شُذُورٌ مِنْ مَتاعِبِ التُّرَابِي!

بقلم/ كمال الجزولي

في مطلع مارس المنصرم أحيا الأخـوان المسلمون في السُّودان والمنطقة، وكذا تنظيمات الإسلامويين المتحدِّرين منهم عموماً، ذكرى وفاة أحد أبرز قادتهم، د. حسـن التُّرابـي (1 فبراير 1932م ـ 5 مارس 2016م)، والذي انداح حتَّى السَّالب من تأثيره، فبلغ أقصى التُّخوم الإسلاميَّة، ليس أوان حياته، فحسب، بل وبعد مماته. على أن ذلك لم يقع دون متاعب فقهيَّة تعرَّض لها الرَّجل مع جمهور اكتسب،

في تديُّنه، علماً بألا قدسيَّة، في الإسلام، لـ "رجال دين" يتخلى لهم المؤمنون، نهائيَّاً، عن كلِّ شؤون الفقه والفُتيا، والتَّحليل والتَّحريم، كما كان الحال مع "الإكليروس الكنسي" في التَّاريخ القروسطي الأوربِّي، حيث الوعد فـي الإسـلام، على العكس من ذلك، أن "من أراد الله به خيراً فقَّهه في الدِّين". وفي هذه المناسبة نستعيد، للذِّكرى، شذوراً مِمَّا سبق أن أشرنا إليه من هذه المتاعب، وتحديداً ما يتَّصل منها بارتباكاته بين خياري التَّطبيقين "الجُّغرافي" و"الشَّخصي" للتَّشريع.

يذكر الكثيرون، مثلاً، المشكلة التى ثارت أواخر فبراير 2004م داخل اجتماع هيئة شورى "المؤتمر الشَّعبي" الذي كوَّنه الرَّجل، وتولى أمانته العامَّة، لمناوءة حزب البشير "المؤتمر الوطني"، بعد مفاصلتهما الشَّهيرة في الرَّابع من رمضان عام 1420هـ، الموافق الثَّاني عشر من ديسمبر عام 1999م. كانت حقوقُ غير المسلمين هي مدار تلك المشكلة، بما في ذلك التَّعامل في الخمر شرباً وبيعاً (البيان؛ 29  فبراير 2004م)، ضغثاً على إبالة المتاعب الفقهيَّة بين نظامي "القيم" و"المفاهيم" لدى التُّرابي وتنظيماته التَّاريخيَّة. فقد انقسم اجتماع تلك الهيئة في يومه الثَّانى (26  فبراير 2004م) بين مؤيِّدين لمقترح قدَّمه د. بشير آدم رحمة، أحد أقرب معاوني التُّرابي إليه، يعني بعلمه وموافقته، بأن يُكفل "للمسلمين حيثما كانوا، فى الوطن، حقَّ الاحتكام لقوانين تعبِّر عن دينهم، ولغير المسلمين كذلك الاحتكام إِلى قوانين تمثل دينهم"، وهو ما يُعرف بـ "التطبيق الشَّخصي" للتَّشريع، وبين معارضين يطالبون بإسقاط المقترح، جملة وتفصيلاً، كونه، برأيهم، يحوِّل الخرطوم إلى "عاصمة علمانيَّة تملؤها الخمَّارات"، الأمر الذي اعتبروه خروجاً على الدِّين، وهدَّدوا بأنه لن يمرَّ إلا فوق أجسادهم!

لكنه مرَّ على أيَّة حال. فقد رفع التُّرابي المصحف بيمناه، وأسهب في الحديث عن نموذج دولة المدينة، مومئاً، في ما هو بائن، إلى الجَّنوبيين وقتذاك، ومتوكِّئاً على الآيات التى ذكَّر الله فيها رسوله الكريم بأنه غير مأمور بإخضاع أهل الكتاب للإسلام إن هم أعرضوا عنه.

