس الجمهورية. وتبع ذلك أيضاً تعديل في القانون الجنائي تجاوز تماماً ما كفله الدستور وذلك بقفله الباب في وجه الحقوق والحريات. وقد نص ذلك التعديل على أن يتم تمديد العقوبة على التظاهر والاحتجاج الجماهيري من(6)أشهر إلى(5) أعوام قابلة للمضاعفة والتمديد لعشر سنوات.

ويتواصل ضرب هامش الحريات اليوم، ليشتمل في حالات عديدة منع الندوات حتى داخل دور الأحزاب المسجلة  التي كفل لها قانون تنظيم الأحزاب حق العمل السياسي داخل وخارج دورها، وذلك كما تم مؤخراً منع ندوتين واحدة في دار الحزب الشيوعي بالقضارف والأخرى في داره بالخرطوم.

واستناداً إلى هذه الصورة سافرة العداء لكل الحقوق والحريات الدستورية، لم تكن إفادات ومطالبات شبكة الصحفيين، وكذلك مطالبات الخبير الدولي المستقل لحقوق الإنسان في السودان، ارستيد نونوسي، عن ضيق مساحة حرية التعبير في السودان، من غير أسانيد وحيثيات أكثر من كافية. بل هي قد أصابت ، كما يقولون، كبد الحقيقية الماثلة للعيان.

* للصحافة دور رائد تلعبه

وهكذا يتم التعامل، بالبطش والقمع والقهر، مع الصحف من قبل النظام الشمولي. وذلك رغم أن الصحافة الحرة هي الركن الركين لحرية التعبير. فالصحافة- هي لسان حال الشعب، وهي صاحبة الجلالة، وهي السلطة الرابعة.

وتجري الأقوال والأشعار للتأكيد على ضرورة الحريات الصحفية، وذلك على نحو:ـ

  • لكل زمان آية وآية هذا الزمان الصحف.
  • شعب بلا صحافة حرة شعب أخرس.

وحقيقة، تردُ الحريات الصحفية، وحرية التعبير والنشر، على رأس المتطلبات الأساسية التي لا تستقيم الممارسة الديمقراطية دونها.

وعرضياً أشير هنا إلى أن الشاعر السوري المعروف، نزار قباني، كان قد هجا في واحدة من عصماواته الرائعة تلك الأنظمة الشمولية التي: " تصبح الجرائد الموجهة فيها أوراق نعي تملأ الحيطان"

 والنعي المقصود هو طبعاً لوأد الديمقراطية وإقامة مأتم لها.

* حال الصحافة السودانية اليوم

الواقع اليوم، أن الصحف الحرة في السودان، تواصل عملها تحت وابل من النيران الكثيفة، من الملاحقة والمراقبة والمصادرات المتكررة والمحاكم والسجون. ذلك أن تلك الصحف تساعد في كشف وفضح الممارسات الشمولية المعادية للشعب والوطن. وكان الأمر بالنسبة للممارسات الدكتاتورية قد وصل حدا ما أنزل الله به من سلطان، هو حد منع عشرات الصحفيين والصحفيات من مجرد ممارسة الكتابة في الصحف. ذلك أن هؤلاء ملتزمون بشرف المهنة وقداستها ويعارضون النظام وسياساته.

ولا جدال في أن الصحافة الحرة الملتزمة جانب شرف المهنة وقداستها، تكشف الحقائق الدامغة والمُرَّة حول الأوضاع المعيشية للشعب، والحالة السياسية والاجتماعية الحقيقية في كل آفاق الحياة في وجه كل تضليل الشمولية وطمسها للحقائق وتمويهها لها.

إن الصحافة الحرة، وإن الصحفيين الشرفاء، ملتزمة وملتزمون بالخط الروائي الجاد في تحرير الصحف. ذلك الخط الذي يتوخى الصدق والأمانة لواقع الحال في كل ضروب الحياة. ولا جدال في أن الصورة الصادقة والأمينة وطبق الأصل لما هو واقع بالفعل، دون رتوش وزوائد ومحسنات وملطفات ، هي التي تلهم الناس وتدفعهم دفعاً للحراك السياسي والاجتماعي لتغييرها للأحسن. وهذا المستوى يتطلب أن يكون الصحفي روائياً صادقاً يقدم صورة طبق الأصل لما هو حاصل في كل مقالاته واستطلاعاته لواقع الحال.

ومن أجل ذلك حث دستور الحزب الشيوعي في المادة(25)منه، تحت عنوان "إعلام الحزب" ، حث الصحفيين الشيوعيين للالتزام جانب الشعب وقضاياه فيما يكتبون، وما يقومون به من استطلاعات رأي، وذلك بهدف تمليك كل الحقيقة للجماهير عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

* دور الصحافة الحرة لا ينكره إلا مكابر

من المعروف أن الصحف الحرة، والصحفيين الشرفاء، يتمسكون بإيراد الحقائق كاملة غير منقوصة، وبالتالي يسهمون في تشكيل الرأي العام على أسس صحيحة، وبذا ينفتح الباب للمشاركة الشعبية الواسعة في صنع الأحداث وفي التغيير للأحسن. واستناداً إلى كل ذلك يتشكل ويتخلق الرأي العام، ويقوى ويشتد الوعي والحراك الجماهيري، وقد صدق تماماً من قال:(إن الجريدة الملتزمة جانب الشعب وجانب تحري الدقة في الحقائق والمعلومات الصحيحة، هي داعية ومحرض ومنظم لحركة المعارضة السياسية).

