المعتقلات السياسية  ،، تجارب ودروس وعبر

بعد إطلاق سراحهم وفي وجهة الصمود ونقل تجارب الاعتقال والمعتقلات بادرت مجموعة من المعتقلين المطلق سراحهم من كافة الاتجاهات السياسية المعارضة على التوثيق لما مروا به أثناء فترة إعتقالهم. الميدان تستعرض في هذه الصفحة كتاباتهم بدءاً من هذا العدد.

***

سبعون يوما عجاف داخل زنازين النظام

خواطر من الذاكرة عن الأيام القاحلة الغنية .

بقلم:ـ مهندس معاش مصطفي عبده داوؤد.

مكثنا سبعين يوما قاحلة ولكنها كانت غنية في عنابر جودة في سجون كوبر قسم يسمى الشرقيات تابع لجهاز الامن والمخابرات ،عنبر مساحته 35 متر مربع 7×5 بع اربعة شبابيك وباب ومروحتين ولمبة واحدة وإثنين مكيف متعطلين طيلة تلك الفترة ،حمام واحد ماسورة مياه واحدة وبرملين للمياه يملآن تحسبا لقطع المياه.

يضم العنبر بين عشرين إلى ثلاثين معتقلاً منهم سياسيين، رؤساء احزاب واعضاء وبعض الشباب الذين شاركوا في مظاهرات يناير 16،17،31 ومنهم من اتهموا بالإتجار بالعملات وتهريب الذهب عن طريق مطار الخرطوم ومنهم ايضا شباب من خريجي الجامعات ومتهمين بالتزوير، إنهم ضحايا الفساد وليس هم أسبابه، وهنا أسجل بالصوت العالى(الإنقلاب هو أعلى مراتب الفساد بصرف النظر عن كنهه يسارياً كان أم يمينياً، فما فقده شعب السودان من ابنائه وبناته طيلة 52 عاما بالإغتيالات السياسية ومن سُجن وشُرد وعُذب وهم بالآلاف ناهيك من الإنهيار والوضع الكارثي في كل مناحى الحياة.)

كيف جعلنا المعتقل الضيق واسعاً وجعلناه مدرسة لنشر الوعي؟

قدر ما إستطعنا نحن الشيوعيون والسياسيون الآخرون وايضا المعتقلون الذين أسميناهم (الإقتصاديون)، كان المعتقل يضم اميان أحدهم متهم بتهريب السلاح والثاني بالإتجار بالعملات ولم يجدوا في حوزته غير 1500 جنيه هذان أيضا قدما لنا تجاربهما الحياتية بصرف النظر عن براءتهما، أو إدانتهما فإنه يشير إلى عجز كل الحكومات المتعاقبة لمحو الامية في بلادنا والفضيحة الاكبر والاقبح يتحملها النظام الحالي لطول مدته في الحكم .

قدمت محاضرات عدة عن حلايب ،تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، الحكم المحلي ،مشروع الجزيرة كيف كان وكيف إنهار،وضع المراة في بلادنا، النظام المدني الديمقراطي،الحزب الإشتراكي الديمقراطي الوحدوي،المؤتمر السوداني التحالف الديمقراطي ،حزب الامة القومي،الوطني الإتحادي الأصل،(الرافضين مشاركة حزبهم في السلطة)،دارفور .

لقد حول المعتقلون كل ممتلكاتهم وما يأتيهم من الأسر كملك مشاع يقسم بالتساوي وعين مدير للتموين ليكون مسؤولاً للحفظ والتوزيع وما يفيض عن حاجة العنبر يحول إلى عنابر اخرى احياناً.

العلاج والدكتور والصيدلي:

أولا ياتيك في الصباح عسكري لمعرفة العدد والتأكد بأننا أحياء ثم يسأل هل هنالك بلاغ، أي واحد يطلب مايريد، من يريد الدكتور يسجل اسمه فيأت الدكتور في نفس اليوم أحياناُ او في اليوم الثاني وأحياناً لا يات فنسجل البلاغ من جديد .

