المعتقلات السياسية ،، تجارب ودروس وعبر

بعد إطلاق سراحهم وفي وجهة الصمود ونقل تجارب الاعتقال والمعتقلات بادرت مجموعة من المعتقلين المطلق سراحهم من كافة الاتجاهات السياسية المعارضة على التوثيق لما مروا به أثناء فترة إعتقالهم، الميدان تستعرض في هذه الصفحة كتابات المعتقلين  حول تجارب الاعتقال تاريخياً.

 

من ذكريات ايام الشموخ

عبد الله موسى

أساتذتي (1)

المناضل الكبير الدكتور محمد مراد الحاج

اتاح لي الحزب الشيوعي وككادر عمالي شاب (آن ذاك) فرصا كثيرة مثلي مثل غيري من شباب الحزب للتدريب والتعليم داخل البلاد وخارجها وكانت اهم مدارس الداخل هي مدارس المعتقلات اذ تتاح من خلالها اوقات واسعة يتم توظيفها من اجل رفع قدرات عضوية الحزب عبر المدارس الحزبية وبرامج التثقيف الذاتي وذلك بالاستفادة من كوادر الحزب المتخصصة والذين دائما ما كانت تعج بهم السجون والمعتقلات.

ومن اهم تلك التجارب التى مررت بها تجربة اعتقالي لمدة تسعة اشهر ونصف بسجن بور تسودان العمومي والتى تحدثت عنها من قبل بين شهري نوفمبر 1983 ونهاية اغسطس 1984 فقد كانت هناك مجموعة كبيرة رحلت من سجن كوبر الى البورت منهم الزملاء صدقي كبلو وراسخ والتوم النتيفه واخرين وبعد ترحيل بعضهم بقي بقسم الكرنتينة كل من د مراد والراحل المقيم الخاتم عدلان واستاذنا حسن العبيد والتجاني حسن المحامي (ود امنه)

وكان قسم الدرجه الثانية مزدحما بقيادات نقابتي العمل والموظفين بمصنع الغزل والنسيج الدولي وكانو يتجاوزون العشرون معتقلا تم القبض عليهم بعد اضراب عن العمل وقد انتظرتهم بالمعتقل ومعي صديقي الراحل المقيم معتصم محمد صيام وكنا معتقلين قبلهم بحوالي شهر او شهرين.

بعد حوالي ثلاثة اشهر ونصف تم اطلاق معظم زملائنا على دفعات وبقي منهم اضافة الي ومعتصم كلا من احمد عبدالرحمن ( امين مال نقابة العمال) وعبدالوهاب احمد سعيد امين عام نقابة الموظفين.

بعد اعلان قوانين سبتمبر واطلاق سراح المسجونين واجهت ادارة السجن العمومي مشكلة اطعامنا لخلو السجن من الطباخين المفرج عنهم ولم تجد الادارة بدا من جمعنا معا بقسم الكرنتية.

والتجربة من اغنى تجاربي الحياتية وقد اتحدث عنها مرة اخرى ولكني ساركز الان حول استاذنا د. مراد :

اسرة مراد اصلا من مناطق كبوشية وقد نزح والدهم الى ود مدني حيث عمل بالاعمال الحرة وقد تمكن من تعليم اولاده تعليما جيدا ورباهم احسن تربية واما استاذنا د مراد فقد درس بجامعة لايبزج بالمانيا الشرقية ونال فيها درجة الدكتوراه في التاريخ ومما يميز استاذنا تواضعه المدهش اذ يندر ان يتحدث عن نفسه. واذكر اننا استضفنا (بالسجن) رجلا المانيا كان يتجول في البحار بيخته ويعتبر نفسه مواطنا عالميا والمهم انه و بعد ملابسات عديدة حل معنا بالكرنتينة ولم يتحمس د. مراد لتعريفه عن نفسه فاقتصر حديثه مع استاذنا الخاتم بالانجليزية وكان الخاتم ضليعا فيها وبعد بضعة ايام اكتشف ذلك الالماني مجموعة من الكتب والمجلات الالمانية فهجم عليها والتصق بمراد حتى اضطر مراد الى محاورته بالألمانية. فاذا بذلك الرجل وهو بالمناسبة مثقف كبير في اداب بلاده اذا به يقسم للخاتم انه وهو مثقف الماني لم يسمع لغة المانية بذلك الصفاء والنقاء في اي مكان.