وإذا كان هذا صادقاً بالنسبة للسياسة الداخلية، فإنه يصح أيضاً بالنسبة للأحداث الخارجية. ذلك إنه يدفع المواطنين للتضامن مع حركات الشعوب عالمياً وإقليمياً ، ويتابعون أخبارها ويتضامنون معها. وبذا تلعب الصحف الحرة دورها في تربية جماهير الشعب تربية أممية.

صحيح تماماً أن العوامل الداخلية هي الأساس في مجريات السياسة في البلد المعين، لكن صحيح أيضاً أن للعامل الخارجي دوراً خاصة في عالم اليوم الذي أصبح قرية كونية صغيرة ومتشابكة. ومن هنا فإن الأنظمة الشمولية تسعى دائماً لأن يكون الوطن جزيرة معزولة تماماً. كما تهتم أيضاً بطمس رياح التغيير الوافدة من الخارج، وإضعاف تأثيرها على الشعب، وفي هذا الإطار تجلَّت سذاجة نظام الإنقاذ الشمولي في طمس آثار الربيع العربي على السودان، وكان طرح النظام هو أنه لا أثر لثورات الربيع العربي على السودان لأن السودان بلد أفريقي، وأن الربيع العربي سبق له المرور بالسودان في أكتوبر 1964م وكذلك في 30 يونيو 1989م!!

* للصحافة الحرة دورها في بلورة المطالب والحلول

لا جدال حول أن للصحافة الحرة ، وللأقلام الصحفية الملتزمة جانب الشعب، دورها في بلورة وصياغة الأطروحات السياسية للأحزاب حول ما يطرأ من مشاكل. كنموذج لذلك أذكر أن حزبنا كان قد ضمن في بيانه الصادر في مارس 2003م رؤية الحزب لحل أزمة دارفور التي تفجرت وقتها وكان ما طرحه الحزب كحل هو الحل السياسي القومي للأزمة، وقد طرح الحزب في ذلك البيان أنه استند فيما يقدمه من حل للأزمة في دارفور، إلى جانب المعلومات لدى مركز الحزب وتنظيم الحزب في دارفور، إلى الآراء الوطنية الأخرى.

وقد جاء في البيان تحت عنوان:(الصحافة والإنذار المبكر) إشادة بعرض الصحف لما ورد في كتاب التجاني مصطفى عن الصراعات القبلية في دارفور، وكذلك للمقالات والدراسات التي أوردتها الصحف كمقالات:ـ

النجيب أحمد عمر، والكليم موسى ويوسف تكنة وعبدالله أبو إمام والإداري عباس صالح وتاج السر مكي ود.الطيِّب زين العابدين.

* ما يطرحه الحزب الشيوعي

ميثاق الحريات الصحفية

تجدر الإشارة في البداية إلى أن الحزب الشيوعي يقف أصلاً ضد وضع قانون للصحافة. ذلك أن القانون يقيد بينما الأصل في التعبير والحريات الصحفية هو الإباحة وليس التقييد.

كما يعترض الحزب الشيوعي على آيِّ سلطة لجهاز الأمن على الصحف، ذلك أن جهاز الأمن في منظور الحزب ، وكذلك في منظور الدستور ساري المفعول اليوم ، هو جهاز مهني ولا سلطات تنفيذية له. الحزب الشيوعي يقف إلى جانب رفع كل القيود المجحفة على الصحف وإلغاء الرسوم الباهظة على مدخلات الطباعة، وإلى جانب المساواة بين الصحف في فرص الإعلان الحكومي. إن البديل الذي يطرحه الحزب الشيوعي للقانون هو أن يتواضع الصحفيون أنفسهم على ميثاق شرف تلتزم به كل الصحف ـ فأهل مكة أدرى بشعابها ـ إن ما يطرحه الحزب هنا ليس آذان في مالطا، وبالإمكان أن يتحقق بنضال الصحفيين وكل الشعب. ويتأكد ذلك، بطبيعة الحال، برسوخ منهج النضال السياسي الجماهيري من أجل الحريات وحرية التعبير والحريات الصحفية. إن الهدف من ذلك هو الوصول لميثاق للحريات الصحفية.

هذا الميثاق لابد أن يضع في اعتباره ما ورد في الدستور الانتقالي للعام 2005م في وثيقة الحقوق وحرية التعبير والإعلام. وكذلك يضع في اعتباره ما أورده القانون الجنائي السوداني في الباب الخامس عن المحظورات. وذلك على أن يتم وضع هذا الميثاق يتم إيداعه للجهات المعنية. وللأشراف على سريانه وتنفيذه يقدم الحزب مقترح قيام مجلس و رؤساء تحرير الصحف.

بقلم / يوسف حسين