كلام جميل لا تنتطح فيه عنزان، لولا أنه جاء متأخراً جدَّاً! فمتاعب الرَّجل الفقهيَّة برزت، يومها، لأوَّل مرَّة، ليس من وسط هتافات متعاكسة بين مؤيديه وخصومه كما جرت العادة، بل من قلب هتافات متشاكسة وسط مؤيِّديه أنفسهم، حيث اجترأ عليه، داخل الاجتماع، نفر من غمارهم، كالسيدة منى محمد والسيد محمد السيد (!) بل واجترأ عليه، خارج الاجتماع، بعض أخلص خلصائه ، كالسيد يس عمر الإمام الذى لم يستنكف أن يصرِّح، علناً، بأن "آراء الترابى الفقهيَّة لا تمثل المؤتمر الشَّعبى" (ألوان، 5  مايو 2014م).

تتبادر إلى الأذهان فوراً، ولا بُد، المفارقة المتمثِّلة في كون الفريقين كليهما قد ترعرعا على نهج  التُّرابى نفسه، القائم، كما أشرنا، فى الاجترار العقيم لمنظومة "القيم"، عِوضَ ما تفتقر إليه حركته من منظومة "المفاهـيم" (عبد الله فهد النَّفيسى، 1989م)، وهو ما فسَّره البعض باحتياجها الدَّائم "للتحصُّن بالإلهى والمقدَّس لمواجهة أيِّ نقد" (حيدر إبراهيم، 1999م).

لا يمكن، كذلك، إغفال وجه دراماتيكىٍّ آخر لمتاعب الرَّجل، هذه المرَّة، فى إضافته لذيل بيانه، والمصحف يخفق في يمناه، أنه لا يخشى أن تقول الصَّحافة غداً إنه أباح الخمر (!) فهو، حسبما أوردت صحيفة حزبه، لم يقـل سـوى أن غيـر المسلمين  أحرار فـى التَّحاكـم لمعتقداتهـم بشـأن الأسـرة والميـراث والزي (!) لكـن الحـيـرة سـرعان مـا تتملكك، يا رعاك الله، حين تتذكَّر أن "الخمر" ليست من شؤون "الأسرة"، ولا "الميراث"، ولا "الزِّي"، وحين تكاد لا تتذكر موقفاً سابقاً للرَّجل احتاج فيه لمثل منافذ "التَّخارُج" الخلفيَّة هذه، حتى فى مواجهة خصومه، دَعْ أتباعه المشبَّعين بمحبَّته، وبالثقة غير المحدودة فى فقهه!

أمَّا إذا تركنا حقوق غير المسلمين جانباً، فإننا نجد أن متاعب التُّرابى مع حقوق المسلمين أنفسهم قديمة. ففي عقابيل مصالحته مع النِّميري عام 1977م، والتي أبرمها باسم "الحركة الإسلاميَّة"، نافضاً يده عن حزب "الأخوان المسلمون"، ترأس "اللجنة الفنيَّة لمراجعة القوانين كى تتَّسق مع الشَّريعة الإسلاميَّة"، بوزارة العدل ديوان النَّائب العام، فأفتى بأن "شرب الخمر" ليس جريمة "حديَّة"، واستند إلى العوَّا فى المذكِّرة التَّفسيريَّة بأن "عقوبة الجَّلد لم ترد في أصول الشَّريعة مقدَّرة بحيث تقوم حدَّاً"، لا في القرآن، ولا السُّنَّة، ولا  الاجماع؛ ففى الأمر سِعَة، إذن، والعقوبة تعذيرٌ، حسب ابن تيميه وابن القـيِّم (محمـد سليم العـوَّا؛ 1983م).

