تعليقات في السياسة الداخلية

وزير مجلس الوزراء والأزمة العامة ومحاولة تسويق الفشل

الحديث المطول الذي أدلى به وزير مجلس الوزراء هاشم علي سالم لبرنامج"مؤتمر إذاعي" يوم الجمعة الموافق 25/5/2018 يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:

أولا: لا تملك الحكومة عصا سحرية لإنهاء الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

ثانيا: الحل لتلك المشكلات يحتاج إلى عدة سنوات قادمة.

ثالثا: لا حلول سوى رفع الدعم الحكومي

رابعا: وتحويل المواطنين من مستهلكين إلى منتجين.

خامسا: المشاكل الاقتصادية تحتاج إلى دراسات وخطط لتجاوزها.

سادسا: الأزمات مردها إلى تشوهات.

سابعا: المعالجات ستكون مؤلمة لجهة استئصال المرض وليس أعراضه.

ثامنا: 650 توصية من توصيات الحوار الوطني كانت تتعلق بالعملية الاقتصادية

تاسعا: الحريات المتاحة بالسودان لا مثيل لها في العالمين العربي والأفريقي.

عاشرا: الحوار الوطني لا يمانع في وضع مسودة للدستور القومي بواسطة حكومة الوفاق الوطني.

قبل أن نتصدى بالرد الداحض لكل تلك المبررات ومحاولة الالتفاف على حقائق الواقع المعاش، نلفت نظر القارئ إلى التناقضات الواضحة في حديث وزير مجلس الوزراء . فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي يقول فيه أن الحكومة لا تملك عصا سحرية لإنهاء الأزمة الاقتصادية، يجزم بأن "لا حلول سوى رفع الدعم الحكومي." و"تحويل المواطنين من مستهلكين إلى منتجين". بل حدد سلفا نوع تلك المعالجات وما ستؤدي إليه عندما يقول “المعالجات ستكون مؤلمة لجهة استئصال المرض وليس أعراضه."

وفي الوقت الذي يقول فيه أن (المشاكل الاقتصادية تحتاج إلى دراسات وخطط لتجاوزها) يؤكد أن (650 توصية من توصيات الحوار الوطني كانت تتعلق بالعملية الاقتصادية) فهل كل هذه التوصيات لم تكن بينها مؤشرات لكيفية الخروج من الأزمة ولا بينها خطط لتجاوزها ؟ ولا دراسات تعالج الأزمة؟!.

الأزمة الاقتصادية لا تحتاج إلى عصا سحرية لإنهائها. فما توفر لهذا النظام من إمكانيات مالية من البترول وحده تزيد على الـ 70 مليار دولار. ناهيك عن الذهب- رغم ما نهب منه بما يفوق واقع عائداته على الدولة والتي بلغت مليارات الدولارات أيضاً، إلى جانب الضرائب الباهظة والتي بلغت في موازنة 2018 ما يفوق الـ(60%) من ايرادات الموازنة. هذه الدخول التي لم تتوفر لأي حكومة حكمت السودان في تاريخه القديم والحديث، هي العصا السحرية التي كان من الممكن أن تحول البلاد إلى مصاف البلدان المتطورة نمواً زراعياً وصناعياً وخدمياً وتحل الضائقة المعيشية التي تعاني منها الأغلبية الساحقة من شعب السودان، لكن هذه الأموال نهبت بواسطة حفنة من أثرياء شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة وصرفت على الأجهزة التي تحمي النظام من الشعب وتكرس بقاءه في السلطة، ووزعت على الرتب السيادية في الدولة وصرف منها صرف من لا يخشى الفقر وعلى استيراد كمالياتها وترفها وبذخها.

وعندما يقول الوزير لا حلول سوى رفع الدعم، فإنه يعيد ذات الاسطوانة المشروخة التي يرددها المتنفذون في النظام ممن سبقوه في ذات المنصب، لتأكيد حقيقة أن النظام ينوي- للخروج من أزمته- وضع مزيد من الضرائب على الشعب، ورفع أسعار السلع الإستراتيجية مثل البترول ومشتقاته والسكر والقمح وفواتير الكهرباء والمياه الخ.. كما حدث من قبل. والوزير يعلم تمام العلم أن النظام لا يدعم أية سلعة من السلع بل يتكسب كسبا مهولا من عائد سلع بعينها مثل البترول والقمح وغيرهما. الآن أصبحت عبارة(رفع الدعم) هي الاسم السري لزيادة الأسعار.

أما حديث الوزير عن أن حل الأزمة يحتاج إلى عدة سنوات قادمة، فهو تصريح يدعو للدهشة. لقد مكث النظام ثلاثين عاماً حاكماً للسودان، تدهورت فيه الحياة تدهورا مريعاً ووضعت البلاد في قائمة الدول الأكثر فقرا وفساداً ومديونية بلغت مليارات الدولارات وعجزاً عن توفير ابسط احتياجات مواطنيه من الماء والكهرباء، والخبز والأدوية المنقذة للحياة.

