الحوار حول الانتخابات والأولويات المقلوبة(2)

في المقال السابق تعرضت بصورة مجملة لقضية الانتخابات وسأتعرض، في هذا المقال، باختصار لمناقشة أطروحات الداعين والرافضين للمشاركة. سأبدأ بتوضيح موقفي المبدئي من الانتخابات العامة كحق ديمقراطي، مكتسب ومشروع، ثم أناقش مقولات وأسباب الداعين والرافضين للمشاركة في الانتخابات القادمة، واختتم بالقضايا الأهم، وذات الأولوية، في الوقت الراهن.

  • الموقف المبدئي من الانتخابات

الانتخابات العامة وحق التصويت للجميع هما محصلة دعوات فكرية، وتطور تاريخي، وحراك جماهيري واسع ومتواصل عبر عقود من السنين. فقد كان حق التصويت حكرا على الطبقات الارستقراطية. وبعد نضال طويل تم منح الطبقات العاملة حق التصويت، مما أحدث أثرا واضحا حول الطبيعة السياسية والتركيب الطبقي للبرلمانات. أعقب ذلك منح حق التصويت للنساء، فألغى آخر مظاهر التمييز، وأضاف بعدا اجتماعيا مهما للأنظمة الديمقراطية. كانت الانتخابات، ولا تزال، قضية صراع فكري متواصل، بين مختلف التيارات الفكرية(ليس هذا مجال الخوض فيها) فالانتخابات هي حق مشروع للجماهير، كسبته بعد معارك، لتحدد من يحكمها. من هذا المنطلق، ليس لدى اعتراض مبدئي على المشاركة في أي انتخابات عامة، لكن المشاركة، ذات القيمة والفعالية السياسية، تتحدد بالتحليل الموضوعي للواقع السياسي المحدد، في الوقت المحدد، وطبيعة النظام الحاكم، هل هو ديمقراطي أم دكتاتوري. وهل المشاركة ستكون إضافة إيجابية لنشاط المعارضة، وتسرع بوتائر التحول الديمقراطي أم أنها تصب في مصلحة النظام الدكتاتوري القائم، الذي لجأ لها مضطرا، تحت الضغوط الدولية، أو في محاولة لإضفاء المظهر الديمقراطي على نفسه، وتجميل صورته.

  • أسباب الدعوة للمشاركة في انتخابات (2020)

الأسباب الأساسية التي أوردها دعاة المشاركة هي:

1/فشل المعارضة خلال ثلاثة عقود في إسقاط نظام الإنقاذ.

2/اليأس من التغيير والاقتناع بأن نظام الإنقاذ غير قابل للزوال.

3/ضعف الأحزاب السياسية وابتعادها عن العمل وسط الجماهير.

4/عزوف الجماهير عن دعوة الأحزاب للخروج للشارع.

5/استغلال الانتخابات للحشد والتنظيم وتقوية ارتباط الأحزاب بالجماهير.

6/تجارب نجاح الانتخابات في بلدان أخرى في إسقاط الدكتاتوريات.

7/فشل الفترات الانتقالية التي تعقب الثورات والانتفاضات.

8/التغيير لا يتم في انتخابات واحدة ويحتاج لسنوات طويلة وانتخابات متعددة، لذا علينا الصبر.

سأحاول، في مناقشة هادئة، تحليل هذه الأسباب التي تستدعي المشاركة في انتخابات أعلنها النظام، وحشد لها إعلامه وكوادره، لتصويرها كوسيلة وحيدة وديمقراطية لتداول السلطة سلميا، وهو النظام الذي انقلب على نظام ديمقراطي.

