فِلِسْطِينُ والجَّنَائِيَّةُ الدَّوْلِيَّة

فِي جَدَلُ القَانُونِ وَالسِّياسَة

في كلمة مقتضبة نعى الأستاذ المحترم الهادي شلوف على الفلسطينيين انضمامهم، في 7  يناير 2015م، إلى "نظام روما" الأساسي للمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، آخذاً عليهم، بحسب تعبيره، اختيار "الدِّعاية الرَّخيصة"، حيث أن هذا الانضمام، في رأيه، محض متاجرة بالقضيَّة، وعمل مفارق للواقعيَّة والمنطق، وهو، في النِّهاية، بلا طائل. فالشَّكاوي ضدَّ دولة الاحتلال لن تخرج، لأسباب قانونيَّة كما قال، من مكتب الادِّعاء إلي الغرفة التَّمهيديَّة، فلا إسرائيل ستنضمُّ إلى المحكمة، ولا مجلس الأمن سيحيل هذه الشَّكاوى إلى لاهاي (موقع "رأي اليوم"؛ 28  مايو 2018م).

ولو أن الرَّجل نظر إلى المسألة من زاوية أوسع تزاوج بين اعتبارات "القانون" و"السِّياسة"، ولم يقتصر على رؤيتها من الزَّاوية القانونيَّة الضَّيِّقة، واضعاً في الاعتبار موقع القضيَّة الفلسطينيَّة، سياسيَّاً، وسط نضالات الشُّعوب، من جهة، ودلالة تأسيس هذه المحكمة، من جهة أخرى، في مجرى الصِّراع بين الشُّعوب والأنظمة حول العلاقات الدَّوليَّة، والقـانون الجَّنائي الدَّولي، لكان قد توصَّـل إلى استنتاج مغايـر تمامـاً.    

لقد جاءت نشأة هذه المحكمة في سياقات تاريخيَّة متَّصلة ومتشابكة تطوَّرت من خلالها القاعدة القانونيَّة الدَّوليَّة، عبر جدليَّات "القانون" و"السِّياسة"، من الانغلاق على حقوق الدَّول، كما كان الأمر في الماضي، إلى الانفتاح على حقوق الأفراد والشُّعوب كما هو الحال في العصر الحديث. وهذا هو، بالضَّبط، ما حدَّد خط التطوُّر الرَّئيس للقانون الإنساني الدَّولي، والقانون الجَّنائي الدَّولي، منذ إبرام "اتفاقيَّة جنيف للصَّليب الأحمر الدَّولي لسنة 1864م" التي عيَّنت جرائم الحرب، ونطاق المسئوليَّة عنها، ووسائل الحدِّ منها، ثمَّ "اتفاقيَّات لاهاي لسنة 1899م و1907م" التي سيَّجت الحرب بأصول أكثر إنسانيَّة. ولأن فظائع العسكريَّة الألمانيَّة، خلال الحرب الأولى، أعطت دفعة أقوى لآمال الملايين في إقرار أسس العدالة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، كشرط لإقرار أسس السَّلام العالمي، فقد شهدت فترة ما بعد الحرب إبرام جملة معاهدات دوليَّة بهذا الاتِّجاه، كـ "معاهدة فرساي" و"ميثاق عصبة الأمم" لسنة 1919م، حيث انصبَّت الأولى على مفهوم "جرائم الحرب" و"مسؤوليَّة الرُّؤساء" عنها، وقيَّد الثَّاني "اللجوء إلى الحرب قبل استنفاد الوسائل السِّلميَّة"، فضلاً عن "بروتوكول جنيف لسنة 1924م" الذي جعل "اللجوء إلى الوسائل السلميَّة إجباريَّاً"، وما إلى ذلك.

ولئن اتَّسمت الحرب الأولى ببشاعة جرائمها غير المسبوقة، فقد جاءت الحرب الثَّانية بجرائم أكثر بشاعة، لترتفع مطالبة الشُّعوب بقضاء دولي لملاحقة مرتكبيها، مِمَّا دفع الحلفاء لإنشاء محكمتين جنائيَّتين دوليََّّتين، خاصَّتين ومؤقَّتتين Ad Hoc، هما "محكمة نورمبرج" لقادة المحور في أوربَّا، و"محكمة طوكيو" لمجرمي الحرب في الشَّرق الأقصى. وفي دورة انعقادها الأولى (نوفمبر 1946م) قنَّنت الجَّمعيَّة العامَّة،  المؤسَّسة الأكثر ديموقراطيَّة ضمن الهيكل العام للأمم المتَّحدة، المبادئ التي أرستها "محكمة نورمبرج"، بالذَّات، كمبادئ للقانون الجَّنائي الدَّولي، وأبرزها: فرديَّة المسؤوليَّة الجنائيَّة الدوليَّة، وعلويَّة القانون الجَّنائي الدَّولي على الدَّاخلي، وعدم الاعتداد، لا بحصانات القادة والرُّؤساء، ولا بالدَّفع بتنفيذ أوامرهم. 

