خبر .. و..تعليق

الخبر:

تواترت الاخبار، خلال الأشهر الماضية، عن الاصرار الحكومي على تخفيض قوات حفظ السلام المختلطة في دارفور(يوناميد) ، وأخلاء عدد من مواقعها، بل وحتى انهاء وجودها بالمرة وسريعا.

وقد أوردت الصحف الصادرة بالخرطوم، يوم الاربعاء 20 يونيو الجاري 2018، خبرا في هذا الاطار، فحواه ان قوات يوناميد ستغادر دارفور بحلول ديسمبر 2020. والقصد الحكومي من ذلك هو تقديم صورة للعالم غير حقيقية عن انتهاء النزاعات المسلحة في دارفور، وعن ان أزمة دارفور قد تم حلها وعلاجها.

التعليق:

اولا: يبدو إن الكرت الأخير في يد النظام الشمولي، لزوم تمديد عمره، وانقاذه من السقوط المدوي، هو مشروع الهبوط الناعم. ومن اجل ذلك يدعي النظام بان ازمة دارفور قد تم علاجها.

ذلك انه لم يعد هناك شئ آخر يتاجر به . وذلك بعد تفاقم أزماته الاقتصادية والسياسية الوطنية العامة التي تعصف بالبلاد.ولذا يلجأ النظام حالياً ، بعد أن "باع الحديدة" ! كما يقولون، الى المتاجرة بحل متوهم لأزمة دارفور، واستتباب السلام الوطيد فيها، وكذلك بتعديل الدستور وباجراء انتخابات العام 2020 في مواعيدها.

ثانيا: لا شك في أن الزعم بانتهاء ازمة دارفور، وكذلك النزاعات المسلحة المتواترة فيها، يشكل عظم الظهر، واللحمة والسدى، للخط الاعلامي للحكومة. وذلك في مضمار سعيها لتطبيع علاقتها مع المجتمع الدولي وخاصة الانظمة الغربية.

والجدير بالذكر فيما يخص ازمة دارفور، أن كوفي عنان، الامين العام الاسبق للامم المتحدة، كان قد صرح مرارا، بان ازمة دارفور بكوارثها العديدة، تشكل اكبر مأساة انسانية في القرن العشرين. وقد تواصلت هذه الازمة حتى الآن على مدى 15 عاماً. وظلت تفجر حراكاً تضامنيا واسعاً مع شعب دارفور والشعب السوداني عامة، وضد نظام الإنقاذ الشمولي، وذلك في افريقيا وكل العالم.

وقد اجبر التضامن الرسمي والشعبي واسع النطاق عالمياً واقليميا، لاتخاذ مواقف ايجابية من قبل الحكومات الغربية مع شعب السودان. وقد انعكس كل ذلك ايجابياً فيما اتخذه مجلس الأمن ومجلس السلم والامن الافريقي والمحكمة الجنائية الدولية من قرارات ضد النظام الشمولي وسياساته.

ويبدو في الواقع، ان علاج وتجاوز الازمة في دارفور بأي شكل كان، وكيفما اتفق، هو المدخل المناسب لفتح صفحة جديدة في تحسين علاقات النظام مع العالم، وخاصة في الناحية الاقتصادية وتدفق الاستثمارات والمعونات ، ويستند هذا التحسين داخليا على توسيع القاعدة السياسية والاجتماعية للنظام، وذلك باستقطاب قوى جديدة في ركابه ومعيته الى جانب المؤتمر الشعبي.

ثالثا: ولخدمة هذا الهدف، وتسهيل وابتلاع جرعته، تسعى الحكومة لتصفية معسكرات النازحين في دارفور وتفريغها. ذلك ان وجود هذه المعسكرات التي تضم ما يقرب من 2 مليون نازح، يشكل تجسيدا حيا لبقاء الازمة.ومن هنا الدعوات المتكررة لعدد من ولاة ولايات دارفور بضرورة تفريغ المعسكرات بالقوة، واجبار مواطني دارفور النازحين بالعودة الطوعية، او بالاحرى القسرية الى قراهم.

رابعا: يركز الخط الاعلامي للنظام على تبرير هيمنة المؤتمر الوطني وسياسات التمكين التي ينتهجها. ويتهم حزب المؤتمر الوطني الحاكم منظمة هيومان رايتس ووتش، بتعويق السلام، وعرحلة خروج اليوناميد. وكانت صحيفة آخر لحظة قد اوردت في عددها الصادر بتاريخ 21/6، تحت عنوان" الوطني يتهم منظمات ودولا غربية بفبركة تقارير كاذبة عن دارفور".

خامسا: مجمل سياسات النظام ترمي وتستهدف فتح الباب لخارطة الطريق الافريقية التي تم توقيعها في اديس ابابا عام 2016، لعل وعسى ان تحدث اختراقا ولو جزئيا في علاقات النظام الداخلية، وكذلك الخارجية، بعد انسداد كل الآفاق امامه في هذا الاتجاه، خاصة بعد ان تفاقمت أزماته المركبة سياسيا واقتصاديا.

وفي هذا الصدد، كانت الصحف السودانية قد اوردت في اعدادها الصادرة قبل يومين تحت عنوان( الأمة يطلع نداء السودان..) اطلع المهدي قوى نداء السودان على نتائج لقائه مع الحزب الحاكم، والذي اتضح فيه ان المؤتمر الوطني ينتوي بالفعل ابرام صفقة سلام مع نداء السودان استنادا الى خارطة الطريق الافريقية، كآلية لبحث القضايا الوطنية.

وكان رئيس المكتب السياسي لحزب الامة د. محمد المهدي قد أعلن عن عزم الحزب على المضي في تنفيذ خارطة الطريق.

