جذور وتأثير ثورة أكتوبر الاشتراكية فى مجرى التاريخ(3)

بقلم/ يعقوب شطة

في أكتوبر العام 2017م حلت الذكري المئوية لثورة أكتوبر الاشتراكية، واحتفلت بها الأحزاب الشيوعية، الاشتراكية، العمالية والبشرية التقدمية، وحق لها أن تحتفل ، فهي اعظم حدث تاريخي إنساني ومقدمة تبشر  بالمساواة التامة بين الناس ، في وجهها المضيء غير ذلك الباكر الذي حل في المجتمع المشاعي البدائي .

ويا للمفارقة فقد حلت في مايو العام 2017م الذكري المئوية لوعد بلفور الذي مهد الطريق لاغتصاب أرض عربية وطرد سكانها الأصليين وتوطين الصهاينة فيها ولم تأبه القيادات العربية ، رؤساء وملوك بهذا الحدث المشئوم والذكري الأليمة، بعضهم طبع علاقاته مع دولة اسرائيل والبعض منتظر وجميعهم نسي شعار (رمى الصهاينة في عرض البحر).

التأثير المباشر

ولأن اروبا نشأت فيها الأحزاب الشيوعية، برنامج الاشتراكية العلمية،  سلفاً ، قبل تأسيس حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي الروسي، ففور انتصار الثورة البلشفية التي شحنتها بقوة اضافية ومتنت ارادتها نهضت للقيام بواجباتها التنظيمية وسط النقابات وقادت صراعات طبقية وتضامنت مع الدولة السوفيتية عندما تكالب عليها اعداء الداخل واعتدت عليها الامبريالية من الخارج ، امريكا، فرنسا، انجلترا والمانيا. 

وبمرور الوقت شكلت هذه الأحزاب ، خاصة في ايطاليا وفرنسا، توازن قوي ومنافسة لأحزاب البرجوازية والرجعية في البرلمانات والصراعات الطبقية في معسكري البرجوازية والطبقة العاملة متجلية فى النشاطات النقابية والممارسة الديمقراطية وفي جبهة الطلاب، ولا ننسي ما قامت به هذه الجبهة الطلابية من نشاط يساري في العام 1968م.

 وفي الأميركتين خاصة الجنوبية بدأت الأحزاب الماركسية تنظم حياتها الداخلية وتخوض نضالات جماهيرية في اشكالها المختلفة طبقية وسياسية حيث قاد الحزب الشيوعي الكوبي نضالاً مسلحاً ، حرب عصابات، حتي اسقط نظام العميل باتستا في العام 1959م واسس دولة اشتراكية ، ناصبتها الولايات المتحدة بكل اشكال العداء منذ تاريخ ميلادها وحتي اليوم، دولة ينعم فيها الشعب بحقوق الانسان كاملة وحزب قائد لم يهتز ايدلوجيا او فكرياً ولم يفارق المنهج الماركسي ابداً كما فعلت بعض الأحزاب الكبيرة بعد انهيار التجربة الاشتراكية السوفيتية .

وبتأثير نشاط الاحزاب الشيوعية والاشتراكية قام تحالف في كثير من دول امريكا اللاتينية عرف بلاهوت التحرير ضلعاه الماركسيين والمسيحيين اهمها في فنزويلا التي سلكت خطاً تحررياً يسارياً اغضب الولايات المتحدة حاربته وما زالت تحاربه بالضغوط الاقتصادية ومباشرة بواسطة عملائها في الداخل .

وفي شيلي تكون تحالف (الوحدة الشعبية) من احزاب الشيوعي، المسيحي اليساري، حركة العمل الموحد، الحزب العمالي، الراديكالي، الاشتراكي، الحركة الشعبية المستقلة. اقام هذا التحالف علاقات ودية مع الكنيسة الكاثوليكية والحزب الديمقراطي المسيحي، رفع هذا التحالف حكومة برئاسة سلفادور الندي في العام 1970م ، انجزت  خطوات مقدرة في مرحلة الثورة الوطنية  الديمقراطية، حيث اممت مناجم الحديد والنحاس الكبرى ونقلت مناجم الفحم والملح الصخري الي القطاع العام واجرت اصلاحات زراعية قضت علي كبار الاقطاعيين وحولت الاراضي الي تعاونيات فلاحية واعيد توزيع الدخل القومي انصف به الكادحين.

