الفكر الديني ما بين الدعوة والدولة

دستور المدينة نموذجاً للتعايش الإثني والعرقي

مرَّ الفكر الديني خلال مرحلة التنزيل بعدة مراحل، حدث خلالها تراكمات كمية وجاء التغير الكيفي بعد الهجرة من مكة إلى المدينة، حيث شهد الفكر الديني تحولات جذرية أطلق عليها الشهيد محمود محمد طه (1906 – 1985) الرسالة الثانية من الإسلام.

المرحلة الأولى من الوحي وهي ما جرى على تسميته (مرحلة الدعوة) وهي المرحلة التي تمتد منذ نزول الوحي حتى الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، فترة الثلاثة عشر عاماً الأولى التي أمضاها الرسول محمد  بين أهله وعشيرته بمكة يدعوهم فيها إلى الإسلام وهي المرحلة التي اتسم فيها الفكر الديني بالتجاوز عن كل ما يمكن أن يعيق توصيل الرسالة، حيث رفض المبعوث  الثروة والسلطة ، في سبيل تبليغ الرسالة تسامى على الاستفزازات والتهديدات وتحصن ضد الإغراءات والإغواءات.

بعد الهجرة كان لابد من طفرة نوعية للفكر الديني حتى يستوعب تلك التغيرات الكيفية التي صاحبت الهجرة وتأسيس دولة المدينة بتشكيلاتها المجتمعية المتنوعة قبليا وإثنياً وعقائدياً. بعد استقرار الرسول والمهاجرين بالمدينة جرت مستجدات عديدة على مستويات الرسالة المحمدية كافة، فقد تحول الإسلام من مجرد دعوة إلى دولة، وكان لابد أن يتبع تلك التغيرات الكمية تغيرات نوعية في الفكر الديني منهجاً وفكراً، ولا بد من تطوير ذلك الفكر باستحداث تشريعات دستورية تفي بحاجة إدارة الدولة(دولة المدينة) وكان لابد لتلك التشريعات أن تستوعب الواقع البشري لمكوِّنات تلك الدولة وطبيعة العلاقات بين الكيانات البشرية والعقائدية المختلفة فيها، حتى تتمكن من العمل على تنظيمها وحمايتها من المتربصين بها ومن ثم التفرغ لنشر الدعوة بالوسائل والطرق التي تتناسب مع المرحلة، وكان التشريع الأول لحاكم المدينة (كتاب محمد) عبارة عن نص دستوري للدولة، وهو مستمد من النص المؤسس القرآن المكي جوهر الرسالة المحمدية.

تمثل صحيفة المدينة(واحد للهجرة -623 م) الدستور المدني للدولة الإسلامية - وفي إطار قراءة موضوعية وتاريخية لها يمكن اعتبارها المعيار الأنسب للقياس عليه للتعايش مع الآخر في إطار إتحاد فيدرالي بين مركز يشكل الغالبية من القبائل العربية المسلمة، وهامش يمثل الأقليات القبلية والدينية المختلفة، وكان كلا الكيانين(المركز والهامش) يعتمد أحدهما على الآخر ويتقاسمان السيادة في الدولة، ولكل منهما نظامه الأساسي الذي يحدد سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية، وقد جاء نص الدستور الذي ينظم تلك العلاقة في الدولة الوليدة بين تلك الكيانات في نص التشريعي يحتوي على واحد وخمسين بنداً، أربعة وعشرين بنداً منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرين بنداً لتنظيم العلاقة بين المسلمين وأصحاب العقائد الأخرى لا سيما اليهود وعبدة الأوثان، حيث شكلت(صحيفة المدينة) قاعدة دستورية مناسبة لحفظ الحقوق أدت لانطلاق الدولة الوليدة، أهم ما حوته صحيفة المدينة هو التأكيد على التعايش السلمي بين الأعراق والعقائد المختلفة، وحرية العبادة التي كفلها لكل أهل المدينة بمختلف دياناتهم، كما تضمنت الوثيقة نصوصاً في التكافل الاجتماعي، وإقامة العدل، وتنظيم القضاء، وبعض المبادئ الجزائية المهمة كمبدأ شخصية العقوبة، ومبدأ القصاص جزاء للقتل العمد العدواني، كما عددت أنواع الجرائم التي تقع على الأنفس والأموال، كما جعلت الوثيقة من الرسول الكريم الحاكم الأعلى في الدولة، وحكما بين رعاياها، كما بينت بعض النصوص مركز الأقليات الدينية في الدولة الإسلامية الجديدة، وأخيراً بينت النصوص الأخرى الحقوق والحريات التي يكفلها الإسلام، فذكرت حق الحياة، وحرية العقيدة، وحق الملكية، وحق الأمن والمسكن، والتنقل، وحق المساواة، وبذلك وأرست الوثيقة دعائم الحريات الاقتصادية والاجتماعية، كما ذكرت حق التجمعات على أساس القبيلة أو على أساس الدين، وحق إبداء الرأي.

 ويتضح من العرض السابق أن الأحكام الواردة في الوثيقة تشكل العمود الفقري لأي وثيقة دستورية حديثة وأكثر من ذلك أنها أقرت في حالة مهاجمة المدينة من قبل أي عدو، قواعد للدفاع المشترك بين كل القبائل والتشكيلات المدنية والعقائدية بين الجماعات المختلفة داخل دولة المدينة من مسلمين وأصحاب معتقدات أخرى، كما أكدت الوثيقة قدرة الإسلام على استيعاب الآخر واحترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان من حرية العبادة وحق التجمعات وحرية الرأي تلك القيم التي تشكل العمود الفقري لأي وثيقة دستورية حديثة؛ مما شكل منها ثورة دستورية لم يسبقه عليها أي من الدساتير في ذلك التاريخ، حيث كانت تسود شريعة الغاب والبقاء فيه حليف القوي(المنتصر) الذي لا يكتفي بإملاء شروطه على الآخر(المنهزم) بل يمتلكه ويمتلك كل ما له.

على الرغم من التغيرات النوعية في الفكر الديني، وهو ما أملته ظروف موضوعية بعد أن أرست دولة المدينة دعائمها، لكنه في جوهره ظل محافظاً على القيم الدينية التي أرساها الإسلام في الجزيرة العربية، حيث شكلت الدولة بكل بنيتها التحتية ووظفت ثرواتها وقدراتها وكل ما فيها لخدمة الإسلام الذي شكل(بنيتها الفوقية) وكان الحاكم، وهو الرسول ، ومن معه من الأنصار والمهاجرين على قلب رجل واحد من أجل رفعة الدين الجديد، وعملوا جهدهم بتجرد من أجل قيام دولته. يهدفون إلى تثبيت مفاهيم وقيم الدين الجديد، وسيلتهم في ذلك التعمير والتبليغ والتعايش السلمي مع مختلف الأعراق والمعتقدات، وهكذا جاءت الدعوة لليهود والنصارى من أهل المدينة وما جاورها للحوار وحسن الجوار(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) آل عمران (63). و (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة (256).

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+