المسألة القومية في السودان(1\2)

بقلم: تاج السر عثمان

  معلوم أن المسألة القومية تنشأ نتيجة للشعور بالاضطهاد القومي سواء كان ذلك بالاحتلال المباشر وقهر شعب لشعب آخر أو اضطهاد قومي أو اثني داخل الدولة الواحدة، بمعاملة شريحة من المواطنين باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.كما أن المسألة القومية اتخذت في كل بلد طابعا يميزها عن البلدان الاخري.

 كما أن المسألة القومية تنشأ نتيجة للتطور المتفاوت بين الشعوب ، واتخذت طابعها الحديث مع تفكك النظم الاقطاعية في أوربا، وبروز نمط الإنتاج الرأسمالي، وبعد تحول الرأسمالية إلي احتكار واتجاهها للتوسع في بقية بلدان العالم الثالث بهدف تصدير نمط الإنتاج الرأسمالي واستعمار شعوب أخرى بحيث تظل بلدان المستعمرات منتجة للمواد الخام ومستهلكة للسلع الرأسمالية من البلدان الرأسمالية المتطورة، وبالتالي وقع علي شعوب المستعمرات التحرر من الاضطهاد القومي بالنضال من أجل الاستقلال السياسي، والمُضي إلي ابعد من ذلك باستكمال الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي.

ما هي سمات وخصائص تطور المسألة القومية في السودان؟.

 مهمٌ أن نتابع خصائص وسمات المسألة القومية في السودان بذهن مفتوح ومن خلال تحليل ملموس للحقائق والأوضاع التاريخية التي تجلت فيها، لأن ذلك يساعد في الاقتراب من حلها لمصلحة وحدة السودان من خلال تنوعه.

 معلوم أن السودان شأنه كبقية الأمم شهد تكوينات ماقبل الرأسمالية في السودان، والتي تدرجت من التكوينات العشائرية التي تربطها صلة القرابة والدم إلي القبيلة التي توحد مجموعة من العشائر المعينة في رقعة معينة من الأرض، حيث عرفت في البداية الملكية الجماعية للأرض والتقسيم البدائي للعمل بين الرجال والنساء، ونظام الأمومة، كما أوضحت حضارات المجموعة(أ)، (ج) التي اكتشفها علماء الآثار، والتي شهدت بدايات الزراعة وتربية الحيوان.

 مع اكتشاف الزراعة وتربية الحيوانات بدأت تعرف تلك القبائل الفائض الاقتصادي، والذي أدى إلي نشوء أقدم مملكة سودانية: "مملكة كرمة" والتي شهدت التفاوت الطبقي والدولة والجيش وتطور الزراعة والصناعات الحرفية، والتبادل التجاري مع البلدان المجاورة مثل: مصر، كما أوضحت آثار تلك الفترة، وهذا يعكس أن الدولة تنشأ نتيجة لوحدة قبائل معينة في رقعة معينة من الأرض مما مهد الطريق لنشوء المسألة القومية، ثم بعد ذلك تم التوسع في تطور الدولة السودانية في السودان القديم: كما هو الحال في ممالك نبتة ومروى، وفي السودان الوسيط الذي شهد قيام ممالك النوبة المسيحية (نوباتيا، المقرة، علوة)، الممالك الاسلامية (الفونج، الفور ، تقلي، المسبعات).

 شهدت تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان نشأة الدولة التي وحَّدت مجموعة من القبائل، وبالتالي ظهرت المسألة القومية، اذ أن القومية تضم مجموعة من القبائل، كما عرفت هذه الدول أو الحضارات المدن، اقتصاد السلعة – النقد ، التجارة الداخلية والخارجية، وشهدت تطور حرفة الزراعة والرعي، وتطور اللغة المكتوبة: حيث حدث تطور لغوي من اللغة المصرية القديمة (الهيرولوغلوفية) إلي استنباط أبجدية محلية بدأت باللغة المروية ، ثم اللغة النوبية في الممالك المسيحية، ثم اللغة العربية، كما تفاعلت الثقافات التي شكلت حضارات السودان المختلفة ، ونتج من هذا التفاعل الثقافة أو الهوّية السودانية والتي تتميز بالوحدة والتنوع، كما نتج من هذا التفاعل تاريخ مشترك أو تنوع تاريخي وثقافي.

 كما عرفت تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان نظم الرق والإقطاع بخصوصيات وسِمات معينة، تمت معالجتها بتفصيل في مؤلفات لكاتب هذه السطور( انظر: تاج السر عثمان: تاريخ النوبة الاقتصادي الاجتماعي، دار عزة 2003، لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الاجتماعي، مركز محمد عمر بشير 2004، تاريخ سلطنة دارفور الاجتماعي، مكتبة الشريف الاكاديمية 2005م).

 كانت حضارات أو تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان، تنفي بعضها ديالكتيكيا، بمعني أن كل حضارة كانت تستند علي منجزات الحضارة السابقة وتضيف لها الجديد الذي يكسبها قوة ومنعة واتساعا، وهذا ما نلمسه في الامثلة التالية:

1- في ممالك النوبة المسيحية بدأ الشعور القومي بالوحدة يتنامي، كما يتجلي ذلك في اتحاد مملكتي نوباطيا والمقرة في مملكة دنقلا(المقرة)، والتي وصفها المؤرخون، بأنها كانت عظيمة.

2- نلاحظ في ممالك النوبة المسيحية ، وان لم تنتشر المسيحية بشكل اوسع وشعبي في السودان، الا ان الديانة المسيحية الجديدة وحَّدت قبائل مختلفة علي أساس الدين الجديد ، وبالتالي خلقت بذور الشعور القومي المشترك ، فضلا عن الدفاع عن الوطن والذي عبر عن نفسه في الدفاع عن العقيدة، كما تجلي ذلك في مقاومة حملة عبد الله بن ابي السرح، والتي نتجت عنها اتفاقية البقط بين الدولة المسيحية في المقرة، ودولة الخلافة الاسلامية.

3- اما السلطنة الزرقاء أو سلطنة الفونج فقد كانت ميلا اوسع نحو الوحدة، اذ نلاحظ انها ضمت الرقعة التي كانت تضم ممالك النوبة المسيحية (المقرة وعلوة)، كما بدأ الشعور القومي يتسع، حيث نجد الطريقة الصوفية توحد أفراد من قبائل مختلفة علي أساس الإنتماء للطريقة بدلا من القبيلة.

 كما شهدت السلطنة الزرقاء تطورا غير متوازن بين شعوبها وقبائلها، اضافة لنظام الرق الذي كان سائدا وكتشكيلة اقتصادية- اجتماعية استغلالية  عرفتها كل شعوب العالم،مما شكل الخلفية التاريخية لبروز المشكلة القومية في السودان.

4- علي أن التطور الكبير الذي شهده السودان في تطوره نحو أمة ، باعتبار أن الأمة تضم مجموعة من القوميات في مساحة أو رقعة جغرافية اوسع، كان في فترة الحكم التركي- المصري (1821- 1885م)، والذي شهد تكوين السودان الذي ضم دارفور ، المديريات الجنوبية، إقليم التاكا(كسلا)، وظهر السودان بحدوده قبل إنفصال الجنوب.

 كما بدأ الشعور القومي يزداد وتنداح دائرته، كما نلمس ذلك في ظهور طرق صوفية أوسع مثل الختمية التي وحدت قبائل من شرق وشمال ووسط السودان.

 علي أن اللافت للنظر في تلك الفترة ظهور بذور نمط الانتاج الرأسمالي الذي تجلي في ارتباط السودان بالتجارة الخارجية عن طريق سلعتي ( العاج والصمغ)، واتساع التعامل بالنقد نتيجة لظهور المحاصيل النقدية مثل: القطن، النيلة، الخ، إضافة لظهور العمل المأجور، نتيجة لاقتلاع آلاف المزارعين من أراضيهم وسواقيهم بسبب الضرائب والجبايات الباهظة، ليجدوا أنفسهم عمالا مأجورين في مصانع ومؤسسات الحكم التركي.وبالتالي بدأت تظهر بذور نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يضم كادحين من قبائل وأصول مختلفة يعملون في المشاريع الزراعية والصناعية للحكومة أو الأفراد بأجر، ويجمعهم الشعور المشترك بالظلم والقهر والنضال من أجل تحسين مستوى المعيشة ، وهذا ما كان يظهر في انتفاضات العاملين في عمل السخرة والمؤسسات التي كان يديرها الاحتلال التركي. كما تزايد الشعور القومي والاحساس المشترك لشعوب وقبائل السودان بالاضطهاد والقهر الذي كان يمارسه الاحتلال وخاصة في جباية الضرائب والنهب المنظم لقدرات البلاد الاقتصادية والبشرية لمصلحة دولة محمد علي باشا في مصر. إضافة لمقاومة القبائل في الجنوب وجبال النوبا وجبال الأنقسنا لحملات جلب الرقيق الجائرة.

 كما تم التوغل في جنوب السودان بهدف تجارة الرقيق التي شهدت توسعا كبيرا في تلك الفترة ، إضافة لتجارة العاج ، حيث تم اقتلاع قبائل بكاملها من مواقعها. كما قاومت قبائل وشعوب الجنوب الاحتلال التركي وحملات صيادي الرقيق ، ومن هنا جاءت جذور المسألة القومية في الجنوب والتطور غير المتوازن بين الشمال والجنوب وجذور التخلف في الجنوب وجبال النوبا، وجبال الانقسنا، وجنوب دارفور..الخ.

 لقد أدى التطور غير المتوازن إلي مركزية الثقافة العربية الاسلامية و تهميش القوميات التي شكلت حزاما حول الوسط مثل: النوبا في الشمال، البجا في الشرق، والانقسنا في جنوب النيل الازرق ، الجنوب، جبال النوبا،..الخ، إضافة للتهميش علي المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي (راجع:تاج السر عثمان: الجذور التاريخية للتهميش في السودان، مكتبة الشريف الاكاديمية 2005م).نواصل

 

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).