التعامل مع المريض بالشباك، كل يعلن للملأ مرضه هذا يتعارض كلياً مع العرف ومع القسم الذي أقسم عليه الدكتور للحفاظ على أسرار المريض .

في ليلة ظلماء إشتكى معتقل بطعنات في قلبه فاستدعينا الطبيب بالطريقة التقليدية، نخبط الشباك فيأتى عسكري ونطلب منه إحضار الطبيب. حضر الطبيب وايضا التعامل مع مريض القلب بالشباك (الطعن وين؟!متحرك ولا ثابت ؟!)، كان المريض بجواري ويتألم فخاطبت الدكتور وطلبت منه إحضار النقالة وأخذ المريض إلى مكتبه. فيرد علي أنك لا تعرف حالة المريض اكثر مني. فقلت له  : (لم اقل هذا بل طلبت الإجراء الطبيعي والموضوعي تجاه كل مريض وخاصة مريض القلب. )فذهب وارسل مسكن مع احد العساكر ولم يات الصباح للإطمئنان .

في منتصف النهار اتى مدير المعتقل فأشتكيت له وسردت له تصرف الدكتور في الليلة الظلماء وقد تصرف سريعاً وامر المريض ان يلبس ويأخذ اغراضه وقبل أن يكمل (للمة)أغراضه ياتى خبر الإفراج عنه وآخرين بعد إنقضاء أكثر من شهر في المعتقل.

حدث آخر جاءتني زيارة يوم17/2/2018 وقبل المقابلة يأمرني مدير المعتقل عدم التحدث عن حالة المعتقل (إشتكى لينا وما تشتكى لأهلك) بل نحن لدينا الحل. فقلت له عدم الراحة من ضمن الحالة الصحية وعدم القدرة في التحرك لا مكان للرياضة وحمام واحد لاكثر 28 شخص فقال لو (لو ما سمعت الكلام حنلغي الزيارة). قلت ألغوها ولو وفرت لي قلم وورق (ماداير زيارة أصلا!!) وانا راجع للغرفة إذا بمدير المعتقل يدفعني للأمام فقلت له بحزم لا تدفع والضابط الثاني يقرر معاقبتي فيقيد يدي ورجلي امام اربعة من الجنود والضابط المسؤول عن المعتقل فإذا بهم بعد دقائق يفكون القيد ويسمحوا بالزيارة، فبعد السلام والتحية طلبت ان تكون المواد الغذائية ما يكفى 28 شخص فكان ديدن كل أسر المعتقلين، فخبر إكتظاظ العنابر شاع وعم في الداخل والخارج.

حدث آخر يوم13/3/2018 عندما انتهت قطرة ضغط العين الخاصة بي طلبت ليأتوا  بنوع آخر فأضرت بعيني، ورم وألم فطلبت مقابلة الدكتور فيرفضون بحجة أن الشهر لم يكتمل فأقول لهم الشهر لقياس الضغط الدوري واليوم الدواء المعيب أضر بعيني فلم يستجيبوا أيضاً فقررت الإضراب عن الطعام وقلت لزملائى في المعتقل أشرف لي أن أخرج جنازة ولا أخرج بعمي. فتجمع حولي كل العنبر بقيادة الكابتن صديق عبد الجبار(أبو فواز) والمهندس محمد فاروق سلمان والاستاذ حيدر الهادي أي ستة وعشرون معتقلا وطلبوا إنهاء الإضراب والتزموا جميعا ان يتضامنوا معي ويعلنوا الإضراب جمعياً إذا لم يستجيبوا يوم الاحد 16/3 وابلغوا إدارة السجن بهذا القرار الجماعي. وقد كان  أن ذهبت للمستشفى والغيت القطرة المعيبة وصرفت لي قطرات أخري فقد كان خبر القطرة الخطأ نشر عالميا ومحليا. وعند زياة أهلي في نفس اليوم استفسروا عن القطرة فقلت لهم لا سر في السودان .

هذه نمازج من التعذيب فقلت لهم التعذيب البدني أرحم لكن التعذيب المعنوى يستمر 24 ساعة، في عنبر جودة في عام 1956 أغتيل عشرون دسته من البشر ربما كان جهلاً وفي القرن الواحد وعشرين في زنازين الامن 7×5 و3×3 يغتال الإنسان ويعيدونه للأمية لا قراءة ولا كتابة لا إستماع ولا مشاهدة لا صحف ولا كتب لا مجال للرياضة.

