حول تكتيكات قوى المعارضة في مواجهة النظام(1\2)

منذ استيلاء جماعة الاخوان المسلمين – تحت عباءة الشيخ حسن الترابى – علي السلطة عن طريق الانقلاب العسكري .. تكون الجبهة القومية الإسلامية قد سارت في نفس طريق القوى الرجعية التي رفعت السلاح أمام التطور السلمي للثورة السودانية.

ويبدو أن المعارضة بجميع مكوِّناتها – قد قبلت تحدي النظام .. وانخرطت بصورة أو أخرى في تأييد وممارسة الكفاح المسلح.. ورفعت شعار إسقاط النظام عن طريق الانتفاضة المحمية بالسلاح، وذاك رغم عدم استعدادها لتنفيذ ذلك الشعار.

ومنذ نهاية اكتوبر1989م وحتى عام 2005م عام نيفاشا.. مرَّت مياه كثيرة تحت الجسر .. وتنوعت شعارات وتكتيكات فرق المعارضة لإسقاط النظام الدكتاتوري حسب أنواع التحالفات والمكوِّنات المدنية والعسكرية التي دخلت وخرجت من صفوف التجمع الوطني الديمقراطي، الوعاء الجامع في تلك الفترة لقوى المعارضة.

من المهم التأكيد أن الحزب الشيوعي كان التنظيم الوحيد الذي ثابر علي نشاطه المعارض للنظام.. ولم يرمِ راية إسقاطه والنضال ضده إلا بعد اتفاقية السلام الشامل  في عام 2005م لكن من الأهمية الإشارة بوضوح إلى أن التحالفات التي تمت في الفترة ما بين1989إلى 2005كانت دائما وأبداً تحت قيادة قوى البرجوازية العربية الإسلامية في الشمال، وتصدرت الحركة الشعبية لقيادة المعارضة في فترة قصيرة تحت قيادة الشهيد جون قرنق قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان، بالتالي كان صعود وهبوط النشاط المعارض في الخارج بعيدا كل البعد عن عما يجري وسط الجماهير في الداخل، ويخضع في مجمله لمطامح وأراء وقيادة اليمين وارتباطاته الإقليمية والدولية، متأثرا يهذا القدر أو ذاك بمصالح دول الجوار، خاصة مصر واريتريا، وبالطبع ما يسمى بالمجتمع الدولي في شكل الحكومات الرأسمالية في البلدان الاوربية وامريكا.

كل هذا أدى إلي وقوع المعارضة بفصائلها المختلفة في اخطاء فادحة، عندما طرحت الكفاح المسلح كطريق لإسقاط النظام، ولم تكن قد استعدت ونظمت نفسها ، ودرست آفاق ومحتوى ذلك الشعار الثوري، بل انقادت لقيادة الحركة الشعبية، والأمل المعقود علي القيادة الشرعية العسكرية، والضباط خارج الخدمة، وتبع ذلك ممارسة هذا الشعار بعيدا كل البعد عن الحضانة الجماهيرية الشعبية ومشاركتها الفعالة، في العمليات والتحضير وحماية الفصائل المتقدمة التي كان من المفروض أن تمارس الكفاح المسلح.

 ومن جانب آخر كان الكفاح المسلح وممارسته المحدودة، يوحي وكأنه يهدف ليس لإسقاط النظام، بل لتباري مكوِّنات المعارضة في هذا المضمار فيما بينها، وساهم ذلك بصورة أو أخرى في تغبيش وعي الجماهير بالداخل وانتظار المنقذ الذي يأتي لإسقاط النظام من الخارج، وقد ساعد في سيادة هذا الفهم مساهمة بعض المنظمات الإقليمية والعالمية لحقوق الإنسان في كشف وتعرية ممارسات النظام والإدانات التي تمت في أروقة الأمم المتحدة ووكالاتها، وبالطبع طال انتظار الجماهير لـ"جودو".

الشيئ الغريب أن المعارضة بالداخل ومن ضمنها قيادة حزبنا لم تتعرض لهذه المسألة في حينها، بل تركتها دون نقد يذكرـ إلا في بعض المواجهات المسلحة ـ حيث لم توافق بعض القوى السياسية بالداخل بما قامت به المعارضة المسلحة بالخارج.

