هل نحن امام الموجه الثانية للربيع العربي؟

لأبد من عمل مقاربة كمدخل لما جرى في عام 2008 عندما ضربت الازمة الاقتصادية قلب المركز الرأسمالي واشاعت الخوف في دوائر النفوذ التي ادركت بان المعضلة باتت تماما في النظام والذي ما عاد يعمل وان هذا النظام السائد والذي عول عليه باعتباره نهاية التاريخ يعيش ازمة بنيوية مستعصية. وانه اصبح منخورا من داخله ومعطوبا. وان ما جرى من مصالحات لانقاذ النظام والطبقة الرأسمالية على حساب الفقراء فلقد استوردت له الحلول من خارج معتقدات هذه المنظومة باستباحات احد المحرمات في المفاهيم الرأسمالية وهذا بالسماح بتدخل الدولة المباشر في ادارة الاقتصاد والتخطيط.

لم تتوقف الازمة على المركز ولكنها تمددت لتشمل الدويلات القاطنة في السكن العشوائي للتبعية والراسمالية العالمية حيث كانت التداعيات اكثر قسوة في بلدان العجز المزمن والتفريط في السيادة الوطنية والاستبداد. وفي حينها قلنا ان هذه الازمة العامة سوف تؤدي بكل الانظمة الشمولية والمحميات الراسمالية على نطاق العالم لان الترقيات وصلت نهايتها وان جرعات العلاج المطلوبة اصبحت قاتلة وذات تكلفة اجتماعية عالية كالتقشف والتشريد والبطالة المستوطنة واعتماد وصفات صندوق النقد الدولي الكاذبة والمضللة في بيع الوعود بالتحسن والرفاهية المؤجلة للاغلبية.

في ظل هذه الاجواء اليائسة والمسكونة بالتململ والسخط ثم تركيع كل من اليونان واسبانيا والبرتقال وايطاليا واجبارها بقبول شروط مهينة للاسعاف حفاظا على النظام الرأسمالي من الانهيار الكامل.

ووسط هذه الاجواء الملتهبة بالاستغاثات المدوية في كل الارجاء اندلعت احداث الربيع العربي التجسيد الاعمق للازمة في اضعف حلقات الرأسمالية وللمفارقات انه الاغنى من حيث الموارد. وعلى الرغم من التحليلات المختلفة لنتائج الربيع العربي وخاصة تلك الاستنتاجات الاكثر اجحافا وسوداوية وهجاءاً وتهجما يمكن القول وبغض النظر عن النتائج الملموسة بان الربيع كان نقلة في الوعي والمزاج واساليب الصراع وانها كحدث فلقد كسرت حاجز الخوف والتردد وجعلت الافق السياسي مفتوحا لكل الاحتمالات واعطت رسالة قوية وواضحة لدعاة الابدية بان السلطة لن تدوم لاحد مهما استخدم من ادوات القهر والاذلال. لذا يجب عدم الاستخفاف بانجازات ذلك الحراك الشعبي السلمي والعفوي والذي فتح كوة في جدران الشموليات لرؤية غد افضل.

وان ما تم انجازه يعبر عن حقيقة توازن القوى ومقدرات الحراك الشعبي الذي عانى قروناً من التهميش والاقصاء والقمع وليس في مقدوره تحقيق اكثر مما تحقق. ان الحراك الجماهيري الذي صاحب الربيع العربي في التحليل السياسي ليس الا بداية معركة وكل جولة تتبعها جولات كر وفر وليس الحراك كان المعركة الحاسمة والاخيرة وهذا لاسباب مختلفة منها غياب اشكال التنظيم المدني وقمع المبادرات الفردية والجماعية وتمدد مظلة القمع الاسري والمجتمعي والسلطوي المنظم والذي خلق عدم الثقة وعمق الصراعات الاثنية والطائفية والعنصرية لمصلحة النظام السائد. وبقراءة منطقية يمكن القول أن ما تحقق من انجازات ليس بالامر البسيط والذي مكن من تحريك السكون والكمون في بركة الحياة الراكدة وتعرية الشمولية وحكم الوصاية الاجنبية وزيف وصفات صندوق النقد الدولي في الرفاهية. والاهم من ذلك ان الحراك كشف عن الامكانيات الكامنة للحركة الجماهيرية متى ما توحدت حول برنامج وطني للنهوض.

وما يؤكد صحة هذه الاستنتاجات بان الربيع العربي كان بداية لمنازلات جديدة هو ان جذوة الحراك الشعبي لازالت متَّقدة ولم تهدأ من حراك الريف في المغرب وتونس والجزائر وفي السودان ومصر وفي فلسطين تم ابتداع اشكال جديدة للمقاومة لتعود القضية الفلسطينية الى الواجهة من جديد في مواجهات محاولات التطبيع كقضية تحرر وطني وليست بؤس شعب يحتاج للاعانات والصدقات.

وفي لبنان والعراق كنتيجة للضغط الشعبي تم اعتماد قوانين جديدة للانتخابات وعلى قصورها هي خطوات في طريق الاصلاح وانتزاع الحقوق.