منذئذٍ عُهد فى التُّرابي تفضيل "التَّطبيق الجُّغرافي" على "التَّطبيق الشَّخصي"، حَذَرَ أن يُفتنَ مسلمو الجَّنوب، كما قال، فى دينهم، فتمسى الشَّريعة مُهيِّجاً لردَّتهم (!) بل وعُهد فيه، إلى ذلك، ميله لـ "التطبيق المتدرِّج" حتَّى في الشَّمال، بغرض تخفيف غلواء المتشدِّدين (!) ولعلَّ ذلك هو ما حدا بكاتب بريطاني متخصِّص في الشُّؤون السُّودانيًّة لأن يصفه، تارة بـ "الفابيانى"، وتارة أخرى بـ "البراغماتى" (بيتر ودوارد، 1990م). مع ذلك، عندما أصدر النِّميري قوانين سبتمبر 1983م، معتبراً الخمر "حدَّاً"، سارع التُّرابي لتأييدها، متناسياً "فقهه" الذى لم يجفَّ مداده بعد! فحتَّى لو سلمنا جدلاً بأنه فوجئ بتلك التَّشريعات كأمر واقع، كون النِّميري أصدرها من وراء ظهره "حسداً من عند نفسه"، كما قال، حتَّى لا يكسب التُّرابي فضلاً من المشاركة في إصدارها (!) فإن الرَّجل قد عاد، حتى بعد أن تهيَّأ له، مرَّتين على الأقل، ثقلٌ معتبر فى التَّشريع، فاعتبر الخمر "حدَّاً"، متجاهلاً فقهه القديم دون مُسوِّغ من تغيُّر في المكان أو الزمان.

على أن "فابيانيَّة" التُّرابى و"براغماتيَّته" ليس نادراً ما اصطدمت باحتياجه الملح للاستمرار في تغذية تيَّار الغلوِّ يستقوى به لابتزاز أحزاب المسلمين التقليديَّة، والمزايدة عليها، بحكم تطلعه الدَّائم إلى "التَّمكين" السِّياسي المطلق. لكن الغلوَّ ما يفتأ يتحوَّل، أغلب الأحيان، إلى عقبة كؤود أمام "الطلاقات الفقهيَّة" التى يرغب فيها الرَّجل، بدلاً من أن يعينه عليها كما يأمل!

فى السِّياق ما أكثر ما عبَّر التُّرابي عن برمه بواقع السُّودان "المعقَّد" الذى فاقمت منه مناهجه الملتبسة ذاتها، دون أن يبدي اجتهاداً يكافئ هذا "التَّعقيد"، كقوله، مثلاً: "قدَرُنا .. أن نبتلى ببلد مركَّب معقَّد البناء يكاد يمثِّل كلَّ الشُّعوب الأفريقيَّة بلغاتها، وسحناتها، وأعراقها، وأعرافها" (م/الصياد، ع/مايو 1988م). ثم ما لبث أن أقدم، في العام التَّالي، على قفزة فى الظلام، حين باغت الحركة السِّياسيَّة بحسمه لقضيَّة السُّلطة في انقلاب الثَّلاثين من يونيو 1989م، زاجَّاً بحركته فى مأزقها الرَّاهن، قبل أن يعود، بعد خمس عشرة سنة من ذلك، ليعلن "توبته" من الانقـلابات (الشـرق الأوسـط 3 مارس 2004م).

انشقَّ التُّرابي عن حركته فى "طورها الأكبر/الأخوان المسلمون"، ليبقى في قيادة "الحركة الإسلاميَّة" التي صالح بها النِّميري أواخر سبعينات القرن المنصرم، ثمَّ انشقَّ عنها، عام 1999م، فى "طورها الأوسط/الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة" التي كان قد أنجز بها انقلاب 1989م، ثم ما لبث أن فوجئ بها، عام 2004م، تتهيَّأ، في "طورها الأصغر/المؤتمر الشَّعبي"، لتنفض يدها عنه من خلال أحداث هيئة شوراها المار ذكرها .. فى مشهد شكسبيرىٍّ نادر!

 

***

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+