مَنْ يَسْتَهْدِفُ الزُّعَمَاءَ الأَفَارِقَة؟!

(1)

في 8 يونيو 2018م ألغت شعبة الاستئناف بالمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة أوَّل حكم على أكبر شخصيَّة سياسيَّة تمثل أمامها، وفي أوَّل دعوى ترتكز على مسؤوليَّة القائد عن جرائم مرؤوسيه، وهو الحكم الذي أصدرته الدَّائرة الثَّالثة بالشُّعبة الابتدائيَّة، في 21 يونيو 2016م، بالسِّجن لمدة 18 عاماً ضدَّ جان بيير بيمبا،

القائد السَّابق لـ "حركة تحرير الكونغو"، إبَّان الحرب الأهليَّة في الكونغو الدِّيمقراطيَّة، قبل أن يشكِّل، عقب إبرام اتفاقيَّة السَّلام عام 2003م، ثاني أكبر حزب سياسي في البلاد، وينضمَّ إلى الحكومة المؤقَّتة كنائب لرئيس الجُّمهوريَّة خلال الفترة بين يوليو 2003م وديسمبر 2006م، وكعضو منتخب بمجلس الشِّيوخ في يناير 2007م.

جان بيمبا أدين في 21  مارس 2016م بجريمتين ضدَّ الإنسانيَّة (القتل والاغتصاب)، وثلاث جرائم حرب (القتل والاغتصاب والنَّهب)، وكانت قد ارتكبتها، بين عامي 2002م ـ 2003م، قوَّات تتبع له في أفريقيا الوسطى المجاورة، قوامها أكثر من 1000 مقاتل كان بعث بهم إلى هناك لدعم رئيسها، في ذلك الوقت، آنج فيليكس باتاسيه، في نزاع مسلح اندلع مع خصومه بقيادة فرانسوا بوزيز الذي أطاح به، لاحقاً، وخلفه. ولعلَّ أخطر تلك الجَّـرائم اسـتخدام الجِّنس كسـلاح، فضـلاً عن القتل والنَّهب بسـبب ضعف الأجور.

إلى ذلك أصدرت الدَّائرة السَّابعة، في 19 أكتوبر 2016م، حكماً إضافيَّاً على جان بيمبا بسنةٍ سجناً، و300 ألف يورو غرامة لصالح صندوق الائتمان الخاص بالضَّحايا، وذلك لرشوته شهوداً خلال محاكمته الرَّئيسة التي قرَّرت الشُّعبة الاستئنافيَّة، بتاريخ 8 يونيو 2018م، إلغاء الحكم الصَّادر فيها، كما تقدَّم، بناء على استئناف دفعت به محاميته ميليندا تايلور في 28 سبتمبر 2016م.

ولأن من الصَّعب، إن لم يكن من المستحيل، إبداء رأيٍّ مهني قاطع حول حكم كهذا، بدون الإلمام بالدَّقائق التي شكَّلت وقائعه، والتَّفاصيل التي انبنت عليها حيثيَّاته، فإننا سنركِّز، هنا، بوجه خاص، ولأغراض هذه المقالة القصيرة، على إبراز ما يدحض فيه، فقط، وبوضوح تامٍّ، الاتِّهام الذي ما انفكَّ يوجَّه للجَّنائيَّة الدَّوليَّة بأنَّها محض مؤسَّسة "استكباريَّة" ما تأسَّست، خصِّيصاً، إلا لاستهداف الزُّعماء الأفارقة. ولا شكَّ أن أعمَّ ما وضح، حتَّى الآن، من جوانب هذا الحكم يكفي لتفنيد هذا الاتِّهام، ودحضه جملة وتفصيلاً. ونعني، في هذا الإطار، الجَّوانب ذات الصِّلة بـ "التَّناسق" المفترض، على صعيد النَّظر والتَّقييم، بين المستويات المختلفة للمحاكمة، ابتداءً من مكتب المدَّعي الدَّولي العام، مروراً بالشُّعبة التَّمهيديَّة (مرحلة ما قبل المحاكمة pre-trial)، ثمَّ الشُّعبة الابتدائيَّة (مرحلة المحاكمة)، ثمَّ الشُّعبة الاستئنافيَّة؛ علماً بأن قضاة الاستئناف لا يعملون إلا في شُّعبتهم، أمَّا بالنِّسبة للإلحاق المؤقت لقضاة الشُّعبة الابتدائيَّة بالشُّعبة التَّمهيديَّة أو العكس، فعلى الرُّغم من عدم وجود ما يحول دون ذلك، إلا أنه لا يُسمح لأيِّ قاض، تحت أيِّ ظرف، بالاشتراك في نظر دعوى أمام الشُّعبة الابتدائيَّة إذا كان قد اشترك في نظرها أمام الشُّعبة التَّمهيديَّة.