  • فشل المعارضة في إسقاط النظام حقيقة واقعة ومعروفة. نجح النظام في كسب عدة معارك ولكنه لم يكسب الحرب. ويعاني النظام من الضعف أيضا، فالنظام اليوم ليس هو نظام العشرية الأولى، كما أنه أجرى عدة تغييرات في تكتيكاته وأساليبه لتوسيع قاعدته الاجتماعية، وآخر تلك المحاولات، ما سمي بحوار(الوثبة) يمكننا بثقة أن نصف الوضع الراهن بتوازن الضعف. فشل المعارضة نتاج لأسباب موضوعية وذاتية، علينا تحليلها واستيعابها والعمل على تخطيها، بالتعلم من دروس التجربة.
  • اليأس من التغيير والاقتناع بأن نظام الإنقاذ غير قابل للزوال. التعامل مع مصائر الشعوب بروح اليأس والقنوط، " وتمسك الغريق بقشة" مسألة خطيرة ولها ما بعدها، وأنني شخصياً أؤمن بمقولة: أنه لو كان النضال يؤدي للنجاح دائما، لكان من السهل صنع تاريخ العالم) فطرح بدائل انطلاقا من روح اليأس والقنوط سيقود حتما للاستسلام والقبول بأي شيء. والغريب حقا أن تظهر روح اليأس حاليا، والشعب السوداني قد تقدم خطوات في منازلته للنظام، ويستعد لمواجهه حاسمة معه. ولماذا اليأس والنظرية السوداوية في هذا الوقت بالذات. ولدينا إرث عميق وملهم من شعبنا الذي لم يتوقف نضاله يوما، رغم آلة القمع الإنقاذية. فهناك مئات الآلف الذين صمدوا أمام طائرات النظام، وميليشياته، وفي أقبيه تعذيبه وسجونه، وأمام كتائبه الجهادية في الجامعات، وضد سدوده، وتعدينه العشوائي، وتدميره للمشاريع الزراعية، وبيعه لأراضي السودان، وضد عنفه الموجه للنساء. لم تتوقف معارك شعبنا وملاحم صموده، ولن تتوقف. وها هو النظام يتراجع أمام صمود شعبنا، وظهره للحائط، ويلجأ لحيل الحوار والعودة للمشاركة في السلطة، ومسرحية دعوته للتداول السلمي للسلطة بواسطة صندوق الاقتراع، كل ذلك للخروج من أزماته، ولا مخرج. ولماذا اليأس وقد فقد النظام كل أوراقه، وتكشفت كل ادعاءاته وأكاذيبه، ووضح، وضوح الشمس، انه فشل في إدارة البلاد. نعم، نحن كمعارضة نعاني من الضعف، لكننا خطونا خطوات لمعالجة ذلك الضعف، وتوحيد جهودنا، والبيان الأخير بين قوى الإجماع وأحزاب (نداء السودان) بالداخل خطوة في الطريق الصحيح. ونقول بوضوح إن ذهننا مفتوح لنقد تجربتنا من أجل المزيد من المعالجات لأزماتنا الذاتية. ولا يصح إلا الصحيح.
  • هناك أسباب موضوعية وذاتية أدت لضعف الأحزاب ـ سأناقشها في مقال قادم ـ ورغم الضعف والحصار والمطاردة، لم يتوقف نضال الأحزاب ضد الإنقاذ. ونحمد لمعظم الأحزاب والحركات المسلحة أنها لم تقبل دعوات الإنقاذ والمجتمع الدولي للاندماج في السلطة وترك النضال. إذا كانت أحزابنا ضعيفة، فالتحدي، أمامنا، هو تقويتها وجعلها أكثر ديمقراطية، حتى لا يكون ضعفها " شماعة " لمن يأس من النضال الطويل والمتعرج والشاق.
  • عزوف الجماهير عن دعوة الأحزاب للخروج للشارع. هذه مغالطة، لأننا لا نستطيع أن نحكم على عزوف الجماهير في ظل خلق الموانع والإرهاب واعتقال النشطاء والحملة الإعلامية المضللة، بل واستخدام أخس الوسائل مثل إغراق الميادين بمياه الصرف الصحي، تلك الوسائل توضح رعب النظام وخوفه من حراك الجماهير. وإذا كان الإدعاء برفض الجماهير الخروج صحيحا، لماذا يبذل النظام كل تلك الجهود للحيلولة بين الجماهير والمشاركة في المظاهرات التي دعت لها الأحزاب، والنظام بأجهزته الأمنية المختلفة يعرف حقيقة ما يجري في الشارع، لذلك يتهيب ذلك، تهيب الموت.
  • الحديث عن أن الانتخابات مناسبة هامة للحشد والتنظيم وتقوية ارتباط الأحزاب بالجماهير، صحيح في عمومياته، ولكن ليس للمشاركة عصا سحرية تقوي الأحزاب وتدعم صلتها بالجماهير، لكن في الواقع السياسي الراهن، في ظل كافة أشكال القمع والمنع والمصادرة، وباعتراف دعاة المشاركة بأن الأحزاب ضعيفة، فان فرص الحشد والبناء وتقوية الارتباط تظل محدودة ـ أن لم تكن معدومة ـ فالانتخابات تحتاج لتسجيل الناخبين في كل السودان، ومراجعة وتنقية السجل الانتخابي، ومراجعة تحديد الدوائر، وتقديم الطعون، وتوفير المال اللازم لتسيير العملية الانتخابية، والصرف على الكوادر التي ستتفرغ لإدارة العملية الانتخابية، منذ بدايتها وحتى مرحلة الفرز النهائي ومراقبة عمليات التصويت، وكشف التزوير، وتقديم الشكاوى للقضاء. فهل للأحزاب الموصوفة بالضعيفة، من قبل دعاة المشاركة، قدرة على انجاز كل ذلك، وهي المحاصرة داخل دورها، والمراقبة ليل نهار. كنت مرشحا في انتخابات 1986م في دائرة الأبيض الجغرافية، وأعرف تماما ما تحتاجه الانتخابات. وفي ظل الوضع الراهن، يصبح من الطبيعي أن نبدأ بالدعوة والعمل لتقوية الأحزاب حتى تكون لها القدرة على انجاز منافسة انتخابية حقيقية، في ظل توفر شروط العمل الانتخابي، وحينها لكل مقام مقال. وحتى لا يكون الحديث مجردا، فلنا تجارب، كثيرة ومتنوعة، مع تعامل الأخوان المسلمين مع الانتخابات في الجامعات والمعاهد العليا، وكيف أتقن تنظيمهم كافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة لكسب الانتخابات. ويتم ذلك تحت الإشراف المباشر لأعلى قياداتهم،وأذكر جيدا في مرحلة الفرز النهائي لانتخابات إتحاد طلاب جامعة الخرطوم، التي فازت بها قائمة التمثيل النسبي في 1979م تلفونات الترابي المتواترة على مكتب الإتحاد لمعرفة تطور العملية الانتخابية.
  • أما في عهد الإنقاذ، فحدث بلا حرج، وقد عرض الأستاذ/ آدم شريف، في مقال قوي، ممارسات الإنقاذ، في انتخابات 2010م في جنوب دارفور، من تلاعب في الدوائر وإسقاط مئات الألوف من قاطني المعسكرات... الخ. وفي بريطانيا، أصرت السفارة على تسجيل من يحمل جوازا سودانيا مجددا فقط، ورفضت شهادات الجنسية والميلاد السودانيتين. وقد شهد الناس عشرات من الممارسات الانتخابية الفاسدة في كل السودان. من السهولة القول بأننا يمكن أن نطعن ضد تلك الممارسات ونذهب بها للقضاء، ومن يطرح مثل هذا لا يعرف ما حدث للقضاء في عهد الإنقاذ، ولن نعرض أمثلة بل نقدم مثالا واحدا هو قضية تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل التي راوحت مكانها لسنوات وسنوات وفي أعلى سلطة قضائية في البلاد وهي المحكمة الدستورية.
  • هناك تجارب بلدان نجحت فيها الانتخابات باستبدال الدكتاتورية بنظام ديمقراطي. هناك اختلاف في الظروف السياسية للبلدان المختلفة وتطورها التاريخي والسياسي، مما يجعل النقل أو التقليد الأعمى محاولة يائسة للخروج من المأزق الراهن. وهناك ما يعرف في العلوم السياسية بالموجة الثالثة للديمقراطية، التي أعقبت انهيار حائط برلين وانتهاء الحرب الباردة، وحملة أمريكا لنشر الديمقراطية، بكل الوسائل والآن “بردت " تلك الحملة الأمريكية، بعد فشلها في العديد من بقاع العالم.

