والذين يهشّون عند المائدة  

"قيل لفقير جائع: كم اثنين في اثنين؟ قال أربعة أرغفة"

سُئل أعرابيّ : لو كنت خليفة في بغداد كيف كنت تصنع؟ قال: كنت أولي شريف كل قوم ناحيته، ثم أخلو بالمطبخ, فآمر الطهاة, فيعظِّمون الثَّريد و يكثرون اللَّحم و العظم والمرق، فأبدأ فآكل لقماً، ثم آذن للناس، فأي صنيع يكون بعد هذا؟ لقد أدرك هذا الأعرابيَّ القادم من مجاهل الصحراء جوهر العلاقة بين الراعي والرعية. وصدر هذا الكلام شبيه بشيء لا بأس بروايته في هذا الموضع, فقد شكا الفضل بن سهل وزير المأمون بن هارون الرشيد وصاحب تدبيره إلى الزبير بن بكار عالم الأنساب وأخبار العرب كثرة من يقتفي بابه للحوائج فقال:

لا عليك إن أحببت أن لا يلتقي ببابك اثنان فاعتزل ما أنت فيه من عمل السلطان فإن نعم الله جاءت بهم إليك.

وأزعم -وعساه يكون زعماً مقبولاً- لا عيب في أن تقوم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على إطعام الجياع والمساكين وأهل السبيل. وأظنها بادرة طيبة أن يكون للحاكم مطاعم شعبية مجانية منتشرة في أرجاء البلاد يدخلها من شاء ليأكل ما شاء كما يشاء دون حسيب أو رقيب. وإطعام الخلق وإشباعهم مهمة جليلة تستحق الثناء والتقدير وأعتقد أنها ليست منَّة بل هي من واجبات الحاكم الصالح. وقد نقل عن عمر بن الخطاب قوله: أسعد الناس من سعد به الناس وأشقاهم من شقوا به. وقيل لبعضهم: ما الكرم؟ فقال: طعام مبذول, ونائل موصول, ووفاء لا يحول.وقد قال سفيان الثوري: إني لألقى الرجل فيقول لي: مرحباً, فيلين له قلبي, فكيف بمن أطأ بساطه وآكل ثريده وأزدرد عصيده؟ وقيل للحسن: من السخي؟ قال: الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى عليه بعد ذلك حقوقاً. 

و المطعمون من أهل الخير والكرم لا يمل حديثهم  مع أنه معاد , تقرؤه أو تسمعه كأنك تسمعه أول مرة.وقد خاض الناس قديماً وحديثاً خوضاً مشبعاً في هذا الموضوع, ونحن هنا إذ ننقب في بطون الكتب قصدنا أن نعيد هذا القول  الطريف اللطيف من الكلام إلى الحياة, وأن نستحث  أهل الخير  على صنع المعروف بين الناس.وقد قال رسول الله: تجافوا عن ذنب السخي فإن الله يأخذ بيده كلما عثر.وقال أيضاً: ليلة الضيف حق واجب فمن أصبح بفنائه فهو أحق به إن شاء أخذ وإن شاء ترك.وقيل لإبراهيم الخليل, بأي شيء اتخذك الله خليلاً؟ قال: ما تغديت  وما تعشيت إلا مع ضيف. وقيل للمغيرة بن شعبة: من أحسن الناس؟ قال: من حسن في عيشه عيش غيره.                                

وجاء في الخبر: قام رجل إلى الخليفة فقال له: سألتك بالرحم الذي بيني وبينك, فقال الخليفة: أمن قريش أنت؟ قال: لا. قال: فمن سائر العرب قال: لا. قال: فأية رحم بيني وبينك؟ قال: رحم آدم. قال: رحم مجفوة. وأعطاه. وفي المثل: بعض البقاع أيمن من بعض. قاله أعرابيّ تعرض لمعاوية في طريق وسأله، فقال معاوية: مالك عندي شيء، فتركه ساعة ثم عاوده في مكان آخر، فقال: ألم تسألني آنفاً، قال: بلى، ولكن بعض البقاع أيمن من بعض، فأعجبه كلامه ووصله.

وقال رسول الله: من كان له ظهر فليعد على من لا ظهر له؛ ومن كان له زاد فليعد على من لا زاد له , حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في الفضل. وقال الأصمعي نقلاً عن أهل الوبر: ليست الفتوة الفسق ولا الفجور, ولا شرب الخمور, وإنما الفتوة طعام موضوع, وصنيع مصنوع, ومكان مرفوع, ولسان معسول, ونائل مبذول, وعفاف معروف, وأذى مكفوف. قال بعض الأعراب: قدم علينا الحكم بن المخزومي ولا مال لنا فأغنانا عن آخرنا, فقيل كيف ذلك؟ فقالوا: علَّمنا مكارم الأخلاق فعاد أغنياؤنا على فقرائنا فصرنا كلنا أجواداً. وسئل ابن عمر ما حق الإنسان على الإنسان؟ قال: ألا يشبع ويجوع وألا يلبس ويعرى.وقال إبراهيم بن الجنيد: أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهن وإن كان أميراً: قيامه من مجلسه لأبيه, وخدمته للعالم يتعلم منه, والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه, وخدمته الضيف بنفسه إكراماً له. وكان السلف الصالح من الكرام الذين يتسعون في أحوالهم يوسعون على غيرهم من سعتهم,وكانوا يرون الغنيمة في الكرم, والربح في البذل, والحظ في الإيثار, والزيادة في النقص, والشاعر يقول:  أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك

نعم, كانوا إذا ولوا عدلوا, وإذا ملكوا أنعموا, وإذا أعطوا أجزلوا, وإذا سئلوا أجابوا, وإذا افتقروا صبروا, وإذا نالوا شكروا. وكان لهم مع الخلق معاملة جميلة. وكانوا إذا تلاقوا تواصوا بالخير, وتناهوا عن الشر, وتنافسوا في المعروف, لقد اجتهدوا أن يكونوا خلفاء الله على عباد الله بالرأفة والرحمة والعدل.أين نحن من أولئك القوم الأبرار الذين صنعوا حضارة عملاقة استمرت لقرون؟

كان عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب من الولاة الأسخياء وكان يسمى معلم الجود وهو أول من وضع الموائد في الطرقات. ولما عرَّس  جعفر بن يحيى بابنة علي بن عيسى جعل الطعام على الموائد في الشوارع,  فكل من شاء أكل, وجعل الطيب والمسك والعطور في مراكن من ذهب, فمن شاء تطيب ومن شاء أخذ وانصرف. وتقول العرب: أيدي الرجال أعناقها, أي من كان أطول يداً على المائدة تناول فأكل, الهاء ترجع إلى الإبل, أي أيدي الرجال أعناق الإبل, أي من طال نال. وكان مسلم بن قتيبة  لا يجلس لحوائج الناس حتى يجلس إلى المائدة و يشبع من الطعام الطيّب, ويروى من الماء البارد, ويقول: إن الجائع ضيق الصدر, فقير النفس, والشبعان واسع الصدر, غني النفس. ونرجع فنقول: نعوذ بالله من الفقر والجوع, وقد بلينا بهذا الدهر الفقير من الصالحين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم ويهشون عند المائدة.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+