ظاهرة التنافس الخليجي في المنطقة

لازالت تعشعش في اذهان بعض القوى الدويلات في المنطقة العربية والاسلامية افكار مريضة عن فتوحات وغزوات جديدة بعد فترة كمون وشرنقة طويلة تصحو الذاكرة المثقلة بالماضي واوهامه بشهية مفتوحة تتبلور وتطفو على سطح الموائد بالتهام المنطقة مجددا، والهيمنة عليها، وباستعراض لقوة مفقودة. يبدو ان اموال النفط قد ايقظت سبات هذه الدول فالمال هنا لا وظيفة له الا للحروب والبذخ وتعدد الحريم. وقد يكون الصراع المذهبي والتنافس الاشلاء والانقاص قد ساعد في تكوين تصورات لقواعد عسكرية او تدخلات مباشرة في الصراعات لفرض واقع او اظهار القوة كرسالة غير مباشرة للخصم. ولكن من الجلي جدا ان هذه التحركات والتوجهات تجد دعما وسندا من دوائر غربية وامريكية في اطار استراتيجيتها في المنطقة.

ومما يساعد هذا التوجه الجديد هو ان القطبية الثنائية قد انتهت بهزيمة الخط الوطني والقومي بهزيمة حرب يونيو 1967 والتي توجت بانتصار التيار والجماعات الرجعية في ذلك الوقت. والذي لازال مستمرا حتى اليوم الا ان الصراع بين التيارين الوطني واليميني في المنطقة لم يهدأ لحظة على الرغم من الوجهة العامة التي شكَّلت ملامح التراجع وانحسار البرنامج الوطني الديمقراطي.

ان الظاهرة الجديدة التي تبدو اكثر بروزا ومشاهدة في المشهد السياسي العربي هو الحضور اللافت لبلدان الخليج العربي على المسرح السياسي الممزوج بالقوة من ليبيا – تونس- سوريا – اليمن الصومال..الخ الحضور هذه المرة ليس في نشر الفكر الوهابي واعمال الاحسان والصدقات، انه حضور التدخل والإملاءات والقوة العسكرية.

ان القيادة هي مقومات وليس مجرد عبقرية ولكن الغريب ان كل هذه الدول لا تتوفر لديها مقومات الريادة والقيادة من حيث المساهمة في الانتاج العالمي في المجالات التكنولوجية والعلمية والثقافية او السياسية العالمية صحيح لديهم ثروات ولكن المال وحده يصنع البطولات ولا التاريخ.

ان هذا الانتقال المفاجئ والقفزة الكبيرة بالمشاركة وفي ادارة الحروب وتدخل في الشئون الداخلية والتسلح غير المسبب واقامة القواعد العسكرية كلها امور تدعو للتساؤل. فلا غضاضة ان تتسلح الدولة لحماية سيادتها الوطنية وفي حدود مقدراتها الاقتصادية والبشرية والا يكون التسلح والعسكرة مدعاة للعب ادوار تجاوز الحدود الاقليمية القدرات العسكرية والدبلوماسية ولكن الذي يشاهد يدعو للحيرة.

تتقافز وتتناسل الاسئلة هل هذا الدور يأتي في اطار مشروع الشرق الاوسط الكبير ام في اطار مشروع صفقة العصر الذي يرمي لأعداد خريطة سياسية وديموغرافية وجغرافية للمنطقة وتصفية مواقع حركة التحرر الوطني بالمنطقة. وهل هذه البلدان اصبحت تشكل رأس الرمح في تنفيذ مخططات البلدان العربية والولايات المتحدة في المنطقة ام ان هذه البلدان تريد ان تحسم توجهات وخيارات المنطقة السياسية والايدولوجية لمصلحتها استباقا لقمع أي تحركات اجتماعية تهدد وجودها واخذ ذمام المبادرة لتعطيل أي ربيع عربي قادم في ظل المخاطر التي باتت تهدد المنطقة من كل الاتجاهات ؟.

هنالك تحديات حقيقة تحُول دون مقدرات هذه الدول في لعب الدور المنوط بها فعله بالمنطقة هي بلدان يشكل فيها الاجانب الغالبية على عدد السكان الاصليين وهذا التنوع يشكل خطرا على التوجهات الاقصائية وان هذه الدول تستعين بمقاتلين اجانب. ومن التقاطعات فان هذه الدول على رغماً عن اعلان انضمامها الى نادي الحرب على الارهاب الا انها لا تستطيع تبرئة ذمتها من تهمة الفكر المتطرف ورعاية المتطرفين.

