المشهد السياسي

خشية النظام للمزارعين، دفعه لمداهمة منزل رئيس تحالف المزارعين.

الإنقاذ تعود إلى سيرتها الأولى في ممارسة القمع العاري من خلال الاستدعاءات واعتقال أقارب المطلوبين للضغط عليهم

مؤسسات الامبريالية العالمية  تسعى إلى جعل حكومات العالم الثالث   بلا أعباء

أعداد/ قرشي عوض

مقدمة

تكاد الصحف السوداني هي الوحيدة التي تحمل في صدرها عدة مشاكل كلها مثيرة وتصلح للصفحة الأولى، لتكاثر الزعازع وقلة الأوتاد، فالأجندة الدولية والإقليمية تمضي على طريق التحضير للهبوط الناعم الذي يريده بعضهم بلا تنازلات تقدمها الحكومة، طالما أنها تخدم مصالحهم بالطريقة المطلوبة،  كما ان الحكومة تنفذ سياسة الإفقار بلا رادع، مما يجعل أسباب الحياة تنعدم يوماً بعد الآخر.

  • إبعاد المهدي

منعت السلطات المصرية السيد/الصادق المهدي من دخول أراضيها إثر عودته من ألمانيا التي ترأس فيها اجتماعات تحالف(نداء السودان) ولم يرشح في وسائل الإعلام سبب محدد أبدته الحكومة المصرية لهذا المنع.

 غادر المهدي بعدها إلى لندن، مما يفتح الباب أمام التكهنات استناداً إلى مواقف الرجل السياسية، فالبعض أرجع القرار إلى اتفاق بين الحكومتين للحد من نشاط المهدي، استناداً إلى تعميم عممته الحكومة المصرية تطالب المقيمين على أراضها بأن يلتزمون بعدم ممارسة أي نشاط سياسي ضد السودان، حفاظاً على استقرار وادي النيل. وهذا الموقف إن صدق فأنه يشير إلى تناقض كبير في مواقف الحكومة المصرية، لأنها قد سبق لها أن سمحت للمعارضين باستخدام أراضيها للعمل ضد الإنقاذ، ولم تحفل وقتها باستقرار وادي النيل( "و دي جديدة"!.

لكن الراجح أن المهدي لم يستجب لطلب سبق للحكومة المصرية أن وجهته له بعدم حضور اجتماع(نداء السودان) الأخير، لكنه قد رفضه.

 والسؤال هو: لماذا تريد مصر أن يبتعد المهدي عن الحركات السياسية التي تحمل السلاح؟ قطعاً الإجابة لا تكمن في حرصها على استقرار وادي النيل، لكن لأنَّ تلك الحركات يرعاها الإتحاد الأوروبي الذي تنشط دولة خاصة ألمانيا للعب دور في التسوية القادمة، وتساند فكرة طرح أجندة تحفظ للمعارضين ماء وجههم، تنطوي على تقديم تنازلات من قبل الحكومة السودانية، سبق لفصائل(نداء السودان) خاصة حزب الأمة أن طرحها مراراً وتكراراً، مما يشير إلى تناقض دولي حيال الهبوط الناعم، فهناك قوة تريده بلا تغيير ولو في حده الأدنى، وأن مصر تلعب رأس الرمح في هذا المخطط.

  • سيِّد الحق بي وراك

حينما كنا صغاراً تتردد أسطورة في منطقتنا تزعم أن الكلب استعار لسان التمساح ولم يرجعه له، لذلك حينما نصادف كلباً في الشارع نصيح في وجهه:( سيد اللسان بي وراك) فينطلق الكلب خوفاً من أن نبطش به، ولكننا كنا نعتقد أن يجري خوفاً من التمساح، الحكومة الآن تخشى المزارعين لأنهم أصحاب حق، كما تخشى الإعلام الذي يذكرها بأن (سيد اللسان) خلفها، فالموسم الزراعي قد فشل في عروته الشتوية، بسبب أزمة الوقود التي لم تمكن الجرارات من التحضير، إلى جانب أزمة التقاوي والمبيدات، وهى أزمة حلتها الحكومة حلاً مؤقتاً بعد شهر مايو الموعد المحدد لزراعة الموسم الصيفي مما يرشحه للفشل.