واضحٌ، بطبيعة الحال، أن المقصود من تعدُّد هذه المراحل، والفصل بينها، وتحقُّق شروطها، ضمان أكبر قدر من الفحص، والتَّدقيق، والتَّبيُّن، وإعمال النَّظر في الرُّكنين المادِّي والمعنوي، فلا يطمئنُّ ضمير العدالة للإدانة إلا بالتَّطابق المطلق بين المستويات المنفصلة لنظر الدَّعوى، وتقييم البيِّنات. فلو أن هذه المحكمة لم تتأسَّس لغير الغرض الذي يتَّهمها به البعض، لكان ذلك قد وضح، بشكل جلي، في تدبير مسبق لنمط من "التَّناسق" يسِمُ تراتبيَّة هيكلها، ولكان هذا "التَّناسق"، في حدِّ ذاته، أكمل ما يمكن أن يخدم الغرض المزعوم، لا أن يعطله أو يعيقه!      

في قضيَّة جان بيمبا، تحديداً، لم يغب "التَّناسق" بصورة مطلقة، لكنه تحقَّق، فقط، بين الادِّعاء العام والشُّعبة التَّمهيديَّة، ثمَّ بينهما والشُّعبة الابتدائيَّة، حول مسؤوليَّة المتَّهم عن جرائم جنوده، خصوصاً الجِّنسيَّة، خلال النِّزاع المسلح، الأمر الذي عبَّرت عنه القاضية سيلفيا شتاينر في قرار الإدانة، بأن المتَّهم لم يفرض على جنوده الانضباط اللازم وهو يعلم أنهم يرتكبون، أو على وشك أن يرتكبوا تلك الجَّرائم "فانتهكوا بالقوَّة، وعن علم وقصد، جثث الضَّحايا باختراق فتحات الشَّرج والمهبل .. بقضبانهم"! على أن ذلك "التَّناسق" الذي صمد طوال المراحل الثَّلاث الأولى من المحاكمة، ما لبث أن اهتزَّ، فتضعضع، ثمَّ غاب، نهائيَّاً، في ما بين كلِّ تلك المراحل وبين مرحلة الشُّعبة الاستئنافيَّة، حيث قالت القاضية كريستين فان دين ويجن جارت، وهي تلغي الحكم ضدَّ جان بيمبا، "إن القضاة الذين حاكموه لم يأخذوا في الاعتبار جهوده لوقف تلك الجَّرائم .. (لولا أنه) صعُب عليه التَّحكُّم في تلك الأفعال عن بُعد"؛ فتناقضت حيثيَّاتها مع حيثيَّات الشُّعبة الابتدائيَّة التي وصفت تلك "الجُّهود" بأنَّها "افتقرت للجِّديَّة اللازمة". 

وإذن، فالإدانة لا تترتَّب على كون المتَّهم "زعيماً أفريقيَّاً"، كما يتوهَّم البعض، بل على ثبات التَّناسق بشأن تقدير الوقائع، ووزن البيِّنات، في مختلف مراحل المحاكمة، خصوصاً المراحل الاستئنافيَّة، فإذا اهتزَّ هذا الثَّبات فإن إدانة المتَّهم تُستبعد حتماً، بصرف النَّظر عن جنسيَّته، أو علاقته بالسُّلطة، كقاعدة في المحاكمات الجَّنائيَّة، وطنيَّة كانت أم دوليَّة.

***

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+