السودان فى قبضة ابي جلمبو

إن استراتيجية الرأسمالية العالمية وشركاتها الاحتكارية، هى التراكم الرأسمالى عن طريق فائض القيمة، بمعنى شراء المواد الخام ومن ثم تحويلها الى سلعة وبالضروورة ايجاد السوق لها. وعليه يكون هدفها الاساسى كيفية الوصول الى مصادر المواد الخام والحصول على الاسواق الاستهلاكية. هذا ما نقصد به مصالح الامبريالية العالمية، التى من اجلها تضع يدها على اماكن هذه الثروات مباشرة عن طريق الحروب والاستعمار المباشر او غير المباشر عن طريق وكلائها الذين تغدق عليهم ما يبقيهم فى خدمتها وترتبط مصالحهم بمصالحها.

الامبريالية الامريكية وحلفائها سعوا لتكوين القطب الاوحد فى العالم بعد انهيار المعسكر الاشتراكى بأكمله، فيعيدوا صياغته وتقسيمه، لكى يضعوا ايديهم على مصادر مواده الخام ويسهل احتكار اسواقه، فبادرت واسهمت فى تفتيت دول المعسكر الاشتراكى المنهار الى دويلات يسهل الهيمنة عليها (مجموعة دول الاتحاد السوفيتى ، تشيكوسلوفاكيا ، يوغسلافيا، ... الخ). ثم وضعت خطتها للسيطرة على مصادر الطاقة فى الشرق الاوسط الكبير واعادة صياغته وتقسيمه واعتمدت خطة الفوضى الخلاقة لتحقيق الغرض (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن... والقائمة تطول)، واعتمدت الرأسمالية الطفيلية، المتبنية ايديولوجية الاسلام السياسى، اذ أنهم لايؤمنون بالانتماء لوطن ما فالعقيدة هى وطنهم، وكذلك الحكام الرجعيون أداة المساعدة فى تنفيذ هذا المخطط. بالتأكيد السودان ليس استثناءا وهو أول حاضن لشرازم المتبنين هذا الطريق المعادى لحركة الجماهير. فلا غرو أن تناصر الامبريالية العالمية وحلفائها وتدعم من يخدم مصالحها وتهيئة الارضية لاستغلال موارد البلاد الخام وتهيئة السوق لمنتجات الشركات الاحتكارية وتراكم رأسمالها عن طريق مؤسساتها المالية والتجارية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين  ومنظمة التجارة العالمية. فلم يألوا جهدا فى تدمير جميع المشاريع الانتاجية والخدمية وخصخصة مشاريع القطاع العام بتمليكها لمنسوبيهم ، وبذلك اصبح السودان سوقا استهلاكيا مكشوفا لمنتجات رأسالمال الانتناجى والخدمى ، ومع ذلك اصبحت حرية الاقتصاد دون قيود والخدمات الاساسية كالصحة والتعليم والاتصالات وغيرها من خدمات سلعة كغيرها.

لقد شجعتها تجربتها فى اتفاقية السلام الشامل التى ادت الى تحقيق الكثير من مخططها بفصل الجنوب، وتوطيد لمؤسساتها الاقتصادية والمالية والتجارية (صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة الدولية)، ومؤسساتها الامنية (السى آى أ، والافريكوم، والسيسا)، التى حققتها لها سلطة المؤتمر الوطنى بعد أن كان لها نصيب الاسد فى اتفاقية السلام الشامل ثم وطدتها بانتخابات مزورة ، بعد الفترة الانتقالية. شجعتها هذه التجربة باعادتها بصورة اخرى بقصد البقاء على من يحافظ على مكتسباتها ، بالتضليل على إن  حل الازمة السودانية لا يأتى إلا عن طرق الهبوط الناعم، ليكفى البلاد شر النوذج الذى اتبعته فى بلاد الشرق الاوسط الاخرى.

إن اساس خطة الهبوط الناعم الذى طرحته الامبريالية الامريكية وتبناه حلفاؤها الاوربيين فى كيفية تغيير هذا النظام الذى التفت الازمات حول عنقه، واصبح دون قاعدة شعبية، وعجز عن حلول لايقاف الحرب واستقرار الوضع، وادت سياساته لصعوبة العيش تحت ظله، واصبح مواجها بموجة من الاحتجاجات يصعب عليه الصمود امامها، وذلك دون أن يغير من طبيعته، ودون المساس بما كسبته تحت ظله مما ذكرناه آنفا.

ويتطلب حل الأزمة عن طريق الهبوط الناعم مشاركة جميع القوى السياسية السودانية الحاكمة منها وغير الحاكمة وحتى الذين ارتكبوا جرائم ومستعدون للاعتذار عنها، مما يعنى اعادة الازمة وعفى الله عما سلف، ويغض الشعب الطرف عن  29 عاما سفكت فيها دماءا طاهرة وارتكبت فيها جرائم يندى لها جبين الانسانية، ويبدأ صفحة جديدة تحت ظل كل مؤسسات وقوانين الطغمة الحاكمة، ويعيد تجربة اتفاقية السلام الشامل وكأنما ابوزيد لا غزا ولا شاف الغزو!!.

ولدعم مشروع الهبوط الناعم صرح ممثلو البعثات الدبلوماسية بأنهم سيدعمون ما يسمى بحكومة الجبهة الوطنية العريضة الحالية وما توصلت اليه من حوار الوثبة وانعاشها بالدرب لكى تظل حاكمة، بالرغم من علمهم بفسادها وسرقتها لقوت المواطن ويصفونها بانها الأكثر استقراراً فى المنطقة.

