استراتيجية النقل: أحد أسباب أزمة الطاقة والتكلفة العالية

يتفق الاقتصاديون واخصائيو النقل أن النقل البحري والنهري يأتي في مقدمة وسائل النقل الأرخص وتليهما السكك الحديدية ثم الثقل البري بالشاحنات والبصات والعربات الخاصة في طرق مسفلتة ثم النقل البري بالشاحنات والبصات والعربات الخاصة بطرق ترابية وأن أغلى وسائل النقل هي النقل الجوي رغم أنه أسرعها وأريحها للركاب.

تعتمد الدول الصناعية المتطورة كل وسائل النقل المذكورة وتتيح لها المنافسة ولكنها تشجع وسائل النقل الأكثر رخصة في حالة نقل البضائع والركاب   فيصل طول خطوط السكك الحديدية في العالم 1,051,768 كيلومترا، حوالي نصفها في الدول الأكثر تقدما الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي حيث تبلغ الخطوط  557,103 كيلومترا وتصل في الاتحاد الأوربي 211,409 كيلومترا بينما يبلغ طول الخطوط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 30,201 كيلومترا نصيب مصر منها ونصيب السودان منها 4,786 كيلومترا معظمها شيد قبل الاستقلال (الأرقام جميعها من البنك الدولي  في Rail lines (total route-km))

لقد خطرت برأسي هذه الحقائق عن السكك الحديدية وأنا أقرأ تقرير وزارة النقل والطرق والجسور (لاحظ اسم الوزارة الذي يميز الطرق والجسور ويجمع وسائل النقل الأخرى)، فالقارئ للتقرير يتساءل عن استراتيجية النقل في السودان وهل هي استراتيجية صحيحة؟

·       استراتيجية قائمة على الطرق والكباري:

يوضح التقرير المقدم ان هناك 100 طريق جديد اما تحت الانشاء او في مراحل التخطيط والتعاقد وجملتها تساوي 6917.9 كيلومترا (أي طول من شبكة السكة الحديد الحالية والتي يحتاج معظمها للصيانة) وحوالي 21 كبري جديد بينما تم تأهيل 280 كيلو مترا من الطرق الموجودة بطبقة أسفلتيه بينما الإنجاز في مجال السكة حديد هو تأهيل سكك حديد مدني الخرطوم 184 كلم والاستلام الاولي لتأهيل خط بورتسودان عطبرة 505 كلم بينما تزال خطوط هيا كسلا ويبلغ طوله 381 كلم وسنار كوستي الأبيض 434 كلم في مرحلة طرح العطاءات اما في مجال النقل النهري فكل ما انجز هو قانون للنقل النهري وفي الحقيقة ان الأداء الفعلي للنقل النهري لا يوضح  أي إيجابية الا في مجالات التفتيش والترخيص والتسجيل ولكنه يوضح تدهور في مجال نقل الركاب ب 55% ونقل البضائع ب 44%.

صحيح ان أداء السكك الحديدية قد تحسن في مجال نقل البضائع ب 8.6% في عام 2017 مقارنا بعام 2016 ووصل 301838 طنا وهذا بالضبط يساوي ثلث ما نقلته السكة حديد في 1938 و10% مما نقل البري في عام 2017 وتدهور نقل الركاب في عام 2017 ب 29% مقارنا ب 2016 وهو 13% من عدد الركاب الذي نقلته السكك الحديدية في 1963 ويبلغ 5.6% مما نقله النقل البري في عام 2017.

إن هذه الأرقام توضح استراتيجية وزارة النقل والطرق والجسور الى جانب سعيها الدائم للخصخصة فقد ناقش وزير النقل اثناء زيارته لفرنسا في مارس 2018 إمكانية شركة بلوري في تشغيل الموانئ ويعلن التقرير أنه تم اختيار مكتب تقييم ومحاسبة لإعادة تقييم أصول شركة سنجنيب وهي من الشركات الناجحة في مجال النقل البحري بهدف اشراك القطاع الخاص المحلي والاجنبي (ص 17 من التقرير).

·       لماذا هذه استراتيجية خاطئة:

لعل أول اعتراض لدينا ينطلق من الصرف على الطاقة وما يصاحبه من تلوث للبيئة. ولننظر للمقارنة التالية التي أجراها المهندس هاشم محمد احمد مدير عام السكة حديد السابق:

  • قطار حمولة ألف طن يتكون من 33 عربة حمولة 30 طن العربة يساوي حمولة 40 شاحنة حمولة 25 طن.
  • الاستهلاك الاقتصادي للوقود بواسطة القاطرات فإن استهلاك القاطرة في السفرية الواحدة يعادل أقل من 3% من استهلاك الاربعين شاحنة.
  • السكة حديد صديقة للبيئة، أما الشاحنات فإنها أكبر عامل في تلوث البيئة: فتلوث الهواء بثاني أوكسيد الكربون الصادر من الشاحنات يعادل عشرة أضعاف ذاك الصادر من السكة حديد مقابل كل طن يتم نقله. وقد ثبت ذلك بدراسات ميدانية كتلك التي أجريت في بريطانيا التي اثبتت ان السكة حديد تساهم بما يعادل واحد في المائة فقط من جملة الهواء الفاسد (ثاني أكسيد الكربون) الملوث للجو مقارنة بمساهمة واحد وعشرين في المائة للطرق، أي 21 مرة قدر ما تبثه الشاحنات والعربات في الطرق (فورم السكة حديد 2005م وتقرير دراسات الطرق لعام 2003م) ايضا كفاءة استهلاك الطاقة مرتبطة مباشرة بما ينتج عن الحريق من ثاني اوكسيد الكربون.. وفي هذا فان اي طن تنقله العربات يتطلب طاقة تعادل 4 إلى 7 مرات ما تتطلب السكة حديد في الطن الواحد (ريل فيوتشر لعام 2004)(لمناقشة أوسع أنظر سلسلة مقالات هاشم محمد احمد عن السكة حديد في جريدة الأيام 2006).

وفي مثل ظروف بلادنا حيث هناك مشكلة كبيرة في الطاقة، وهي مشكلة او ازمة ستستمر معنا لوقت طويل حتى نحل مشاكل انتاج الطاقة بكل أنواعها في السودان سواء مشاكل انتاج أو استيراد البترول وتصفيته وتخزينه وترحيله وتوزيعه أو مشاكل انتاج الطاقة الكهربائية من مصادر الطاقة البديلة. وبالتالي يصبح من الخطأ الاعتماد على النقل بالشاحنات في المستقبل ونحن لا نحتاج لتبيان ميزات السكة حديد الأخرى هنا من التكلفة المحلية والأجنبية فيما يتعلق بتوفير الإسبيرات وصيانة الطرق أو الخطوط وتدريب القوى العاملة وتأهيلها ودورها في التنمية الاجتماعية وفي الإسراع بأحداث التنمية المتوازنة. ولا بد من اصلاح وتطوير ومد شبكة السكك الحديدية، ليس فقط بالبرنامج الإصلاحي البطيء المقرر الآن والذي رقم تواضعه توضع أمامه العراقيل من مافيا النقل البري.

·       السكك الحديدية: خطوط جديدة:

عند إعادة تعمير السكك الحديدية ينبغي مراجعة اقتصاداتها، بمعنى لابد من بناء خطوط جديدة بجعل استخدام السكك الحديدية أكثر اقتصاداً من غيرها (خاصة الطرق البرية). مثلاً: أصبحت منطقة كوستي منطقة اقتصادية هامة (سكر كنانة، سكر عسلايه، أسمنت ربك، الزراعة الآلية في المقينص وربك، معاصر زيوت ربك)، هذا إلى جانب ميزاتها القديمة (ميناء الجنوب، والمدخل لغرب السودان وشرق الجبال)، ولكن وصول كوستي بالسكك الحديدية يتم عبر خط طويل ممتد من الخرطوم مدني– سنار – كوستي، بينما ممكن بناء خط مباشر بين الخرطوم و كوستي، لاحظ الخرطوم أكبر مستهلك للأسمنت والسكر والذرة! والخط يساعد في أحياء النيل الأبيض، ويخدم مشاريع النيل الأبيض ومشروع سكر النيل الأبيض الجديد. ويفتح إمكانية مرور خط السكة حديد عبر الدويم إلى تندلتي وأم روابة مختصراً المسافة والزمن لخط الغرب.

 مثال آخر النقل بين القضارف والخرطوم (القضارف سنار مدني الخرطوم) بينما يمكن بناء خط شرق النيل من القضارف – الفاو – رفاعة – الخرطوم بحري مما يحيي منطقة شرق النيل ويخدم مشاريع الجنيد تمبول والرهد ومشاريع الزراعة الآلية في القضارف ويمثل خطا بديلا لخط بورتسودان عبر سنار وكلا الخطين يفتحان إمكانية اقتصادية واسعة، إن المسألة ليست فقط اختصار المسافات، فذلك يؤدي لاختصار الزمن ولزيادة وتيرة دوران عربات السكك الحديدية ويحقق اقتصاديات أوسع، المسألة كلها يمكن  فهمها لو فهمنا أسباب بناء الخطوط القديمة ولماذا كانت بهذا الشكل وماذا تغير في الواقع السوداني، وفي أهداف الاقتصاد  القومي؟ (مثلاً القضارف أصبحت منتجة للذرة، مشروع الرهد بمنتجاته المختلفة، سكر الجنيد. الخ). الاقتصاد الوطني يسير في طريق التكامل القطاعي والإقليمي، بمعنى أن إنتاج قطاع أو إقليم ما سيمثل إما مدخلات إنتاج للقطاع أو الإقليم الآخر أو منتجات استهلاكية نهائية لسكان القطاع أو الإقليم الآخر، وهذا صحيح، أو نسعى أن يكون صحيحا، من خلال التنمية المتوازنة.

إن ما ذهبنا إليه لا يلغي أهمية السكك الحديدية للصادر والوارد (توجهها نحو الموانئ أو الحدود الدولية لجيراننا)، بل يعزز من أهمية ذلك بجعل الواردات والصادرات تنقل بشكل أرخص وأسرع. وبالطبع هنا يمكن التفكير في تسيير القطارات المباشرة من الميناء إلى الأقاليم والولايات المختلفة وبالعكس دون المرور بالخرطوم.

وأظن من اقتصاديات المستقبل أن يتم تصميم الخطوط الجديدة التي تمثل أهمية بخطوط ثقيلة ومزدوجة، بدلا أن نعيد التاريخ ثم نعود لصرف أكبر فيما بعد.

·       الخطوط الخفيفة والقطارات المحلية:

يشمل برنامج إعادة تعمير السكك الحديدية على تغيير بعض الخطوط لخطوط ثقيلة (مثل خط الغرب). يصبح السؤال ألا يعني ذلك أنه يتوفر لدينا مواد لبناء خطوط خفيفة في أماكن أخرى؟ أين؟

هذا يقودنا لإمكانية بناء الخطوط القصيرة والمحلية التي تربط مدينة، مركز أو عاصمة إقليم بمناطق المدينة المركز أو عاصمة الإقليم دون أن يكون الهدف الوصول للخرطوم أو بورتسودان. وهذا الاتجاه صحيح ليس في إقامة الخطوط الجديدة فحسب، بل في تشغيل الخطوط القائمة فعلاً في نفس الاتجاه (محلي الخرطوم مدني، الخرطوم كوستي، الخرطوم عطبرة، عطبرة شندي، عطبرة بربر، مدني سنار)، هذا في الخطوط القائمة ولكن يمكن الحديث عن خطوط خفيفة في مناطق أخرى (كوستي شرق الجبال، ودعشانا أو أبوزبد غرب الجبال، بابنوسة لقاوة، نيالا الفاشر، نيالا زالنجي كبكبابية الجنينة، كوستي الرنك، الدمازين الناصر)،  والغرض ليس فقط تقديم خدمة نقل سريعة وأكثر أماناً من الخدمات البرية الأخرى، بل تحقيق سيولة نقدية للسكك الحديدية لمقابلة المنصرفات الجارية (قد يقال أن ذلك ينافس البصات، ولا أرى أن ذلك شيء خطير، بل هو مستحب: إعطاء المواطن فرصة الاختيار، وهو منسجم مع ما ذهبنا إليه حول دور القطاع العام في إيجاد مصادر تمويل !). ستكون خسارة وطنية وإهدار للموارد لو تقرر بيع قطبان الخطوط الخفيفة كخردة كما حدث لسكك حديد الجزيرة.

·       الصيانة:

أن إصلاح السكك الحديدية، لا يتم فقط بإصلاح خطوطها، عرباتها أو قوتها الساحبة، بل بإصلاح قدرتها على الصيانة، بصيانة وتأهيل ورشها القائمة وإقامة ورش جديدة، بغرض صيانة القاطرات والعربات، ولتصنيع قطع الغيار، وصناعة عربات البضاعة والركاب كما كان الحال حتى مطلع السبعينات.  وكنت قد اقترحت في عام 1986 أن تتخصص ورش الصيانة في المناطق في صيانة أنواع محددة من القطارات وفقا لصناعتها (بلجيكية، مجرية، أمريكية، يابانية، ...إلخ) بحيث يتخصص العاملون في صيانة النوع المعين او انتاج وصيانة نوع معين من العربات (بضاعة، ركاب الخ).

إن تجاربنا السابقة في صناعة عربات السكك الحديدية، وفرت لنا خبرات قيمة، يجب أن نستدعيها عند إعادة التعمير.

يتيح تحقيق السلام في البلاد للسكك الحديدية فرصة توفير فلنكاتها محلياً. كما يتيح تطور صناعة الأسمنت والسراميك والبترول في البلاد فرصة للتزليط ولبناء أرصفة حديثة ومحطات سكك حديد تليق بالعقد الثاني للقرن الحادي والعشرين. فمثلا لا أدري الحكمة من جعل الخرطوم محطة واحدة للسكك الحديدية، بينما من الممكن أن تكون الخرطوم بحري هي المحطة الرئيسية للقطارات القادمة من الشمال والشرق (بما في ذلك خط القضارف الخرطوم المقترح)، كما يمكن للشجرة أن تكون المحطة الأساسية لقطارات الجزيرة والغرب والنيل الأبيض المقترحة. وهذا من الممكن حدوثه في المدن الأخرى الكبيرة، مما يقلل الزحام ويزيد كفاءة الإدارة وسرعة تجهيز القطارات والتحكم في مواعيدها.

إصلاح السكك الحديدية يتطلب أيضاً إصلاحاً في نظم إدارتها وحساباتها، وفي تسعيرة خدماتها وفي شروط خدمة عامليها وهذه مسألة أخرى قد نعود إليها مستقبلا.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+