وهذه البلدان على الرغم من شكل الاستقرار الزائف فانها ايضا تواجه صعوبات داخلية وتحركات اجتماعية مناهضة لسياساتها الداخلية والخارجية. والاهم انها لا تملك نظاما اقتصاديا مستقلا وهي تابعة لهيمنة النظام الرأسمالي وهي بالتالي لا تملك ايضا قرارا سياسيا مستقلا وهي مجبرة على تنفيذ سياسة في الغالب تتعارض مع المصالح الوطنية لغالبية الشعب.

ان ما تقوم به هذه الدول لا يخرج من اطار الدور المرسوم لها من قبل الدوائر الغربية والامريكية الخبيثة في الهاء وتشتيت الرأي العام ومن جعل تفتيت المنطقة والانقسام واقعا وهذا ما يعزز الفهم السابق للقوى الوطنية والديمقراطية بان اموال النفط وفي ظل هيمنة المرجعية على الموارد سوف يساهم في تكريس التخلف الاجتماعي ولا يمكن ان تلعب هذه الثروة الضخمة دورا حداثيا في نقل المعرفة والوعي. وانما تساعد هذه الاموال في ترسيخ مناهج الاستبداد وتكريس الظلامية.

وهذا ما يلاحظ في نشر قيم تحط من قيمة العلم والعمل والنظرة المزرية والاستعلائية المضطهدة للعمل اليدوي الشريف. بجانب نشر الافكار الاكثر تطرفا وحجب إعمال العقل والاستنارة والاجتهاد واعتقال الشعوب واجبارها على الهجرة للماضي واستيراد قيم الاستهلاك وجعلها ثقافة بدلا من الابداع والانتاج. وهكذا اصبح الكسل الفكري والخمول الروحي هي اهم سمات هذه الحقبة المظلمة من التاريخ العربي والاسلامي.

وبدلا عن التجديد والابتكار اصبحت أهم انجازات هذه الفترة الدعوة لتعدد الزوجات ورضاعة الكبيرة ونكاح الجهاد والميت وحصيلة اجتماعية مقلقة من الفهلوة والنفاق والغش وحروب وتشرد ولجوء ومطاردة المبدعين والمجددين بالمحاكم والسجون والتكفير هذا الواقع العربي المحزن والدامي كان يتطلب قراءة اكثر موضوعية وعقلانية وفي تعدده وتنوعه لايمكن ان تزدهر فيه الاحادية والهيمنة او أي عقلية مهما بلغت من العبقرية والقدسية وكان بالامكان للمال العربي ان يلعب دورا ايجابيا في التحولات الاجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية والمواكبة والنهوض بالمجتمعات في المنطقة من اجل تحقيق قدر من المساواة في الحقوق.

صحيح ان المنطقة لا تملك قرارها المستقل وان كل الذي يجري حولنا هو ان هنالك جهات تحدد الخيارات وان الانظمة قد فقدت غشاء بكارة الارادة الحرة واصبحت وكيلا لجهات غير صديقة ولها اهدافها وتريد اخضاع كل المنطقة لمشروع جديد يتعارض تماما مع مصالح شعوب هذه المنطقة بدءا بتصفية القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وتقسيم المنطقة الى دويلات مجهولة الهوية ومتحاربة ونهب الموارد.

ان ظاهرة نزوع بعض البلدان في الخليج للعب ادوار شرطية في المنطقة ليس عملا وطنيا ولا يخرج  عن نطاق الغزو والاحتلال. وليس لهذا التوجه أي علاقة بطموحات وتطلعات شعوب تلك البلدان وانما هي في الواقع تنفيذ قبيح لاجندة غربية تريد تشكيل المنطقة من منظور جديد يخدم مصالحها ولكن بايدي عربية هذه المرة.

ان البلدان الغربية وامريكا تعمل بشكل استباقي لدرء كارثة انهيار التفوق الغربي الوشيكة بالسيطرة على الموارد واحتكار المعرفة والمعلومات.

ان الظاهرة تستدعي الوقفة والتساؤل عن الجدوى والعائد على شعوب المنطقة من الحروب والتخاصم وهي في سعيها اليومي الدؤوب للعدالة والمساواة والسلم.