وفي الخليج فان مياهاً كثيرة لازالت تجري تحت القلاع العتيقة للابديات والاحاديات – ومخطئ من يظن بان المنطقة كلها لا تعيش هواجس واشباح التغيير المرعبة. ومن المؤشرات والمعطيات فان النتائج سوف تكون مختلفة تماما عن سابقاتها التي تم احتواءها والالتفاف عليها واقصاء قواها الفاعلة.

ان المنطقة امام لحظة تاريخية جديدة راكمت فيها الحركات الجماهيرية الكثير من الخبرات وتعلمت دروساً مفيدة من المعارك التي خسرتها او من المكاسب الجزئية التي حققتها. ان الثورة فعل دائم والسكون والصمت احيانا ما هي الا فترات شديدة الخصوصية من الثورة. وان التغيير لا يمكن ان يتم في لحظة واحدة، فهو سلسلة تحكمها قوانين اجتماعية في هبوطها وصعودها.

ولكن يجب التأكيد بان هنالك نقلة نوعية في الوعي، ونحن الآن امام الحراك الجديد والذي يمكن تسميته مجازا بالموجة الثانية والتي تختلف كثيرا عن الحراك السابق والذي اخذت امواجه قضايا الخدمات كتوفير المياه والكهرباء والعلاج والتعليم بجانب معالجات البطالة والمعيشة.

ولكن يبدو ان الحراك الشعبي في كل المنطقة وفي نسخته او اصدارته الجديدة قد تجاوز تلك المطالب البدائية وبدأت النقاشات اكثر جرأة وصراحة وتدور حول القضية الاكثر جوهرية وهي قضية النظام السياسي وليس تلك الاعراض في المجاعات والامراض والجهل. لقد بات الامر جليا امام الجماهير بان الازمة هي ازمة النظام السياسي العربي. وان هذا النظام الطائفي والقبلي والعنصري الاستبدادي لا يمكن ان يحدث أي تغييرات مهمة وعميقة في هيكل الدولة ولمصلحة الفقراء والمعدمين. لكنها انظمة قامت في الاساس على القهر والافقار الممنهج. وكل ما يمكن ان يقوم به هو اجراء ترقيعات واضافات ومسكنات للازمات المستوطنة.

ولقد اصبح من الاهمية لاي حراك شعبي ان يدرك بأن الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما هي اعراض شيخوخة هذه الانظمة والتي وصلت درجة الافلاس السياسي والفكري وانها فاقدة للصلاحية والتجديد وانها يمكن ان تدوَّر كنفاية في سلة التاريخ. يجب ان تدرك الجماهير بان هذه القوى اصبحت قديمة ولا يمكن ان تُسنَد اليها مهام جديدة وان حسم السلطة لمصلحة الغالبية يجب ان يكون الهدف الواضح لاي حراك شعبي.

نعلم تماما بان أي حراك شعبي في كل المنطقة اصبح يجري في ظروف اقليمية ودولية بالغة التعقيد ومشبعة بالمؤامرات وهذا لا يعني الانحناءة ولكن من المهم تعبئة وحشد الجماهير وتوعيتها بقدراتها في إحداث اختراقات عظيمة في البناء السياسي والاقتصادي القائم وفرض الاجندة الوطنية.

 نقول ان الربيع العربي ليس خطأً او مزاجات وهويات او مؤامرة اجنبية ، هو حدثٌ ثوريٌ عفويٌ استطاع بجدارة خلخلة القناعات المعبئة في العقول عن ابدية الحكم وبطش الطغاة وقدرات اجهزة الاستخبارات الغربية والعربية.

اليوم نحن امام موجة ثانية لم يعد الحديث فيها عن شهوات البطن والتضخم ومعادلات النمو واكاذيب الصناديق الدولية. اليوم اصبح الحديث جهرا عن تابو السياسية والحكم عن دور المرأة والشباب في المعادلة السياسية الجديدة. وان ما جرى في الاردن لا يمكن ان تسعفه تلك الصدقات- ان الحراك الاردني عبر عن حقيقة ما يختمر في المنطقة من ازمة وصراع حول السلطة السياسية- لا نطلق العنان للخيال او المزاج وندرك بان الثورة هي ليست خطا متصلا من عبير الانتصارات وندرك ايضا بان رأس الامل قد بدأ يرتفع مجددا ونؤمن بان الحياة شكل من اشكال الصراع القديم والمتجدد . وان تسونامي جديد وربما اخيرا سوف يُولَدُ في رحم هذا الحراك الشعبي طالما استطاعت الجماهير ان تُشخِّص الداء وان تضع يدها على موقع المظالم والاقصاء التاريخي.

ولا بديل لكل المنطقة وفي ثراء تنوعها من وجود دولة مدنية ديمقراطية، دولة المواطنة المتساوية وان يكون واضحا بان الفقر والبطالة هي مجرد اعراض ونتائج ملموسة لافلاس وفشل، نمط الدولة التقليدية السائدة القائمة على الإقصاء والوصاية، ويبقى الفعل حيا طالما ظل السبب الذي اوجده باقياً.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).