ويسألونك عن المجلس المركزي

بقلم/ عبدالله الحاج القطينى

لا أدرى لماذا اختار مالك قناة أم درمان الفضائية(قناة الحرية والجمال) حسين خوجلى تاريخ 18/10/1964 ليعتبره اليوم الذي حسم فيه الحزب الشيوعي موقفه الى جانب ثورة أكتوبر 1964 ضد دكتاتورية الفريق عبود، وذلك عبر برنامجه عالي المشاهدة(شواطئ)حيث زعم أن ثورة اكتوبر1964 قد فاجأت الحزب الشيوعي ولم يحسم موقفه الا فى يوم 18/10/1964

وبالطبع هناك يا حديث أثناء ذلك عن انتخابات المجلس المركزي خلال تلك الفترة، وارتباط ذلك بزيارة الرئيس السوفياتى ليونيد برجنيف للسودان وتصريحه بأن نظام عبود نظام وطني ديمقراطي(بالطبع لم يحدد حسين خوجلى أين صرح برجنيف بذلك ولا تاريخ ذلك التصريح وهذه طريقة معروفة لدى الإسلاميين وماركة مسجلة عليهم فى "استكياش "الآخرين وتجميع  أنصاف الحقائق بجانب الأكاذيب الكاملة والرهان على ضعف ذاكرة الناس.

وهو أي حسين خوجلي ارحم بنا من  الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد عليه الرحمة، حيث أخر مشاركتنا فى ثورة أكتوبر الى يوم28/10/1964م

وفي قوة عين يتواضع إزاءها حسين خوجلي يقول محمد أبو القاسم:(فى ذلك اليوم ولأول مرة يصدر الحزب الشيوعي بيان تأييد للثور، راجع  كتابه " السودان المأزق التاريخي وأفاق المستقبل" الجزء الأول).

الغريب انه هو نفسه يشعر بأن ذلك لا يصدق فيتساءل بنفس قوة العين والاجتراء على الحق: هل يمكن تصديق ذلك؟هل دُسَّ عليهم؟

ورغم ذلك يصر على الافتراء والتزوير ويدعى أن هذا ما حدث وخرج البيان مقتضبا وباسم عبد الخالق محجوب موقعا بالإنابة عن كافة الشيوعيين السودانيين.

ويواصل محمد أبوا لقاسم إدعاءاته بأن الحزب الشيوعي منذ قراره بخوض انتخابات المجالس المحلية والمجلس المركزي لم يك جادا فى مقاومة نظام عبود، ذلك  لاعتبارات عربية ودولية ثم حديث عن تقارب نظام عبود  مع ناصر ومع برجنيف،وعلي ذكر برجنيف أو خط مية وتقارب نظام عبود مع هذه الإطراف كتب العم أبو القاسم مخاطبا عبود على تلك الأيام:

ومشيت لي موسكو والصين

لو تزور سنكات مرتين

أنت ما بتخدع المناضلين

ونحن يوم 16 مضربين

بالطبع نقول لـمحمد أبو القاسم:لايمكن تصديق ذلك فالحزب الشيوعي وبتاريخ 20/10/1964م اصدر بيانا بعنوان:أزمة النظام تتفاقم مزيدا من اليقظة والوحدة، وذكر فى ذلك البيان بالنص:" فالنظام الرجعى الراهن فقد كل سند له غير بعض المنافقين من كبار الموظفين ورجال الإدارة الأهلية"ويمضى البيان إلى القول:( إن ضجيج هذه المؤسسة ـ يقصد إذاعة أم درمان ـ والصحف الصفراء بأسرها لا يخفى الحقيقة الموضوعية وهي العزلة التامة التي  يعيشها الحكم الراهن).

 ويقول البيان:(لهذا لابد من اليقظة التامة إزاء مؤامرات المستعمرين وأن الحركة الثورية  يجب أن تضع فى اعتبارها كل الاحتمالات وعلى رأسها قيام المستعمرين بخطوات لوقف تطور الحركة الثورية في بلادنا. (لعل البيان ينبه لما نسميه اليوم بالهبوط الناعم).

ويختتم البيان بالقول:( إننا ندعوكم الى المزيد  من اليقظة الثورية وحتى لا ينجح المستعمرون في أحداث تغيير لصالحهم).

وبعد استشهاد القرشي أصدر الحزب بتاريخ22/10/1964 بيانا بعنوان:(ضمير شعبنا ينزف دما).

استنكر البيان ما اسماه بمجزرة جامعة الخرطوم ونادى فى ختامه بقيام حكومة وطنية ديمقراطية من ممثلي القوى الثورية.

هذا هو الطريق الوحيد لكي يحاسب شعبنا كل من أجرم فى حقه فسادا وسرقة وسفكا للدماء.

وتوالت بعد ذلك بيانات الحزب يوميا وأحيانا ربما يصدر أكثر من بيان خلال يوم واحد.

وطالما أن محمدابو القاسم قد اختاره الله الى جواره فأننا نترحم عليه ونستغفر له الله، وان يتقبله قبولا حسنا ،لكننا نتوقف قليلا مع حسين خوجلى للمؤانسة معه فى السهلة السودانية على حد التعبير الذي يفضله فقد وصف  الترابي بعراب ثورة أكتوبر

وفى الحقيقة  فإذا كان  الحزب الشيوعي قد حسم موقفه الى جانب ثورة أكتوبر 1964 فى اليوم الثامن عشر من ذلك الشهر فان الإسلاميين لم يحسموا موقفهم منها الى اليوم رغم مرور اكثر من (50)عاما عليها، فالثورة التى يعتبر حسين خوجلى د الترابي عرابها توصم عند بعضهم بأنها مؤامرة من المخابرات الأمريكية حسب إفادات  جعفر شيخ إدريس للتلفزيون وادعاءات اسحق احمد فضل الله الذي "يصنقع" و"يدنقر" فيكتب عن طرد حكومة عبود  للقساوسة من جنوب السودان، ولذلك تآمرت عليها المخابرات الأمريكية.

وهذا العراب المزعوم كان غائبا عن السودانيين منذ عام 1955م حيث كان طيلة(9)سنوات بين لندن وباريس بصدد الدراسات العليا في القانون! فحين كان الأزهري والمحجوب وعبد الخالق مشرفين لجبل الرجاف فى الجنوب كان د/ الترابي عليه الرحمة ينعم بالتجوال بين عواصم الكفر والعلمانية، وحسب إفادات الا فندى فى كتابه(الثورة والإصلاح السياسي في السودان)فلقد حضر إلى السودان قبل شهر فقط من ثورة أكتوبر1964م ولم يك معروفاً حتى وسط الإسلاميين والندوة التى تحدث فيها كانت بتاريخ14/9/1964ولم يك ممثلا للاخوان المسلمين فى تلك الندوة، لأن ممثلهم فيها  كان عثمان خالد مضوي وقد تحدث الترابي باعتباره أستاذا للقانون الدستوري بجامعة الخرطوم(يمكن إلى جانب كتاب الأفندي مراجعة  كتاب الثورة الظافرة لأحمد محمد شاموق).

في عام 1963م قررت الحكومة العسكرية قيام ما أسمته بالمجلس المركزي لتملا به الفراغ الذي خلقته بحل البرلمان.

وقد كان موقف حزبنا واضحا، مما عرف وقتها بالتطور الدستوري ويتلخص ذلك الموقف فى كشف وفضح تلك المهزلة على أوسع نطاق باعتبارها تشويها  للديمقراطية ومحاولة من النظام العسكري لمد أجل بقاءه ، وقد وصف الحزب ذلك بالمهزلة فاصدر بيانا بعنوان:(هذه المهزلة لن تنجيكم من غضب الشعب).

أشار البيان إلى تجربة الاستعمار البريطاني في تأسيسه للمجلس الاستشاري لشمال السودان فى عام 1943م ثم الجمعية التشريعية فى عام 1948 وتم تعديل قانون الجمعية التشريعية فى عام 1952 الى دستور(استانلى بيكر) وانتصر شعبنا على الاستعمار وحقق الاستقلال وحقق البرلمان المنتخب انتخابا حرا مباشرا من الشعب أجمعه.

وواصل الحزب الشيوعي ماسماه بحملة فضح تلك المهزلة فحين أعلن الفريق عبود فى 17 نوفمبر1961م عن عزم الحكومة على تكوين لجنة لوضع ما يسمى بقانون المجلس المركزي وتحدث عن الديمقراطية والانتخابات كان رد الحزب الشيوعي حاسما وواضحا حيث اصدر بيانا بتاريخ5/12/1962م بعنوان(الحزب الشيوعي يفضح بيان الخيانة للشعب).

ومما ورد فى البيان:( الدكتاتورية العدو اللدود للديمقراطية لايمكن أن تؤتمن لا على الديمقراطية ولأعلى تطبيقها ولا على صنعها ففاقد الشيئ لا يعطيه والدكتاتورية لايمكن أن تلد الديمقراطية ولا يمكن أن تتطور تجاهها وكل من  يصدق أن نظام 17 نوفمبر يمكن أن يمنح الديمقراطية أو يتجاوب معها أما أن يكون ساذجا  وأما أن يكون متهافتا).

ومضى البيان الى القول:( أن طبيعة 17 نوفمبر لم تتغير انه النظام الذي جاء لقمع صعود الحركة الجماهيرية ولوأد الديمقراطية بهدف بيع استقلالنا للاستعمار).

ووصف البيان المجلس المركزي المزمع إنشاؤه بأنه شهادة جديدة تضاف الى شهادات جرائم عصابة 17 نوفمبر وهو قمة الخيانة لأنه  مستورد من الخارج من رأس المستر كندى) كيف؟ لأن كندى بحسب البيان، اشترط لتقديم المزيد من المعونات إقامة أي نوع من التمثيل الصوري لكي يقال أن المعونة تذهب لنظام ديمقراطي وبحسب البيان(لذلك عندما أمر السيد أجاب العبيد(راجع كتاب ثورة شعب الصفحات 381الى 387)ترى أين نجد أثر التصريحات المزعومة لبرجنيف  حول وطنية وديمقراطية  نظام عبود فى البيان أعلاه؟

والآن ماذا كان موقف الحزب الشيوعي من انتخابات ذلك المجلس؟

ولان الحزب قد أكتسب خبرة أن ينزل الكرة بصدره وعيونه على الميدان ليرى لمن يمررها أو في أي اتجاه يصوبها فقد قرر خوض تلك الانتخابات.

وقد تقرر ذلك الموقف في دورة  اللجنة المركزية المنعقدة في يناير 1963 فى حيثيات ذلك القرار وصف الحزب المجلس المركزي بأنه يمثل تشويها  للديمقراطية، ونكسة في الحقوق التي اكتسبتها جماهير الشعب بنضالها من أجل الاستقلال والديمقراطية، وفي نفس الوقت فهو يمثل تراجعا من النظام الراهن أمام حركة النضال من أجل الديمقراطية في البلاد.

هذا التراجع بهذا المستوى الضعيف يكشف أيضا عن ضعف القوى الديمقراطية التي لم تستطع  إحراز انتصارات عميقة، ولهذا يصبح الاشتراك فى هذا المجلس خطوة تفيد تنمية الحركة الديمقراطية وتسهم فى تعميق أزمة النظام الرجعي الراهن.

وورد ضمن حيثيات القرار أيضا: أن الاشتراك في انتخابات هذه المؤسسة على أساس الجبهة الديمقراطية وبرامجها وتحويل الانتخابات إلى معركة سياسية من أجل الديمقراطية وللمزيد من الكشف لهذا النظام ثم تشكيل كتلة ديمقراطية داخل المجلس المركزي لو أمكن هذه الخطوة ستساهم فى توسيع نطاق دعايتنا للديمقراطية وسترفع من وعي الجماهير وتسهم في تجميع القوى الديمقراطية فى بلادنا(راجع كتاب  ثورة شعب ص 388).

ويقول القرار أيضا:أننا نعلم الطبيعة الرجعية للمجلس المركزي ومن أجل هذا علينا أن نفضحه من الداخل وأن نسخره ما أمكن كمنبر للدفاع عن الديمقراطية ولمخاطبة الجماهير التي حرم حزبنا من الوصول إليها نتيجة مصادرة الحقوق الديمقراطية واستنهاضها من أجل حقوقها ومن أجل الإطاحة بالنظام الراهن وقيام حكومة وطنية ديمقراطية( شايف يا حسين الإطاحة بالنظام  الراهن مش دعمه لأنه نظام وطني  ديمقراطي) وبتاريخ9/3/1963 اصدر الحزب بيانا يكشف فيه الموقف الخاطئ الذي اتخذته الأحزاب من تلك المعركة.

فى هذا البيان أكد الحزب بصورة قاطعة أن الإضراب السياسي العام مازال هو السلاح القوى الذي يمكن أن تُشهره الجماهير لإسقاط النظام الراهن وأنه لا مقاطعة الانتخابات ولا دخولها يمكن أن يكون  بديلا لهذا الإضراب.

 ويرى الحزب أهمية خوض هذه المعركة وتحويلها الى مظاهرة كبرى  والارتفاع بمستوى المعركة الجماهيرية سياسيا وتنظيميا من اجل التحضير للإضراب السياسي.

واختتم الحزب ذلك البيان بقوله: إن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن  أن تقوم إلا على انقاض النظام الدكتاتوري، فى تلك الانتخابات رشح الحزب 19 مرشحا فى مدن العاصمة الثلاثة وعقدت لجان الحزب فى الأحياء 107 اجتماعا صغير حضرها(802) مواطنا عقدت فى المدن الثلاثة(12)ليلة سياسيةحضرها(4020)مواطنا، تمت اتصالات فرديةبـ(2924)مواطنا لحشدهم حول  برامج مرشحي الحزب، وحصل مرشحو الحزب على(3297) صوتا.