المسألة الأخرى ورغم تكوين قيادة موحدة للكفاح المسلح تحت قيادة الحركة الشعبية إلا أن البعض أمَّنَ على وجوده المستقل – حزب الأمة ـ ولم تكن تلك هي المشكلة الوحيدة، فقيادة الحركة الشعبية علي تكوينها الجنوبي والقبلي مع الوجود لبعض القوات من غرب السودان، لكن لا في تكوينها أو عملياتها العسكرية لم تتجه كثيرا نحو شمال كوستي أو بعيدا عن الحدود السودانية الإريترية وشرق السودان، وكانت تلك العمليات العسكرية المحدودة أقرب لنوع من الدعاية، أكثر من عمليات ذات طابع وأهداف محدودة مرتبطة بحركة جماهيرية واسعة تهدف لإضعاف وإسقاط النظام.

 وهكذا بقي شعار الكفاح المسلح مكانك سر إلى أن انتهى رسميا في عام 2005م أو كاد يدفع مجدداً في دارفور بصورة أوسع ساهم في ذلك التطور سياسات حكومة الانقاذ الخرقاء.

وفي ممارسات الكفاح المسلح في دارفور، اتبعت الحركات في الغالب نفس مثال الحركة الشعبية الاعتماد بشكل أساسي على التكوين القبلي في تجنيد المقاتلين، والدعم الخارجي بدون الارتكاز على بناء حركة جماهيرية داعمة ومشاركة تسند الكفاح المسلح وتمده بالعون اللازم ، الشيئ الذي جعل من المدنيين عموما ومنظمات المجتمع المدني أما تابعين او متفرجين او ضحايا مع استمرار هجوم القوات التي استوردتها حكومة الانقاذ والمليشيات والمرتزقة من خارج السودان؛ وفي نفس الوقت ارتبطت الحركات المسلحة بما فيها التنظيم الأكبر الحركة الشعبية شمال بدولة جنوب السودان وبعض دول الجوار وحكومات أخرى في أوربا والشرق الأوسط.

مع مرور السنوات ونتائج المواجهات العسكرية التي أضرت كثيرا بالوضع الإنساني، الشيئ الذي دعا المجتمع الدولي والإدارة الامريكية والإتحاد الاوربي يالتدخل وإرسال قوات الأمم المتحدة والإتحاد الافريقية لحماية المواطنيين ومحاولة حفظ السلام، وبالطبع استمرت المواجهات العسكرية إلى أن فقد الطرفان المقدرة على المنازلة العسكرية بعد تجفيف مصادر التمويل الخارجي، لذا يمكننا القول إن التجربة في هذا المجال الحيوي، قد باءت بالفشل ، وأن الحركات المسلحة لم تستطع أن تتحول إلى حركة مسلحة مسنودة جماهيريا .. وذات مصداقية وسطية تتخطى حدود القبيلة، وبالتالي فشلت في ان تتحول إلي أحزاب سياسية وبناء تنظيمات تخضع للرقابة الشعبية مستمدة التفويض اللازم – الجماهيري والديمقراطي ـ وأوضح لذاك ما جرى ويجري في جمهورية جنوب السودان، فلا زال الرصاص "يلعلع" بعد سنوات من استقلال وانفصال الجنوب.

 وهكذا كان لاستقلال الجنوب آثاره السلبية على مجرى الصراع السياسي والاقتصادي في شمال وجنوب السودان، وذلك ارتد ببعض منجزات الحركة الجماهيرية وقياداتنا في بناء سودان ديمقراطي موحد واصيبت تطلعات الجماهير العريضة في مقتل.

وتشهد دارفور انسداد أفق الكفاح المسلح ليس فقط بسبب الانقسامات الإثنية والتي أصابت جميع الحركات المسلحة، بل كذاك لضعف الصلة بالجماهير بجانب رفض الممولين استمرار الحرب ، واختيار تنفيذ مشروع الهبوط الناعم، وفي هذا الصدد يستمر ضغط الإدارة الامريكية والاتحاد الاوربي وامبيكي علي الحركات المسلحة، للمشاركة بصورة أو أخرى في الحوار مع نظام الخرطوم .. والوصول إلى اتفاقيات قد تدفع بالبعض من الحركات أو أجزاء منها للمشاركة في مخطط المجتمع الدولي والانخراط في تنفيذ الهبوط الناعم.

(نواصل العدد القادم).

 

 

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).