أن تصريحات وزير مجلس الوزراء تلك تؤكد حالة التوهان المتعمد التي يعيشها القابضون على السلطة والقائمون على تنفيذ سياساتها. فكل من يأتي في أعقاب غيره في هذا المنصب أو ذاك، يبدأ من الصفر ويحفر في ذات المجرى الموغل في عمق الفساد والنهب، وكأن من سبقوه لم يتركوا أثرا من دراسات وخطط، وتقييم لما فشل منها. يؤكد ذلك ما قاله الوزير نفسه عندما قال:" المشاكل الاقتصادية تحتاج إلى دراسات وخطط لتجاوزها." ألا يعني هذا أن من سبقوه كانوا يعملون بدون دراسات أو خطط، وأنه سيبدأ من الأول. هذا قول مردود، فنظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتستر بالإسلام، يعمل منذ انتزاعه القسري للسلطة يعمل وفقا لخطة متكاملة طبقية المحتوى لإثراء هذه الشريحة الطفيلية على حساب إفقار الشعب وتجويعه. وهي قامت وتقوم على خطط ودراسات واضحة الأهداف والمقاصد تتمثل ركائزها في تحرير الاقتصاد وحرية السوق والخصخصة بتخلص النظام الحاكم من كافة مؤسسات القطاع العام الزراعي والصناعي والخدمي وتحويلها إلى القطاع الخاص، ورفع يده عن أي مسئولية عن الإنتاج الزراعي أو الصناعي والخدمي وفقاً لأوامر الرأسمالية العالمية ومؤسساته التنفيذية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

تجاه هذا الوضع كيف يتم(تحويل المواطنين من مستهلكين إلى منتجين).

في ظل رفع الدولة يدها عن كل الإنتاج بأنواعه ودمار كافة مؤسسات الإنتاج وعلى رأسها مشروع الجزيرة ومشاريع النيل الأزرق والنيل الأبيض ودمار معظم المؤسسات الخدمية مثل السكة حديد والاتصالات بكل أنواعها والنقل الجوي والنهري الخ الخ.. مثل هذا التصريح يعكس مدى محاولة الاستغفال للمواطنين الذين يعيشون الواقع ويكتوون بلهيب نيرانه.

أما حديث الوزير عن الحريات المتاحة بالسودان والتي لا مثيل لها في العالمين العربي والأفريقي منذ حضها وتوضح خطها وافتراءها على الواقع المعاش، الممارسات اليومية للنظام المتجسدة في قمع المظاهرات السلمية المطالبة بالحقوق العادلة والمشروعة والمحتجة على زيادات الأسعار وعلى الاعتقالات الواسعة للمواطنين رجالا ونساء ولم تستثن الصبية والأطفال، وإطلاق الغاز السام بل والرصاص على التظاهرات التي اندلعت في معظم أنحاء السودان.

كلها ممارسات تتناقض مع ما نص عليه الدستور وما أكدته مواثيق حقوق الإنسان العالمية والتي وقع عليها هذا النظام. أو لم يسمع الوزير وهو في هذا المنصب الخطير الم.. لكل أجهزة الدولة وتنظيمات العاملين عن الايقاف الأمني للصحف ومصادرتها وايقاف ومنع كتاب العديد من كتاب الأعمدة عن الكتابة. أم لم يسمع الوزير عن المحاكمات التي تقام للطلاب والطالبات في العديد من الجامعات والقمع الوحشي لتجمعاتهم الاحتجاجية المطالبة بحقهم المشروع في جو دراسي تتوفر أبسط مقومات الحياة والاضطلاع.

هذه وغيرها من الممارسات الوحشية والاعتداءات الآثمة على الديمقراطية وحريات المواطنين تؤكد أن البلاد أبعد بما صرح به وزير مجلس الوزراء، وانه لا مثيل له في مبلغ اعتدائه على الحريات الا ما يقوم به النظام في اسرائيل ضد الفلسطينيين من ممارسات استبدادية عنصرية ووحشية.

إن تصريحات وزير مجلس الوزراء في برنامج"مؤتمر إذاعي" هي جزء من المحاولات اللاهثة لتحسين صورة النظام قصد منها خداع الرأي العام العالمي والإقليمي لأن شعب السودان يعيش الأزمة الشاملة والكارثة الاقتصادية التي يكتوي بنيرانها وتكاد تؤدي إلى انهيار النظام نفسه.

أن شعب السودان وطوال ثلاثين عاماً من حكم شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، قد كشف كل محاولات التبرير والخداع والكذب والادعاءات الجوفاء التي يمارسها المتنفذون في النظام لإطالة عمره. وما عادت تنطلي عليه تلك الأساليب المخادعة، وهو مصمم على إسقاط هذا النظام طال الزمان أم قصر.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).