لينين والانتفاضة

عبدالرازق دحنون

يحاجج لينين في مقاله المشهور: هل يحتفظ البلاشفة بالسلطة؟ بأنَّ المرتعبين من التغير عادة  ما يسلَّمون بالانتفاضة, نعم, ولكن  شرط ألا تسفر عن وضع معقَّد للغاية. ولكن هل يمكن أن توجد انتفاضة كهذه؟ والحلم بمثل هذه الانتفاضة لا ينطوي إلا على شكاوى نشأت في بيئة اجتماعية تفضِّل العيش مع القديم وترتعب من الجديد. فالانتفاضة, وإن بدأت في وضع قليل التعقيد في الظاهر, تسفر على الدوام, خلال تطورها, عن وضع معقد للغاية. ذلك لأنَّ الانتفاضة الحقيقية, العميقة, الشعبية, على حدِّ تعبير كارل ماركس, هي في النهاية عملية معقدة ومؤلمة إلى أقصى حد, عملية ولادة قيصريَّة, حياة جديدة لعشرات الملايين من البشر. وقد لا تكون هذه الحياة الجديدة أفضل من سابقتها القديمة لأنَّ السيرورة التاريخية تفيد بأنه يصعب التنبؤ بنتائج الانتفاضة العارمة, وقد تسير بالمجتمع خطوتين إلى الوراء وخطوة إلى الأمام, لأنَّ الانتفاضة إنَّما هي كفاح جامح ضار وليس غير الرجال المعلَّبين  الخارجين لتوِّهم من معطف "الرجل المعلب" بطل قصة انطون تشيخوف -هذا النموذج من البشر الذي يخشى كل تجديد وكل مبادرة- من يمكنهم أن يتصوروا الانتفاضة الاجتماعية  دون وضع معقَّد. ودون  وضع معقَّد للغاية لن تقوم أيضاً أيَّة انتفاضة. وحجتهم لا تنطوي على أيَّة فكرة لا اقتصادية ولا سياسية ولا أيَّة فكرة من نوع آخر على وجه العموم. إنَّما تنطوي فقط على شكاوى أولئك الذين تملأ الانتفاضة قلوبهم بالأسى والرعب.

أعرف مهندساً غنياً كان فيما مضى ثورياً بل رفيقاً في الحزب الشيوعي, أما اليوم فهو يرتجف خوفاً, ويتململ ضغينة من هؤلاء العوام الغوغاء أصحابُ الصَّنادل المهترئة, الثائرين المتمردين الذين هبوّا لاقتحام أبواب السماء كأهل "كومونة باريس" ولا يمكن كبح جماحهم. فهو يقول -والرجل مثقف زار عدة بلدان أجنبية- لو أنَّ هؤلاء الثوار من أهل الريف والأحياء الفقيرة في المدن كانوا أكثر تحضرًا, أكثر تنظيماً, أكثر دراية بما يفعلون. لو كانوا أصحاب برامج واضحة لانتفاضتهم لو أنَّها كانت أقل همجية, مع إني أوافق معهم على حتمية الانتفاضة الاجتماعية بوجه عام, ولكن عندنا, هذه ليست انتفاضة, بل هاوية, ومن العار أن أُشارك فيها, لا استطيع ذلك. وها هو يهرب ويترك الرعاع تقود الانتفاضة.

قد يكون صاحبنا المهندس مستعداً لقبول الانتفاضة الاجتماعية لهؤلاء الرعاع الغوغاء, والمشاركة فيها, لو أن التاريخ يوصل إليها بهدوء ونعومة, وملاسة ورقة, مثلما يصل قطار سريع حديث إلى المحطة. وإذا رقيب المحطة يفتح  باب العربة بكل رزانة ورصانة, ويهتف قائلاً: محطة الانتفاضة الاجتماعية لينزل الجميع.

لقد شَهِدَ هذا الرجل تمردات واضطرابات وانتفاضات متعددة وهو يعرف أيَّة عاصفة من المشاعر المتأجَّجة ترافق على الدوام مثل هذه الاحتجاجات الشعبية الغاضبة حتى السلميَّة منها. ويقيناً أنَّه يدرك كم من ملايين المرات ينبغي أن تكون هذه العاصفة أشد هيجاناً حين يستنهض الذّل والاستبداد والعسف, السواد الأعظم من الشعب المحكوم بأجهزة أمنية متوحشة. كل هذا يفهمه صاحبنا نظرياً ولكنه لا يقرّ به إلا من رؤوس شفتيه, فقط بسبب الوضع المعقَّد للغاية. ويتمنى من كل قلبه أن تكون الانتفاضة ألين في خطوطها وزواياها الحادة ويسأل من جديد: ألا يذهب الوطن إلى وضع معقد للغاية؟ ولكن عوام الخلق التي ثارت ضدَّ الطغيان العسكري لجهاز الدولة يُتابعون تحطيم البيروقراطية العسكرية التي سلبتهم حريتهم وكرامتهم ووضعتهم تحت البسطار العسكري.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )