المُشكلة الاقتصادية في جنوب السُّودان

 

بقلم/ ألور بيونق*

عند علماء الاقتصاد تُسمي مُشكلة اقتصادية لعدم محدودية الحاجات الإنسانية ( احتياجات المجتمع الغير محدودة ) مع قلة أو ندرة الموارد الاقتصادية ، لكن في جنوب السودان يختلف الأمر نهائياً . فالمُشكلة الاقتصادية في جنوب السُّودان تُعتبر نتيجةٍ طبيعية لتفشي الفساد وسوء إدارة واستغلال الموارد الاقتصادية أضف لذلك الحروب العبثية ( حرب قيادات الحركة الشعبية ) الدائرة في البلاد ومنهجياً نحن جمعياً علي يقّين بأن الاقتصاد يعتبر أحد أهمّ وأبرز الركائز التي تقوم عليها الدول ، ويحدد وضعها الداخلي والخارجي ومكانتها وقوتّها بين الدول إلا أننا في دولةٍ تكاد أن تكون منهارة اقتصاديا رغم الموارد الاقتصادية الهائلة التي تمتع بها البلاد ومن هنا سوف نسلط الضوء لإحدى المُشكلات الاقتصادية التي تمس المواطن بشكل مباشر وهي مشكلة ارتفاع الأسعار مقارنةً بدخل الفرد . ماهي أسباب ارتفاع الأسعار؟ عادةَ يقال بأن حالة ارتفاع الأسعار تحدث نتيجةً لأسباب عدة منها حالة العرض والطّلب في السوق ، فترتفع الأسعار نتيجة لنقصان الكمية المعروضة وقد يكون سبب ارتفاع الأسعار هو جشع التّجار واستغلالهم للوضع الاقتصادي الذي يسمح لهم بزيادة الأسعار بدون وجود رقيب عليهم وعلي تصرفاتهم وقد يكون الاحتكار أيضاً من الأسباب. لكن غلاء الأسعار في جنوب السودان يكمن في تنفيذ ما سمتها الحكومة آنذاك إجراءات برنامج الإصلاح الاقتصادي التي تمثلت في تحرير سعر صرف الدولار في دولةٍ تستورد معظم السلعة الضرورية من الخارج وفي نفس الوقت عجز البنك المركزي عن ضخ الأموال الكافية من العملة الصعبة لأسباب معروفة للجميع وهي إن الحكومة أنفقت واستخدمت الاحتياطي المركزي من النقد الأجنبي في حربها ضد التمرد وانخفاض نسبة إنتاج النفط( من 350 ألف الي 150 ألف برميل يومياً ) التي تُشكل نسبة 98% من الدخل القومي لتأثر وتدمير معظم مناطق الإنتاج ثم الانخفاض المفاجئ لأسعار بيع النفط عالمياً . ومن الأسباب الاقتصادية الأخرى التي أدت الي ارتفاع الجنوني في الأسعار هي عجز الموازنة العامة وارتفاع نسبة الدين العام وارتفاع معدل التضخم. وترجع هكذا الأسباب الي التقصير الحكومي التي تتجسد في السياسات الاقتصادية الخاطئة التي تنفذها والمفتقدة لرؤيةٍ واضحة للإصلاح. الا أننا لا نستطيع تحميل الحكومة وحدها عبء ارتفاع الأسعار فأفراد شعب جنوب السودان يتحملون جزء من هذا العبء لأننا اكتسبنا ثقافة استيراد حتي السلع الأساسية كالخضروات بدلا من إنتاجها محلياً فجنوب السودان يستطيع أن يكون سلة غذاء شرق إفريقيا إذا اعتمدنا علي الزراعة وتطوير وتحديث النشاطات الاقتصادية الا خري . إذا فالكل يتحمل نصيباً فالدولة بطبع الحال مسئولة عن جزء من زيادة التكاليف لأنها لا تتدخل بل تكتفي بالاعتماد علي آليات السوق الحر وتفشي الفساد المالي والإداري وعدم وجود رقابة علي الأسعار وهناك جزء كبير من ارتفاع الأسعار يقع علي عاتق التجار فهم يعتمدون في تحديد الأسعار علي سعر صرف الدولار اليومي فيحدث جشع من قبل بعض التجار لرغبتهم في تحقيق أكبر مكسب من وراء ارتفاع الأسعار، فأصبح كل تاجر يرفع السعر علي كل رأس ساعة ويقلده بقية التجار ، كنتيجة طبيعية لغياب الرقابة الحكومية علي الأسعار وعدم قدرة الحكومة علي التحكم في السوق وأيضا هناك أسباب ترجع إلي عوامل نفسية والشائعات التي تساهم في الغلاء فالمواطن لا يدرك حقيقة الواقع وأصبح مهتماً بالتساؤل كل صباح عن سعر صرف الدولار (الدولار عمل كم النهاردة ).كيف نواجه مُشكلة ارتفاع الأسعار ؟ نعتقد الأتي أولاً لابدّ أن يُضع حدا لهذه الحرب بتوقيع اتفاق سلام شامل ثم تقوم الدولة بتنفيذ الأتي : *الشروع في إقامة مشاريع زراعية وزيادة الإنتاج المحلي لتوفير السلع لمواطنين ودعم بعض المواد الأساسية

*يجب علي الحكومة أن تتدخل لضبط الأسعار عبر بورصة الأسعار لتحديد الأسعار ومحاسبة من يخالفه بتفعيل جهاز حماية المستهلك بالتعاون مع الغرف التجارية .

*إنشاء منافذ حكومية لتوزيع السلع الأساسية بأسعار مخفضة بالتعاون مع بعض الجمعيات التعاونية لمحاربة جشع التجار

*إصلاح النظام المصرفي في البلاد لتوفير السيولة لصغار المزارعين والتجار. وهنا نعتقد بان إصلاح النظام المصرفي لابد أن يكون عبر تنظيم عمليات الإقراض والاحتفاظ بالودائع لكي تكون هناك موازنة في ضبط العلاقة بين المصارف ( مقدمي الخدمة ) والعملاء لتشجيع التجار والمزارعين بوضع ودائعهم وإمكانية سحبها في أي وقت وتكريس مبدأ تمويل الأفراد من المزارعين والتجار من قبل المصارف البنكية واعتماد علي أفضل الممارسات والنماذج المالية لضمان عدالة عقود التمويل وسلامة النظام المصرفي لكي لا تقع الدولة ونظامها الاقتصادي في خطاء عطاءات الذرة الشهيرة . رغم كل هذه الكارثة علينا دراسة والاستفادة من تجارب بعض الدول الناجحة التي مرت في ظروف وأزمات اقتصادية ونجحت في بناء دولة الرخاء بنيتها التحتية وتجاوزت أزماتها الاقتصادية بعدما استعانت بالحكومات التكنوقراطية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير مركز كوش للدراسات الإفريقية

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).