هذه الرئاسة لم تدم طويلاً اذ تواطأت عليها الشركات عابرة القارات والولايات المتحدة والرجعيين فى الجيش بقيادة الجنرال اغستينو بيونشيه فانهو التجربة بانقلاب عسكري فى العام 1973م، ولكن لم تسقط الرئاسة الا بعد ان سكتت بندقية الندي التي ظل يدافع بها عن قصر الرئاسة لأخر رمق في حياته.

الديمقراطية عادت وترسخت  اما العميل بينوشيه فقد خارت قواه ومثل عبيطا قبل ان تقتص منه العدالة.

اما في البرازيل فقد رفع الكادحون العامل (لولا) الي قصر الرئاسة لدورتين خلفته السيدة (دلما) قبل ان تنتهي دورتها تآمر عليها اليمين وعزلها وتآمر مرة أخري علي لولا ولفق فيه تهماً باطلة سجنوه بها وذلك خوفاً من اعادة انتخابه اذا ما ترشح  لدورة رئاسية  جديدة وهو في محبسه نشطت مجموعات مؤثرة  من الشعب البرازيلي في جمع توقيعات لترشيحه لجائزة نوبل للسلام لهذا العام 2018م .

وفي آسيا ازداد نشاط الحزب الشيوعي الصيني الذي تأسس بأثر الثورة الروسية الاولي 1905م وخاص نضالاً مسلحاً الي ان دحر المتداخلين اليابانيين واسس دولة ولكنه في العام 1963م قاد انقساماً في الحركة الشيوعية العالمية وظل يستميل الاحزاب الشيوعية لاتباع طريقه النضالي وخطه السياسي فى نضالاتها الوطنية مما سبب انقساما كبيراً في بعض الاحزاب الشيوعية والحزب الشيوعي السوداني كان واحد منها : ففي اغسطس 1964م قاد احمد جبريل، واحمد شامي، و يوسف عبدالمجيد انقساما داخل الحزب وتبنوا العمل المسلح خطا لهم لمناهضه دكتاتورية  عبود الا ان ثورة اكتوبر 1964م عاجلتهم باندلاعها بعد شهرين فقط من انقسامهم . وابتدع ما اسماه الثورة الثقافية تضرر منها اعداد كبيرة من جمهور المثقفين وهو الان يتعاون اقتصاديا وسياسياً مع الاحزاب والحكومات الرجعية ويوقع معها اتفاقات سرية ضد شعوبها ويتعامل تجارياً كما كان الامبرياليون يتعاملون مع مستعمراتهم .

وحزب تودا الايراني له اسهاماته حيث أتى التقدمي (مصدق) رئيسا للوزراء العام 1956م الا ان الدوائر الرجعية اسقطت تلك الحكومية الوطنية والمأساة الكبرى تمثلت في سرقة الملالي بقيادة الامام الخميني لثورة 1979م ونكلوا بالشيوعيين والوطنيين وعذبوهم حتي الموت .

الحزب الشيوعي الاندونيسي كان اكبر الاحزاب خارج الكتلة السوفيتية بعد الصين بتعاونه ونفوذه السياسي وصل الوطني (سوكارنو) الي قمة السلطة ولكن انقلاب الجنرال (سوهارنو) العام 1965م اوقف التقدم وعاد بالبلاد الي الوراء ولم تسترد عافيتها حتي اليوم .