ورغم أن "نورمبرج وطوكيو"، كلتيهما، شكَّلتا نقطة تحوُّل تاريخيَّة فاصلة في مسار تطوُّر القانون الجَّنائي الدَّولي، حتى لقد اعتقد الكثيرون أن "ذلك لن يتكرَّر مرة أخرى"، إلا أن العالم ما لبث أن ألفى نفسه متورِّطاً، خلال العقود الأربعة التَّالية، في حوالي 250  نزاعاً مسلحاً، نتج عنها، فضلاً عن انتهاكات حقوق الإنسان، ما بين 70 و170 مليون قتيل، نتيجة للرِّدَّة عن "نورمبرج وطوكيو"، والمساومة بالمسؤوليَّة الجَّنائيَّة، وبمبادئ العدالة، وبأرواح الضَّحايا، وبعذابات الشُّعوب، لقاء ترضيات سياسيَّة متبادلة بين الأنظمة.

هكذا تفاقمت جرائم الحرب، وتواترت انتهاكاتها، وشاع الافلات من العقاب impunity، حيث تتوفَّر أفضل بيئة لذلك عندما تكون الدَّولة المعنيَّة إما "غير راغبة" في معاقبة الجُّناة، أو "غير قادرة" على ذلك. ولعلَّ نماذج الابادة الجَّماعيَّة، وجرائم الحرب، والجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة، من فلسطين إلى رواندا، ومن سيراليون إلى يوغسلافيا السَّابقة، تقدِّم، على سبيل المثال، أبشع أدلة، ليس، فقط، على الوضعيَّة "الدَّاخليَّة" للعجز، وانعدام الرَّغبة والقدرة معاً، بل وعلى الوضعيَّة "الدَّوليَّة" للسَّلبيَّة، ونقض العهود، وربَّما التواطؤ!

مع ذلك لم ينقطع صراخ الضَّمير الشَّعبي العالمي، واحتجاجات المجتمع المدني الدَّولي، وجهود الحكومات الدِّيموقراطيَّة، من مختلف البلدان، والجِّنسيَّات، والثَّقافات، عن المطالبة بإيجاد آليَّات قضائيَّة دوليَّة دائمة لتعقُّب الجُّناة ومحاكمتهم. وحين زلزل الضَّمير العالمي زلزاله مجدَّداً، على خلفيَّة مآسي تسعينات القرن المنصرم المروِّعة، بعد انقضاء عقود طوال من "نورمبرج وطوكيو"، تشكلت، مرَّة أخرى، بموجب قرارات مجلس الأمن، محاكم "مؤقتة" جديدة، كمحكمة "سيراليون"، ومحكمة "يوغسلافيا السَّابقة" بلاهاي، ومحكمة "أروشا" بتنزانيا. لكن، ولأن مثل هذه التَّطبيقات المتقطعة "المؤقَّتة" لم تعد مقنعة، ارتفعت، أعلى من أيِّ وقت مضى، المطالبات الشَّعبيَّة الدَّيموقراطيَّة باجتراح قضـاء دولي "دائـم"، فانعقد بالعاصمة الإيطاليَّة، بين 15 يونيو و17 يوليو 1998م، مؤتمر الأمم المتَّحدة الدِّبلوماسي الذي اعتمد "نظام روما Rome Statute لسنة1998م" لإنشاء المحكمة الجَّنائيَّة الدوليَّة التي دخلت حيَّز التنفيذ فى الأوَّل من يوليو 2002م، كمحكمة "دائمة" تختص بمحاكمة ما يُعرف في "النِّظام" بـ "أكـثر الجَّـرائم خطـورة فـي موضـع الاهتمام الدَّولي the most dangerous crimes of international concern"، وتحديداً "الإبادة الجماعيَّة Genocide"، و"جرائم الحرب War Crimes"، و"الجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة Crimes Against Humanity فضلاً عن جريمة "العدوان Aggression" التي أرجئ تعريفها. وبالإضافة إلى بعض المبادئ، كعدم سقوط الجَّرائم الدَّاخلة في اختصاص المحكمة بالتَّقادم، يشتمل"النِّظام"، تقريباً، على ذات المبادئ المار ذكرها، والتي أرستها "محكمة نورمبرج".  

وإذن، فإن المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة تأسَّست، لا كمحض تواثق بين الدُّول، وإنَّما كتتويج لجهد مدنيٍّ خارق، وحملة شعبيَّة عالميَّة ضارية، بمشاركة الملايين من شتى الأقطار، ومختلف الأحزاب والتنظيمات السِّياسيَّة، والمنظمات الطوعيَّة والإنسانيَّة، والمراكز الأكاديميَّة والبحثيَّة، والجَّمعيَّات العلميَّة، والثقافيَّة، والاجتماعيَّة، والمؤسَّسات الصَّحفيَّة والاعلاميَّة المستقلة، والحقوقيِّين الشُّرفاء من مختلف المدارس الفكريَّة الدِّيموقراطيَّة، ولا يزال التنسيق جارياً، في إطار "التَّحالف الدَّولي لأجل المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة CICC"، بمختلف أذرعه الإقليميَّة العالميَّة، للدَّفع باتِّجاه المزيد من الانضمام إلى "نظام روما"، وتحشيد المزيد من الوعي بأهميَّة هذه المؤسَّسة العدليَّة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، وضرورتها للشُّعوب وللمدنيين.

تلك هي الحقائق الابتدائيَّة الأساسيَّة التي ينبغي عدم إغفالها لدى الحديث عن هذه المؤسَّسة، فيجدر بالفلسطينيِّين، بالذَّات، ألا ينأوا بأنفسهم عن أيِّ جهد يبذل في دعمها، وقد أحسنوا، بالفعل، صنعاً بانضمامهم إليها.

 

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).