جدل الشريعة والحياة (2)

فتح العقل المسلم في نقد أصول الفقه التقليدي

عاطف عبد الله

  • الاجتهاد هو المورد الآخر للأحكام لمعالجة الأوضاع التي لم يرد بها نص، أو لتفصيل وتوضيح تلك المنصوص عنها. تستخدم في عملية الاجتهاد، لاستنباط الأحكام، مجموعة من الآليات على رأسها الإجماع والقياس، كما تستند عملية الاجتهاد على مجموعة من القواعد كقاعدة "لا اجتهاد فيما فيه نص" قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" قاعدة "العبرة بعمومية اللفظ وليس خصوصية السبب" قاعدة "المعلوم من الدين بالضرورة" الخ.
  • التفسير والاجتهاد يعتبران مسألة فنية بحتة متاح الخوض فيها فقط لخريجي المؤسسات التعليمية الدينية التقليدية، ومسموح بإجرائهما تحت شروط تضمن اتساقهما مع ما ورد في النقطة السابقة. لا يغير من هذه الحقيقة وجود استثناءات فرضت نفسها بالنفوذ السياسي أو غيره كما هو الحال في اجتهادات الدكتور الترابي.

لقد أدى التمسك بهذه المسلمات التي اكتملت ملامحها خلال القرون الثلاثة التي أعقبت الرسالة، وافتراض أنها قادرة على مقابلة متطلبات المجتمع الإسلامي غض النظر عن تبدلات الأزمان وتغيرات المكان، أدى ذلك إلى آثار سالبة أخطرها حالة الركود التي وسمت المجتمع المسلم وشلت قدرته على الريادة، بل وحولته في نهاية المطاف إلى عبء على الحضارة الإنسانية، ومهدداً لتطورها. فالمسلمون يعتقدون، وبما يشبه الإجماع، أن الدين الإسلامي يشتمل على منظومة متكاملة من الأوامر والنواهي الواجبة الإنفاذ والتطبيق باعتبارها أمراً ربانياً وليس خياراً بشرياً، سواء اختصت هذه الأوامر بأمر العقائد أو تعلقت بحياة البشر اليومية. فالإسلام عندهم عقيدة وشريعة، أي عقيدة وقانون. وهذا الاعتقاد لم ينتج من فراغ حيث له أسبابه الموضوعية المعقدة التي سنتطرق لها بالباب الأول لهذا الكتاب، إلا أنه وبغض النظر عن أسباب هذا الاعتقاد، فإنه يقود لمشكلتين جوهريتين. أولاهما أنه، أي الاعتقاد، يقود مباشرة إلى وضع الدين كمحدد وكعامل رئيسي في الحراك السياسي والاجتماعي الذي من المفترض أن يكون أمراً بشرياً. ثانيهما تحويل الدين لكابح للتقدم حيث أن نصوصه ذات طبيعة ستاتيكية، بينما المجتمع البشري في حالة تحول دائم بشكل يتطلب المراجعة المستمرة والتحديث المتواصل لأي منظومة أحكام تدير حياة البشر، وفي هذا نعتقد أنه من الصعب تصور نجاح أي محاولة للإصلاح في عالمنا الإسلامي بدون معالجة مسألة علاقة الدين بحياة الناس على الوجه الذي يتناسب مع طبيعة كل منهما.

إن الأزمة التي يواجها المجتمع المسلم اليوم هي أزمة عقل جمعي في المقام الأول، وأن أزمة المسلمين وضعف إسهامهم في مجال الاقتصاد والسياسة والمجتمع، إنما هي نتاج لتلك وليست سبباً لها.

 إن الأغلبية العظمى من الأطروحات التي عكفت على دراسة أمر هذه الأزمة من ناحية تجلياتها ومسبباتها ومآلاتها، تجنبت النظر والبحث والتشريح لتلك الماكينة التي يفهم من خلالها المسلم ما حوله؛ والتي يصدر عبرها أحكامه ويصيغ بها أحلامه ومشروعاته، وهي "العقل"؛ وركّزت بدلاً عن ذلك على العوامل المساعدة كانعدام الديمقراطية وهشاشة البنية الاجتماعية وما إلى ذلك.

لقد تم الانتهاء من تشكيل هذا العقل بسماته السائدة اليوم مع نهاية القرن الثالث الهجري، حيث أن القواعد المؤسسة للثقافة العربية الإسلامية السائدة الآن قد تم إرسائها في ذلك العصر، ومنذئذ أضحى العقل المسلم بتأثير تلك الثقافة متسماً بالثبات والركود وفاقداً للتاريخية، لقد مثلت هزيمة المذهب المعتزلي ضربة البداية لعصر الانحطاط الفكري، وبالتالي السياسي، الذي استمر حتى الآن.

إن الخصائص الاستثنائية الملازمة لتلك الثقافة، ومن ضمنها قابليتها الضعيفة للتطور الباطني، أي من داخلها، وهو ما سنتعرض له بالتفصيل لاحقاً؛ لم تتح لذلك العقل، كأداة تفكير وإنتاج للمعرفة، غير أن يكرر ذات المقولات والمفاهيم التي ما استراحت لحظة، من فرط استدعائها، عبر كل محطات التاريخ.   

ينطلق هذا الكتاب من موقع الرفض الكامل لبرنامج وأفكار هذه القوى السلفية التي ترفع رايات الإسلام حالياً،  ويسعى – أي الكتاب – لهدفين أساسيين يتمثل أولهما في فهم وتفسير هذه الظاهرة والتعرف على أسباب نشؤها، وثانيهما في صياغة رؤية بديلة تشمل وضع خطوط عامة لفهم ديني بديل يحل محل الفهم البالي والمسيطر حالياً. فما تسعى إليه القوى السلفية حالياً تحت شعارات أن "الإسلام هو الحل" و "لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، "تطبيق الشريعة الإسلامية"، وغيرها من الشعارات والأهداف، يمثل نكوصاً عن كل ما قطعته شعوب العالمين العربي والإسلامي من تقدم وازدهار نسبي في جانب الفكر والمجتمع في مرحلة التحرر الوطني السابقة، وتقف كابحاً أمام أي تطور محتمل للشعوب العربية والإسلامية في كافة مجالات النشاط البشري، كما أن تيارات رئيسة من هذه القوى أصبحت تشكل اليوم خطراً متزايداً على الحضارة الإنسانية برمتها، خاصة بعد أن أصبحت تنحو منحى إرهابياً صرفاً سواءاً باللسان أو بالسنان، حيث يمثل إرهابها هذا أعلى مراحل الرفض للمستوى الراهن للتطور البشري وأعلى مستويات الكراهية للآخر.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).