الذهب مرة أخرى

من خلال تقارير وزارة المعادن وبنك السودان

قدمت وزارة المعادن تقريرين خلال عام للمجلس الوطني، الأول في نوفمبر 2017م يتناول أداء الوزارة وإنتاج المعادن عن النصف الأول من عام 2017م والثاني في مارس 2018م يتناول أداء الوزارة وإنتاج المعادن عن النصف الثاني من عام2017م والربع الأول من 2018م وهي رغم بعض القصور في طريقة كتابة التقريرين وعدم شمولهما لتحليل كامل للمتغيرات التي حدثت في الفترات موضوع التقريرين، إلا أنهم يوضحان استقراراً نسبيا في أداء الوزارة وتطوراً كميا في إنتاج بعض المعادن ونشاطا تقنيا ملموسا في إعداد الخرائط الفنية الضرورية للعمل في مجال اكتشاف واستثمار وإنتاج المعادن في السودان،

كما أوضحت استقراراً في التدريب المحلي والخارجي الفني والمهني والإداري، وهذه محمدة في ظل عدم استقرار سياسي انعكس في مرور أربعة وزراء على الوزارة في أقل من(10)سنوات، مما يدل على أن هناك استقرار إداري ومهني وهذه صفة لا تتصف بها أي وزارة أو إدارة حكومية اتحادية أو ولائية منذ 30 يونيو 1989م لكن النتائج الفعلية لهذا النشاط والجهد المثابر من قبل الإداريين والمهنيين والفنيين لا يصب في النهاية في نتائج إيجابية على الاقتصاد السوداني، فمثلا أرتفع إنتاج الذهب منذ 2012م ارتفاعا ملحوظا حتى وصل حوالي الـ( 90)طن بنهاية 2016م وبلغ وفقا لأرقام الوزارة الرسمية 50.22 طنا في النصف الأول من عام 2017 و52.8 طنا في نهاية عام 2017م مما يجعل إجمالي إنتاج الذهب عام 2017 يبلغ 103 طنا، لكن إذا نظرنا للعائد من صادر الذهب فإننا نجد عائد الصادر 1,043.8  مليون دولار في عام 2016 وبلغت 1519.7 دولار في عام 2017م وكل من المبلغين لا يعبران عن صادرات بحجم الإنتاج، مما يدل على أما أن الإنتاج لا يصدر أم أن عائداته لا ترجع للبلاد عبر بنك السودان، وكل من السببين يشيران لتهريب جزء من الذهب وعدم السيطرة الرسمية على إنتاجه وتسويقه. وهذه مسألة سياسية تتعلق بسياسة الدولة أكثر من أنها مسألة إدارية أو مهنية أو فنية ترجع لكادر وزارة المعادن.

التعدين التقليدي ما زال هو الرائد

توضح الأرقام الرسمية لوزارة المعادن أن التعدين التقليدي ما زال هو الرائد في تعدين الذهب فمن إجمالي 103 طنا أنتجت في عام 2017م أنتج التعدين التقليدي 88 طنا أي أن التعدين التقليدي 85.4% بينما أنتجت شركات الامتياز 6.2 طنا وشركات المخلفات 8.8 طنا، وإذا افترضنا أن الدولة تستطيع السيطرة على تسويق إنتاج شركات الامتياز والمخلفات بشكل إداري وأمني، فانه من المستحيل السيطرة الإدارية والأمنية على إنتاج حوالي 2 مليون معدن تقليدي ينتشرون في كل أنحاء السودان وأن السبيل الوحيد لجلب إنتاج هؤلاء في نطاق السوق الوطني هو انتهاج سياسة اقتصادية صحيحة وفعالة، وكنت قد كتبت في العام الماضي مقالا عن الذهب قلت فيه:

("يجب ألا يتوقع أحد أن يبيع شخص ما يملك من ذهب بأقل من السعر الدولي أو على الأقل الإقليمي لدول الجوار. وقد بدأت الحكومة بتخويل بنك السودان لشراء الذهب وقد انتقدت تلك السياسة من قبل بعض الاقتصاديين بأنها تضخمية لأن بنك السودان كان يخلق نقدا لدفع ثمن الذهب، وقد كنت دائما أقول إن المسألة ليس في خلق النقد وزيادة الكتلة النقدية، فهذا الجزء من النقد يخلق تجاه إنتاج سلعي حقيقي (الذهب) ولكن الإشكالية تكمن دائما في أين يذهب عائد الذهب بعد تصديره؟ وهل هو يساهم في توسيع الطاقة الإنتاجية ؟ ويساهم في مقابلة الطلب الذي يخلقه عائد الذهب للمنتجين؟ إن ما حدث لو حدث في أي اقتصاد معافى لدفع بالنمو دفعا قويا بدافعين مختلفين دافع عائدات الدولة من النقد الأجنبي، ودافع الطلب الذي يخلقه ارتفاع دخول منتجي الذهب والعاملين في قطاعه، ولكن الاقتصاد المريض كان يحول ذلك لدفعات تضخمية مزدوجة").

وما زلت أرى أن الحل يكمن في أن تقوم شركة من الشركتين التي كونتهما وزارة المعادن وخاصة سودامين (وهي مملوكة للمالية وبنك السودان وأهدافها تسمح لها بالعمل التجاري) بدور الشركة القابضة في بورصة الذهب وتشتري وفقا للسعر العالمي وبسعر الصرف التأشيري(حتى لو مول ذلك من خلال طبع نقود جديدة، باعتبار أن النقد الجديد يساوي القيم النقدية للإنتاج الجديد من الذهب) وحينها يختفي التهريب ذو الطابع الاقتصادي ويتجه المصدرون نحو بيع ذهبهم بالبورصة، وستحقق هذه السياسة نجاحا أكبر في حالة لجم الطلب على النقد الأجنبي لدفع سعر تبادل الجنيه يقترب أكثر من السعر الرسمي.

وقد يحل هذا الإجراء مسألة العائد من النقد الأجنبي، لكنه لن يحقق إيرادا للموازنة العامة إلا إذا أصبحت الدولة شريكا حقيقيا في إنتاج الذهب أما بدخولها مباشرة مجال الإنتاج أو شراكتها شراكة فعالة لشركات الامتياز، بمعنى أن يكون نصيب الحكومة في الشراكة يزيد على(51%).

إننا نطلق في مطلبنا هذا من أن الذهب والمعادن الأخرى هي ثروة قومية يملكها الشعب وينبغي أن تستغل لمصلحته وعدم تركها للأفراد والشركات لنهبها واستغلالها بشكل يجعلها تنضب كما نضب البترول، دون أن يستفيد الشعب من ذلك في بناء اقتصاد معافى وخدمات متطورة.

إننا نرتكز في ذلك على الدستور والقانون. فالدستور المؤقت لعام 2005 ينص على الدولة أن "تطور الدولة، بموجب التشريع، الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية وأنجع الأساليب لإدارتها." (الفقرة 3 من المادة 11)، بينما يبيح قانون تنمية الثورة المعدنية والتعدين 2015م إبرام اتفاق شراكة أو قسمة إنتاج مع أي شركة يصدر لها ترخيصا للاستكشاف.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+