سادسا: ويبدو ان ذات السيناريو الذي يقوم بضخ الدم في شرايين خارطة الطريق الافريقية، قد تم التداول حوله في ابريل الماضي في لقاء برلين بين المفاوض الحكومي، د.امين حسن عمر، وكل من د.جبريل ابراهيم ومني اركو مناوي، واللذين اصرا على رفض مرجعية الدوحة للحوار.

والجدير بالذكر هنا ان د.علي الحاج الامين العام لحزب المؤتمر الشعبي، كان قد اجرى مقابلة مع رئيس الجمهورية قبل مغادرته الاخيرة الى برلين، ويبدو ان لتلك المقابلة ارتباطا وثيقا باللقاء الذي عقده مع د.جبريل ومناوي في برلين.

ويتضح من كل هذا ان احياء خارطة الطريق الافريقية، يسير على قدم وساق.

وفي هذا الاطار هناك ايضا الخبر الوارد في صحف الاحد 24/6 تحت عنوان" مشاورات بين تحالف نداء السودان والخارجية الالمانية في برلين يوم الجمعة القادم".

وتفاصيل الخبر تشير الى أن المشاورات ستتطرق للراهن السياسي في السودان، وخصوصا قضايا تعديل الدستور وانتخابات 2020 والحرب والسلام

سابعا: غير ان الواقع على الأرض في دارفور، يشير الى ان القوات الحكومية، والمليشيات التابعة لها، تواصل هجومها على قوات حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور في مناطق جبل مرة. كما تتواصل الاخبار عن التفلتات الامنية المتواصلة في دارفور.

ومؤخرا شجبت بلدان الترويكا واستنكرت هذه الاعتداءات.

ثامنا: يبدو ان الاعلام الحكومي يتبع سياسة" ضربني بكا، وسبقني شكا". وقد اوردت صحف السبت 23/6 الزعم الحكومي، والادانة والاستنكار لسلسلة اعتداءات تقوم بها حركة تحرير السودان على القوات الحكومية. وذلك لاجبارها على الرد على هذه الاعتداءات ثم الاستنتاج بضرورة بقاء قوات اليوناميد وليس مغادرتها. أي ان القصد من كل ذلك هو التشويش على المرامي الجارية لخروج قوات اليوناميد.

تاسعا: لكل ذلك، وفي مواجهة خبر ان يوناميد ستغادر دارفور بحلول ديسمبر 2020، اتى تصريح منظمة هيومان رايتس ووتش، والذي دعا لضمان مراقبة وضع حقوق الإنسان في دارفور قبل اتخاذ أي قرار بتقليص القوات المختلطة : اليوناميد. كما اكد بيان المنظمة انه لا بديل لاستمرار هذه القوات في دارفور. ذلك ان التخفيضات المتتالية ستقود الى اضعاف دورها.

ودعت المنظمة مجلس الأمن الدولي للتأكد من ان يوناميد ستواصل المراقبة والاعلام عن الانتهكات في جميع انحاء دارفور. كما أكدت ان دارفور بحاجة ملحة لان يواصل مراقبو حقوق الانسان عملهم في توفير الحماية وحقوق الانسان.

عاشرا: ان عودة السلام والامن لدارفور رهينة بمجمل ما ظل يرفعه اهل دارفور وحركاتهم المسلحة ومطالبهم وبما طرحت قوى المعارضة السياسية للنظام مرارا :

  • وقف الحرب وعلاج كوارثها الانسانية.
  • الحل السياسي القومي الشامل للازمة بمشاركة كل مكونات دارفور وحركاتها المسلحة والحركة السياسية المعارضة للنظام.
  • رفع حالة الطوارئ المفروضة على دارفور منذ 2003
  • عودة النازحين واللاجئين لقراهم الاصلية.
  • الاقليم الواحد.
  • التنمية وايقاف سياسيات التمكين للمؤتمر الوطني
  • حل المليشيات الحكومية.
  • المحاسبة والعقاب على جرائم الحرب وجرائم انتهاك حقوق الانسان في دارفور والجرائم ضد الانسانية وتحقيق العدالة الانتقالية ووضع حد لظاهرة الافلات من العقاب.

حادي عشر: كما يقول الشاعر:

امامك فانظر أي تنهجاً تنهج

طريقان شتى مستقيم واعوج

فهل ستقود خارطة الطريق الافريقية الى خبز وحرية للشعب؟، وهل ستقود الى حل الازمة الوطنية العامة التي تعصف بالبلاد؟

وهل ستقود لتفكيك الشمولية؟ وهل ستقود للفترة الانتقالية التي يتم خلالها اقامة دولة المواطنة والمؤسسات القومية بديلا لدولة الحزب الواحد؟!

وباختصار: هل ستقود الى استعادة الديمقراطية والحريات، ووضع الدستور الدائم، في نهاية الفترة الانتقالية؟!

ام ستسير على ذات النهج السابق المترسم خطى ابوجا والدوحة وحكومة الوفاق الوطني ومن قبلها القاعدة العريضة والوحدة الوطنية؟!

وعلى هذا الطريق تفتح الباب لبعض القوى للمشاركة في تعديل الدستور وفي انتخابات 2020 حقا ان من يجرب المجرب حاقت به الندامة فلترتفع عاليا راية المطالب الشعبية بكل المطالب الحياتية الضاغطة ولتتحد كل قوى المعارضة السياسية. ان ارادة الشعب الغلابة قادرة في النهاية على دك صرح الشمولية ودفنها في المكان المناسب لها تماماً، وهو مزبلة التاريخ.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+