 المزارعون ليس لهم سبل يكسبون بها عيشهم غير الزراعة ـ هذه بداهة ـ لكن يبدو أن قدرنا أن نناقش البديهيات مع أنها لا تحتاج إلى نقاش، هذا فوق أن الحكومة قد صادرت أملاك جمعية المزارعين التعاونية المعروفة باسم(قوز كبرو) وهي أملاك ضخمة تشمل مصانع ومدن سكنية وجرارات وسيارات وغيرها، وفق إجراءات طابعها الفساد وتعدي المحاسيب على حقوق الناس، لذلك تخشى الحكومة المزارعين، مما دفعها ـ أمس الأول ـ إلى مداهمة منزل رئيس تحالف المزارعين واعتقال ابنه، كما فضت نهار الأمس مؤتمراً صحفياً للتحالف بدار حزب الأمة  واقتادت(2)من قادة تحالف قوى الإجماع الوطني وأطلقت سراحهم  في نفس اليوم، مما يشير إلى أن الإنقاذ تعود إلى سيرتها الأولى في ممارسة القمع العاري من خلال الاستدعاءات واعتقال أقارب المطلوبين للضغط عليهم كما حدث قبل أيام في بورتسودان ومع زعيم المزارعين حسبو بالخرطوم.

 هذا إلى جانب قانون الصحافة الذي صمم لتكميم الأفواه وتجريم العمل الصحفي في كل فنونه بما فيها الخبر، وهو اعتماد للحل الأمني لأزمة طابعها سياسي واقتصادي مما يعني إفلاس النظام وسقوط أخر ورقة توت كانت تستر عورته.

  • الحكومة الرشيقة

تسعى مؤسسات الامبريالية العالمية إلى جعل حكومات العالم الثالث حكومات بلا أعباء، وتسمى ذلك بالحكومة الرشيقة، وهو نموذج تم تحققه بنسبة عالية جداً في البرازيل والمكسيك، لكن تلك المؤسسات لن تتوقع أن يتحقق بالطريقة المذهلة التي حدث بها في السودان.

 في البدء كنا نتوقع أن يتوقف الموضوع عند بيع شركات الحكومة وتدمير المؤسسات القومية مثل السكة حديد ومشروع الجزيرة وميناء بورتسودان وسودانير، لكن الأمر طال حتى المدارس والمستشفيات، حيث أصدرت حكومة الجزيرة قراراً بإغلاق 200 مدرسة ثانوية، وفي الخرطوم يدفع اولياء الامور رسوماً دراسية تصل في مجموعها إلى (3)ألف جنيه تتوزع على الصيانة والترميم والطباشير والسبورة ونثريات المعلمين، وبعض المدارس تفتقت عبقريتها الإدارية عن إنشاء فصول نموذجية تحت مسمى الفصول الالكترونية برسوم عالية بعضها يصل إلى(5)ألف جنيه مما يعني تخصيص هذه المدارس. كما قامت الحكومة بتصفية المستشفيات الكبيرة لصالح رأس المال الذي دخل الخدمة الصحية وبث فيها الفوضى.

  لم يتبق من مظاهر السيادة غير الجيش والشرطة لحماية النظام في حين تعيش البلاد ـ فيما يخص أمن المواطن ـ حالة أقرب إلى الانفلات، وقد وصل الأمر إلى إطلاق النار على مواطنين في الطريق العام، كما حدث  بحي الروضة في أم درمان قبل أيام.

ولأن النظام قد نفذ هذه السياسة بدقة متناهية فأن الإدانة له في مجلس الأمن جاءت خجولة رغم الموافقة على مذكرة التوقيف الدولية بحق رأس الدولة، لكن ما فات على هؤلاء القوم أن الدولة التي تنتهج سياسات السوق تسمح بالحريات حتى يستطيع العاملون مقابلة انفلات السوق بالعمل النقابي الذي يخلق الموازنة في الدول الرأسمالية، في حين تصادر الإنقاذ هذه الحقوق، ولم تترك أمام الناس من خيار آخر غير الوسائل غير المشروعة في مواجهة الموت جوعاً، لذلك فان السياسات التي تنتهجها الدولة بمباركة النظام العالمي لن تنجح في تحقيق الاستقرار إلا باعتماد القمع كأسلوب وحيد، مما يدفع نظرية الأمن نفسها نحو الإفلاس، فالعملية الأمنية في شقها الفني لن تنجح إلا في ظل توفر متطلبات أخرى للأمن مثل: الأمن الغذائي والدوائي، وتوفير الخدمات، بذا تحصر معارضة النظام في فئات سياسية قليلة يمكن للأجهزة الأمنية التعامل معها،  لكن حين تدفع سياسات الدولة الشعب كله للمعارضة فأن فعالية تلك الأجهزة لن تنجح في مهمتها، لذلك فأن محاولات الرأسمالية العالمية في المزاوجة بين اقتصاد السوق والأجهزة القمعية في العالم الثالث سوف تجعل أجهزة تحقيق العدالة الدولية بما فيها مجلس الأمن والمحاكم الدولية فهي "مباني بلا معاني" لأنَّ الأوضاع الناجمة عن تلك السياسات تمثل التربة الخصبة للنزاعات داخل الدول وبين الفئات الاجتماعية المختلفة ، ونسبة لتخلف والوعي السياسي فأنها سوف ترتدي أقنعة إثنية وطائفية، فاتحةً الباب أمام تجدد حروب الإبادة العرقية، لذلك فأن وقف تلك المجازر وحمامات الدم بعرض الكرة الأرضية يتطلب تغييراً جذرياً في السياسات والعلاقات بين الدول، كما يتطلب دوراً جديداً للأمم المتحدة، يرفع من شأن الأخلاق في مقابل تيار المصالح، وهذا يتطلب جهداً سياسياً يجبر قوى الليبرالية الجديدة على التراجع عن الشراهة التي تدير بها العالم عن طريق استنهاض الحركات الاجتماعية الديمقراطية في كل العالم؛ وخلق أشكال التضامن بين الشعوب التي اندثرت بسبب تفكيك الاتحاد السوفيتي وغياب المعسكر الاشتراكي ، وانحصار نشاط المجتمع المدني في أعمال ترميمية للنظام العالمي المتصدع.

  • سيرة الجنوب

ظلت نظرتنا للجنوب منذ أيام السودان الموحد تنطلق من المصلحة المشتركة بين الشعبين، وكان حزبنا على الدوام ينطلق في عمله وسط الجنوبيين، مسترشداً بضرورة قيام حركة اجتماعية ديمقراطية في كل السودان لتنهض بالبلد كلها.

لم تتغير هذه النظرة بعد الانفصال،  والذي يعنينا في الاتفاق الذي تحقق أخيراً هو أنه يفتح الطريق لإنجاز هذه المهمة التي تقود إلى أن يُحكم الجنوب وفق إرادة شعبه، بعيداً عن سياسة "المحاصصات" القبلية في السلطة والثروة تحقيقاً لإرادة جنرالات لا يقدمون مصلحة البلاد على مصالحهم الشخصية، لذلك فإن المهمة التي تنتظر الكوادر التي ترعرعت في السودان الموحد الكبير وفي حضن الحركة الجماهيرية، ونقصد هنا الحركة المطلبية تحديدا من نقابات مهنية وعمالية وحركة الطلبة ـ فهم الذي يحملون مشعل الوعي السياسي والنقابي وتقع على عاتقهم مهمة تجاوز الانحياز القبلي لمصلحة الوحدة الوطنية، ويتعين على القوى الاجتماعية الديمقراطية القيام بهذه المهمة في ظروف غير مواتية ، لأن الجنرالات يجيدون القتل ولم يتدربوا على ممارسة السياسة ،كما أن الواقع الإقليمي والدولي لا يحفل كثيراً لقيام ديمقراطية في الجنوب ، خاصة الخرطوم التي سوف تستثمر في الخلافات بين الفرقاء ليبقى الجنوب داخل دائرة عدم الاستقرار التي تقود بدورها إلى عدم بروز كتلة تاريخية في الجنوب تغيير توازنات السلطة، وتأثر على انحيازاتها الإقليمية والدولية، لكن على تلك القوى أن تنظر بعين الاعتبار إلى نظيراتها في العالم، وتستفيد من تجربتها المتراكمة في المقاومة المدنية السلمية، خاصة في السودان حتى ننهض سوياً ببلدينا، ونقيم جواراً آمنا ومفيدا للشعبين، استناداً على المشتركات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).