واما قصة استاذنا مراد مع الاعتقال فهي ان لم تخني الذاكرة قد بدأت عندما تم اعتقاله في بداية عام 79 مع عدد من الشيوعيين واستمر معتقلا حتى افرجت عنه الانتفاضة في ابريل 1985 اي انه قضى بالمعتقل اكثر من سبعة اعوام متتالية وعندما ابديت هذه الملاحظة لدكتور مراد اجاب بتواضعه المعروف واين انا من مانديلا وتوماس كامبانيللا؟

وكان مراد قبل اعتقاله يحضر لحفل خطوبته على خديجة الرفاعي وكانوا يجهزون موقع الحفل فتم اعتقاله قبل المناسبة ورحل الى سجن كوبر. وبعد يومين او ثلاثة تجمع وفد من الاسرتين وطالبو بزيارة ابنهم المعتقل وعندما دخلو الى حوش السجن شكلو حلقه التفت حول الخطيبين وبدات النسوة في الغناء والبنات والصبية في توزيع العصائر والحلوى مقيمين حفل خطوبة مراد رغم الحكومة وسجانيها ثم عاد العريس الى معتقله محملا بالهدايا لكي تتواصل الافراح داخل المعتقل.

وطوال سبعة اعوام طويلة امضاها مراد متنقلا بين السجون لم تتخل عنه خديجة وظلت تواليه بالزيارات ان استطاعت كما ظلت ترسل اليه الكتب والمجلات ورسائل التشجيع وهي تدير معه حوارات حول مختلف القضايا مما وحد بينهما فكريا وربطهما برباط لم ينفصم ابدا. واذكر منها حواراتهما ة(كنا نقرأ رسائل بعضنا البعض مما جعل علاقاتنا الحميمة تمتد الى الاسر)

بعد الانتفاضة عاد مراد الى جامعة الخرطوم ملتحقا بالتدريس وكان يشغل في نفس الوقت مسؤولية مندوب الحزب في المجلة النظرية للأحزاب الشيوعية والمسماة (قضايا السلم والاشتراكية)

واذكر انني وفي اخر احتفال بعيد الطبقة العاملة اقمناه بالعمومي بورتسودان عندما سالت عن امنيتي تمنيت ان احضر زواج د مراد على خطيبته الصابرة خديجة وقد وعدني مراد بذلك. والغريب انه لم ينس ذلك لانني عندما ذهبت الى الخرطوم للمشاركه في المؤتمر الاستثنائي لاتحاد العمال قابلت الخاتم الذي اخبرني ان د مراد يسال عني ومعه كرت الزواج وفعلا تمكنت من حضور المناسبة بنادي المكتبة القبطية ،حيث قام بكل الخدمة والتجهيزات شباب الحزب و كانت ليلة حضرها حشد من مناضلي الاحزاب الشيوعية العربية والعالمية. وقد تزاحمنا نحن رفاق المعتقلات حول العروسين فرحين متهللين ومراد يعرف عروسه قائلا (الزميل فلان سجن دبك والزميل علان سجن كوبر والزميل فرتكان سجن بورتسودان الخ الخ)

وقد غنى فيها وردي حتى الصباح في ليلة بهيجة لاتنسى واذكر ان احد الزملاء قال لي : (هذه فرصه لكي تطلب اغنيه من وردي لانه اليوم في حالة تجلي ) وفعلا صعدت مرتبكا على المسرح وهجمت محتضنا وردي وانا اصيح (سمعنا بلا وانجلا يا استاذ)فنهرني قائلا نحن في عرس وللا حرابة ولكنه رغم ذلك غناها فقد كنا في اجواء الانتفاضة

بعد فصله من العمل بعد انقلاب البشير رجع مراد الى براغ حيث يقيم فيها حتى اليوم وقد رزق بابنته رفيقة واخرى صغيرة توفيت وهي طفلة.

ومازال استاذنا يعطي ويناضل ويكتب ويعلم كما كان دائما غارقا في متابعة مشاكل الاخرين ورافضا للحديث عن نفسه بتواضعه الثوري المعروف.

ولكن لابد للاجيال الجديدة ان تقتبس من ذلك البهاء النضالي والطود الشامخ ماينير امامها دروب الحياة

متع الله استاذنا الحبيب محمد مراد بالصحة والعافية وكذلك زوجته ورفيقة عمره خديجة الرفاعي وابنتهما الغالية رفيقة مراد

انها باقة ورد اضعها تاكيد محبة امام حياتك الشامخة أستاذي معتذرا عن التقصير ومتمنيا من العزيزة خديجة ملئ اي ثغرات في سرديتي تكمل صورة هذا التوثيق البسيط والذي اتمنى ان ينبه تلاميذه ورفاقه لاكمال توثيق حياة استاذنا الغالي فهي ملك لشعبه.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).