جوبا ياهو دي ،، كتاب حميم كأهل جوبا "2"

نواصل ما انقطع من قراءة بوجهة نظر خاصة في كتاب عبد الكريم الأمين الشيق بالعنوان أعلاه، فنقف عند سوق "رجال مافي" المدهش، وقد أُطلق عليه هذا الاسم لأنه كان سوقاً للنساء فقط حينما كان كل الرجال في الغابة يحاربون الحكومة!، كان السوق مشيد من الخيش والجوالات والمواد الرخيصة، وهو سوق يعبر عن إفريقية الأمكنة كما وصفه الكاتب، "موطن خصب لعربي جوبا الأصلي، كلغة تخاطب بين القبائل المختلفة"، تستمع فيه لمشاغبات مرحة يضحك لها الجميع، كأن يقول لك أحدهم بكل عادية بأنك "سهارة: أي سحار، أو تتلقى ضربة على رأسك يسمونها "لانكوري"، واللانكوري هو الأصبع الكبير أو توصف بأنك " قوبنج" وهو اسم لصقر شهير في سماء جوبا، أو يقول لك أحدهم " يا أبوتلمة" إذا كنت فاقد لأحد أسنانك!. ننتقل مع الكاتب عبد الكريم إلى سوق جوبا الكبير، وهو سوق ارستقراطي، الذي يضم المحال الفاخرة ببضائعه التي تأتي من يوغندا وكينيا وزائير حتى الهند، مشيراً إلى أن هذا السوق يقع على مسافة قريبة من سجن جوبا الذي استقبل أعداداً كبيرة من مناضلي البلاد على مر السنوات ومنه كان يتم ترحيلهم إلى زنازين الرجاف!.

كما يحدثنا الكاتب عن خور كربعو وهو خور عميق يفصل جوبا إلى جزئين، ويغذي بحر الجبل، فتستمع وأنت بقربه لأناشيد فقراء جوبا الذين اتخذوا من تحت الأشجار الاستوائية الضخمة التي نمت وترعرعت على طول الخور أكواخاً كمساكن لهم،  من القش والجوالات ومغطية بمواد بلاستيكية تقيهم كثافة الأمطار الاستوائية لعدة أشهر، وجلً هؤلاء فقراء معدمون "يجوبون جوبا نهاراً ويحفظونها ويحبونها حب خرافي وقيل أنهم كانوا يخفون أفراد الأنانيا الذين كانوا يأتون داخل جوبا في مهمات استطلاعية ويطلق على جزء كبير منهم الجنقلي". وقد أصاب معظمهم داء الجذام كمرض ملازم للحروب والفقر نتيجة لاهمال الحكومات!.

 وأما عن "آمنة كبسي" المسرحي الفردي المتجول، فهو يؤدي دراما ما يطلق عليه أهل المسرح "مسرح الرجل الواحد" وهو من شخصيات جوبا التي يستظرفها الناس فيقدمه الكاتب بأنه " يقضي جل يومه يتجول بين الباعة ومرتادي السوق، وله شجرة ظليلة خارج السوق يعرض بها بعض فنونه الدرامية، ويمثل عدة أشخاص بكل مهارة وفطرة مسرحية، إنه مسرح الفقر".

وفي الكتاب نتعرف على اسم تلك الرقصة البديعة التي كان يؤديها شاب وشابة باسم "البابيونق" حيث يضرب كل راقص الآخر بالجزء الطرفي من فخذه، وكأن من يؤدونها يتبارون في لعبة البينق بونق ولعل اسم الرقصة نفسه جاء من هنا!، وهي رقصة غالباً ما تؤدى على أنغام موسيقى البوني إم، وقد انتشرت سبعينيات القرن الماضي مع تألق وتدفق الشباب وجيل تلك السنوات التي شهدت الكثير من الرقصات والفرق الحديثة باسم موسيقى الجاز، إلا أن بريقها قد خبأ مع نهاية السبعينيات وانجرار المجتمع السوداني رويداً لهوس الاسلام السياسي  وتطبيق قوانين سبتمبر!.

كما يحدثنا كريم في كتابه البديع عن فرق الكشافة التي تجوب الشوارع وكيف أن أطفال تلك الفترة كانوا مزهوون بها ويتمنون الانضمام لجوقتها وهي تسير على شوارع جوبا على أنغام وجلالات الموسيقى العسكرية، والمشي على صوت الدرم، الذي يضرب بإيقاع عسكري، وكان العامة يترجمون إحدى أنغامه وكأنها تقول :ـ " بوليس طلق مرتو ،، أشان تأريفة".

وفي الكتاب عرض شيق للتعريف بفرقة موسيقى الرجاف الشهيرة، التي يرتدي أفرادها الشارلستون الأسود والقمصان البيضاء كموضة لسبعينيات تلك الفترة، وهم يعزفون على آلتي القيتار والبيس قيتار بأناقة محياهم التي شكلت منهم نجوماً على سماء جوبا ومعبودي فتياتها اللاتي كان أفراد الفرقة يغنون لهن بعربي جوبا " مطرة دقو أنا ،، أنا بقى شين شين ،، أو " بنات تاكوتور ،، أي والله بنات كلو هلوين". ثم رقص بنات جوبا على أنغام ورقصات الجالوة الشهيرة، إلى جانب أشهر نجوم الغناء الأفريقي الذين زاروا جوبا من الدول المجاورة وكذا من الخرطوم التي أتى منها المطرب زيدان إبراهيم  وهو يرتدي بنطلوناً مخططاً، فأصبح صيحة أولاد وبنات جوبا لفترة طويلة!.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+