لدي سؤال أساسي وجوهري: هل يشبه نظام الإنقاذ بأيديولوجيته الفاشية وعنفه القانوني والبدني، وأجهزته الأمنية، وميليشياته، تلك الأنظمة التي نجحت فيها الانتخابات؟ وإذا سلمنا جدلا بنجاح الانتخابات في السنغال أو كينيا، فهي حالات محدودة، ولدينا مئات الأمثلة، عبر التاريخ، ومن كل أركان العالم، عن الانتخابات " المضروبة " الذي تنظمها الدكتاتوريات، في محاولة لتبييض وجهها أمام العالم أو لخداع شعوبها.

• تركيز الأستاذ السر سيد أحمد على فشل الفترات الانتقالية كسبب للدخول في انتخابات(2020) جانبه التوفيق، فالفترات الانتقالية أنجزت مهام أساسية وفشلت في مهام أخرى، وأهم إنجازاتها أنها أنهت الدكتاتورية العسكرية، ووضعت أسس النظام الديمقراطي وأجرت انتخابات نزيهة، وما فشلت فيه الفترات الانتقالية، يعد دروسا لنا في مستقبل عملنا السياسي، وهو ما انتبهت له المعارضة بالإعداد المبكر لوثائق تحدد شكل النظام القادم، والسياسات البديلة. وهل ستغير الانتخابات ذلك القصور، ونحن نعلم أنه لم ينجح حزب سوداني في الحصول على الأغلبية التي تمكنه من الحكم منفردا وتنفيذ برنامجه بالكامل. والاستثناء الوحيد هو أول انتخابات وطنية التي كسبها الحزب الوطني الاتحادي. هذا الواقع الانتخابي يستدعي قيام حكومات ائتلافية، وهي تعاني من نفس توازنات ومساومات المراحل الانتقالية.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).