وفي العراق تأسس الحزب الشيوعي العراقي في العام 1934م وكانت له مساهمات في الحياة السياسية والاجتماعية مستمرة حتي اليوم في (تحالف سائرون) من اجل تغيير الممارسة والسياسية حتى لا تحكمها المحاصصة الطائفية وهو ايضا لم ينج من التصفيات الجسدية ابرزها اعدام الضباط الشيوعيين والتقدميين في العام 1973م .

وفي افريقيا تأسس الحزب الشيوعي في مصر فى عشرينات القرن الماضي حسب قرائن الاحوال إذ حضر مندوب مصر مؤتمر (شعوب الشرق) الذي انعقد في سبتمبر 1920م بباكو عاصمة ازربجان. ومن حيثيات محكمة  ضد متهمين باعتناق المذهب الشيوعي تلاها قاضي في جلسة 1/10/1924م جاء فيها : ( حيث انه تبين للمحكمة وثبت لديها من التحقيقات التي حصلت في هذه القضية وشهادة الشهود الذين سمعتهم بالجلسة ومن الاطلاع علي الاوراق والكتب المضبوطة ان المتهمين اعتنقوا المذهب الشيوعي ...)

تأثير الحزب في الحياة السياسية المصرية ضعيف ولا تتوافق مع عمره فهو من اعرق الاحزاب خارج أوربا يعتنق المذهب الماركسي . اسباب هذا الضعف كثيرة ادت الي حل اللجنة المركزية التنظيم ودمجه قلباً ثورياً في تنظيم السلطة (الاتحاد الاشتراكي ( في العام 1965م. الحالة تحتاج الي دراسة باطنية عميقة لاستخلاص ما يفيد فى عملية التطور والبناء الا ان انتقاد الحل و حدة ليس كافيا.

 في العام 1946م اعلن تأسيس الحزب الشيوعي السوداني ولكن بالتأكيد كانت هناك افراد وجماعات تأثرت بالماركسية قبل التأسيس بزمان ابعد بفضل المعاشرة والمخالطة مع بعض اليساريين البريطانيين الذين وفدوا موظفين فى خدمة المستعمر الانجليزي خاصة من خدموا اساتذة ومدرسين في كلية غردون التذكارية ومرفق السكة الحديد الذي ظهر فيه النشاط النقابي قبل مولد الأحزاب وبتأثير  الاوضاع ما بعد الحرب العالمية الثانية بدخول الكتب الماركسية وسفر بعض الطلاب والالتحاق الجامعات المصرية  .

منذ تأسيسه ظل مؤثراً في السياسة السودانية ومساهماً دولياً في الجبهة الاشتراكية. استمد هذا التأثير من خلال استرشاده بالماركسية منهجاً ونظرية واستقلاله الفكري والتنظيمي وارتباطه بالطبقة العاملة والدفاع عن حقوقها وحقوق كل الكادحين ، مزارعين ، عاملين بالدولة ولم يختصر بسط نشاطه وبناء فروع في المدن وحسب بل تعداه الي الأرياف وبني علاقاته وتكتيكاته مع الآخرين، احزاب وتنظيمات مدنية بناء علي تحليل الواقع الملموس ولمصلحة الوطن ولأنه ولد ليبقي ليدافع وفق برنامجه الكلي عن الحقوق الاساسية لكل المجتمع والسيادة الوطنية، تمت ملاحقته منذ قانون النشاط الهدام ودكتاتورية عبود التي بلغت فيها سنوات السجون لأعضائه اكثر من 650 عاماً ونظام جعفر نميري الذي اعدم القيادة المدنية وسط المثقفين، والعمال والضباط والجهوية  المؤثرة في كيانها وعلي مستوي القطر، وامتدت الملاحقة حتي اليوم فى ظل دكتاتورية الجبهة القومية الاسلامية التي عاقبت الناس في بيوت الاشباح وقتلت ونكلت بالطلاب والنساء وفعلت كل مستحيل لم يخطر علي بال في اهانة الناس واسترخاص الوطن و التفريط في السيادة الوطنية.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).