قلت لاحد العساكر لماذا تقفلون الباب فهنالك فسحة ناحية الشمال والجنوب أقفلوا الباب الخارجي. قال : ( جرت محاولات هروب من قبل ) فقلت له : ( إذا أتت مظاهرات وهدمت السجن السياسي لا يخرج ويهرب المجرمون؟) فيرد علي بإعجاب الله اكبر.

الاسبوع الأخير عند الآذان الأول لصلاة الصبح قمت بصعوبة شديدة لأنهم أتوا أثناء الليل بمعتقلين جدد ووجدت نفسي لا أستطيع الحركة أثناء النوم وبعده وأخبرت زملائي إنني أتخذت قراراً لا رجعة فيه سأطلب بحبس إنفرادي قبل تلك الليلة، كان كل إثنين من الشباب ينامون في مرتبة واحدة ونحن كبار السن لا يضايقوننا ،فاندهشوا لطلبي كيف ستجن قلت لهم عندما يستجيبوا لطلبي ساكيف حياتي ، وفعلا قدمت الطلب فذكر لي الجندي لا توجد غرف لحبس إنفرداي فقلت له ولو زنازين الإعدام!، واتى ضابط أخر وطلبت مقابلة مدير المعتقل. وقال  ( انا المسؤول الآن ماذا تريد؟ ) قلت أريد حبس إنفرادي ولن استطيع المكوث في هذا العنبر بحكم سني وحكم الغضروف الذي أعاني منه ) فقال جداً سنجد لك حلاً!، وفي نفس اليوم أخبروني أنهم وجدوا لي مكان اخر فطلبت مهلة ساعة حتى تجف ملابسى وفي العصر جاءوا بخبر اخر، فصل السياسيين عن المعتقلين الآخرين، وقبل ان نستقر ويصبح العدد 19 قالوا نريد نقل كبار السن لموقع آخر، فكنا اربعة حولونا إلى عنبر 3×3 وجدنا رئيس حزب التحالف الديمقراطي ومعه عمر عدلان المك من سنجه اصبحنا سته، كان هذا يوم 4/4 وفي 5/4 سمحوا بالسيجارة والتمباك وجرائد السلطة،أخبار اليوم،الصيحة،الإنتباهة،المجهر وثلاث سجاير للشخص وكيس تمباك. وبعد يويمن اوقفوا هذه المنحة وطلبوا من أي شخص عنده قروش في الإمانات نشتري له ما يريده من ماله، ولم يوفوا بل أدركوا إستحالة هذا إداريا وعادوا من جديد للمنحة سيجارتين وكيس تمباك .

وفي مساء 10/4 تم إطلاق سراح المعتقلين وتركنا خلف القطبان شيخ مطر الذي رحل من زالنجي إلى الخرطوم، رجل كفيف نظامي، يعتقل الكفيف ويعذب ويعتقل رجل مقعد في القضارف (جعفر خضر). أي نظام هذا الذي يخاف من المقعد وذاك الكفيف؟ يخاف النظام من فكرهما وثقافتهما ولسانهما فالمستبد ألد أعداء الكلمة إن كانت نطقت أو كتبت.

عندما نقل الشيخ مطر إلى غرفتنا ليصبح العدد 27 تاكدنا من انه كفيف وسياسي فوجهت اسئلة إستنكارية إلى العسكري من سياخذه للحمام؟ من سيغسل له ملابسه؟ من سيطعمه؟ كيف سيتحرك وسط هذا الزحام؟ّ! فقال لي (انت ما داير اجر) فاجبت(ماداير) وماليك دخل في هذا، فهذا خطأ كبير إتخذتموه، وفي المساء أخذ لمكان آخر ربما يكون لعنبر أقل عدداً.

عاش صمود المعتقلين  ونضال الشعب السوداني. والخزي والعار للنظام البائس الفاسد.

29/5/2018

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).