اذا الحل الوحيد هو الإلغاء بهذا النطام فى مذبلة التاريخ... هذا ما توصل له الحزب الشيوعى واصبح شعاراً تملكته الجماهير والكيفية هى جبهة عريضة اساسها الذين يؤمنون بالغاء هذا النظام فى مذبلة التاريخ حتى ولو التحقوا بقوى الانتفاضة فى ساعاتها الاخيرة ... الحزب الشيوعى ليس وصيا على شعب السودان ولا انتفاضته ولن يستطيع بمفرده اسقاط هذا النظام ولا اقامة سلطة ينفرد بها بعد اسقاطه ولن ينفرد بالسلطة حتى سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية.. فقضية التحالفات التكتيكية والاستراتيحية التى اساسها جماهير الشعب السودانى قضية غير قابلة للمزايدات بالنسبة للحزب الشيوعى. ويكون اساس هذه التحالفات، الديمقراطية والبرنامج المشترك المرحلى الذى يلبى احتياجات المرحلة. أما القوى اليمينية والتى تريد اعادة استنساخ الازمة عن طريق الهبوط الناعم فهى اداة تخذيل لحركة الجماهير المتقدمة نحو التغيير الجذرى الذى يقود السودان لديمقراطية مدنية اساسها المواطنة ولا مجال فيها للدولة الدينية ولا دعاة الاقصاء، ولا الذين يحاولون تجاوز تطبيق العدالة ومحاسبة الذين اجرموا فى حق هذا الشعب منذ يونيو 1989  .

إن قضية شعار اسقاط النظام تملكته جماهير الشعب السودانى العريضة وهتفت بسلمية الانتفاضة الشعبية ووصفتها بأنها "سلمية ضد الحرامية" وصفا لعصابة اللصوص التى تحكم السودان ، وتشمل الذين مكنوا هذا النظام وشاركوا فى جرائمه واصبحوا يقفذون من سفينته الغارقة، فليعلموا أن لا فكاك لهم من المحاسبة على ما اغترفوه وإن محاولتهم ومحاولة دعاة الهبوط الناعم الذين يضعونهم على رأس قائمتهم لضمهم لجبهة عريضة  لا تدعوا لاسقاط النظام بل لتغييره "احمد بحاج احمد" عن طريق الهبوط الناعم ، لن تجد قبول شعب السودان الداعى للتغيير الجذرى عن طريق الانتفضة الجماهيرية الشعبية . وهناك كتلة ثالثة تمثل يمينا ليس له مصلحة فى تغيير جذرى تعبر عنهم فئة ارتبطت مصالحها ونمت تحت ظل نظام الاسلام السياسى وكذلك ترتبط مصالحها الطبقية بالرأسمالية العالمية وبالليبرالية الجديدة وماتطرحه من الحرية المطلقة للسوق والمنافسة . وتمارس الرأسمالية العالمية عليها الضغوط على طريق الجذرة والعصى ! إن هذه القوى تسعى لقيادة المرحلة القادمة ومصالحها مرتبطة برأس المال العالمى.

إن استراتيجية الحزب وتكتيكاته لهذه المرحلة واضحة وضوحاً لا لبس فيه الا من يريد أن يبلبل الساحة بمتناقضات نظرية تقود مثقفى الشعب السودانى بفئاتهم وطبقاتهم المختلفة وتغرقهم فى مجادلة لا طائل ولا فائدة تجنى منها. يطرح الحزب وسائل الاسقاط فى مجملها ويعرفها بالاضراب السياسى والعصيان المدنى، ويمكننا الخوض فى كيفية تنفيذهما بالرغم من أن ابداع الجماهير وتقدم آليات التواصل والصلة فى عالم ثورة المعلومات وتكنلوجيا  المعلومات، مبنية على ارث الجماهير فى مقاومة الدكتاتوريات، قدمت لشعبنا نماذج من مقارعتها لنظام القهر والاستبداد وآلته القمعية: وما هبات شعبنا شيبا وشبابا ونساءا فى يوليو 2012 وسبتمبر 2013 ويناير 2018 واعتصامات نوفمبر وديسمبر 2016 واعتصامات اهلنا فى مناهضة السدود وفى استيلاء العصابة الحاكمة على الاراضى ومظاهرات الطلاب والمواجهات المختلفة ...الخ،  الا نموذجا لكيفية تنفيذ شعار الاضراب السياسى والعصيان المدنى عندما تحين لحظته الموضوعية، وبتنتظم جماهيره فى كل بقاع السودان وقيام قيادته السياسية بدورها فى التنظيم والتنسيق بين جماهير شعبنا الثائر. إن هذه الهبات، سوى إن كانت عفوية او منظمة، هى تراكمية تصب فى وعاء الانتفاضة.

اذا هنالك لحظة غليان موضوعية، لهبة جماهير الشعب، وبالتأكيد يحتاج غليان القاعدة الجماهيرية لمن يوقد النار فى مرجلها، وهذا دور القاعدة الثورية وسط الجماهير. وبالطبع هنالك دور للقيادة، المنسق والمنظم لهذه القاعدة، على نطاق القطر . وما اجماع القوى السياسية فى 17ينائر 2018 وميثاق الخلاص الوطنى الا دليلا على اهمية القيادة الموحدة للانتفاضة تحت شعار اسقاط النظام وليس ترقيعه باى حال من الاحوال.

ان قضية التغيير الجذرى واقامة سلطة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة، فى الفترة الانتقالية، تفتح المجال أمام التطور الوطنى الديمقراطى وسلطته فليس هنالك خطوط تمنع تداخل المراحل. وامام الحزب الشيوعى واجب النضال من اجل اعادة بناء وتقوية المنظمات الجماهيرية والديمقراطية بتحالفاته الاستراتيجية والتى ستقود نضالا تحالفيا فى مرحلة ما بعد اسقاط هذا النظام.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )