المسألة القومية في السودان(2/2)

بقلم: تاج السر عثمان

  معلوم أن المسألة القومية تنشأ نتيجة للشعور بالاضطهاد القومي سواء كان ذلك بالاحتلال المباشر وقهر شعب لشعب آخر أو اضطهاد قومي أو اثني داخل الدولة الواحدة، بمعاملة شريحة من المواطنين باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.كما أن المسألة القومية اتخذت في كل بلد طابعا يميزها عن البلدان الاخري.

 كما أن المسألة القومية تنشأ نتيجة للتطور المتفاوت بين الشعوب، واتخذت طابعها الحديث مع تفكك النظم الاقطاعية في أوربا، وبروز نمط الإنتاج الرأسمالي ، وبعد تحول الرأسمالية إلي احتكار واتجاهها للتوسع في بقية بلدان العالم الثالث بهدف تصدير نمط الإنتاج الرأسمالي واستعمار شعوب أخرى بحيث تظل بلدان المستعمرات منتجة للمواد الخام ومستهلكة للسلع الرأسمالية من البلدان الرأسمالية المتطورة، وبالتالي وقع علي شعوب المستعمرات التحرر من الاضطهاد القومي بالنضال من أجل الاستقلال السياسي، والمُضي إلي ابعد من ذلك باستكمال الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي.

كان الشعور القومي طاغيا في بداية الثورة المهدية، التي وحدت القبائل في الشمال والجنوب والشرق والغرب ضد المستعمر (شاركت حتي قبائل الدينكا والشلك في الثورة).

 علي أن سياسة الخليفة عبد الله التي عملت علي تهجير قبائل بأكملها من الغرب إلي الشمال، والسياسة الحربية التي أدت إلي قيام معسكرات في أطراف ووسط البلاد، ادت الي المزيد من دمج وصهر القبائل، وبالتالي، عمقت التصاهر والتمازج القومي وخاصة في المدن السودانية مثل ام درمان، القضارف وغيرهما.

 ولكن سياسة الخليفة عبد الله التعايشي في أيامه الأخيرة التي كرّست الهيمنة وحكم الفرد وضرب القبائل التي قاومت القهر والتعسف في الشمال والجنوب والغرب والشرق ، أضعفت الشعور القومي وفتت من عضد السودانيين كأمة، وبالتالي، كان السودان لقمة سائغة للاحتلال الانجليزي – المصري عام 1898م.

5- شهدت فترة الاحتلال البريطاني للسودان توسعا في الشعور القومي المشترك والذي اهمه الشعور بالاحتلال الأجنبي للسودان، والذي بدأت المقاومة له: بالمقاومة القبلية في الشمال والجنوب والغرب والشرق، والمقاومة من منطلقات دينية، حتي قيام التنظيمات الحديثة التي وحدت أفراد من قبائل مختلفة علي أساس سياسي واجتماعي وثقافي ورياضي وفني، مثل: قيام جمعية الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الأبيض، ومؤتمر الخريجين والأحزاب السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلي أندية الخريجين وأندية العمال والأندية الرياضية والثقافية والنقابات والاتحادات.

 كما وحدت المشاريع الزراعية والصناعية والخدمية التي انشأها المستعمر بعد سياسة تحرير الرقيق، والتي كان هدفها تحويل البلاد الي مزرعة قطن كبيرة ، وحدت العاملين في تلك المؤسسات والمشاريع والورش ، والتي ضمت أبناء قبائل من مناطق مختلفة ، كما تطورت وتوسعت المدن والحركة التجارية واقتصاد السلعة- النقد، إضافة للتعليم المدني الحديث الذي ضم طلابا من قبائل وشعوب مختلفة مما عمق الشعور القومي، إضافة للمدن التي انصهرت واندمجت فيها القبائل المختلفة.

 علي أن سياسة المستعمر وخاصة بعد ثورة 1924م، عرقلت ذلك التطور الموضوعي، عندما أدخلت الإدارة الأهلية، وسنت قانون المناطق المقفولة، والسياسة اللغوية في الجنوب (مؤتمر الرجاف)، وتقليص التعليم في الجنوب ، وتعميق الصراع بين الشمال والجنوب بتصوير العرب فقط هم تجار الرقيق، علما بأن تجارة الرقيق كانت تجارة كونية، قام بها شماليون وجنوبيون ومصريون وأوربيون..الخ.

 كما عمق الاستعمار سياسة التنمية غير المتوازنة، علي سبيل المثال في الجنوب: لم يتم أي مشروع غير مشروع الزاندي والذي توقف بعد أحداث 1955م، هذا إضافة لضريبة الدقنية والأجر غير المتساوى للعمل المتساوى بين العمال الشماليين والجنوبيين، وغير ذلك من القنابل الموقوتة  التي خلفها الاستعمار والتي عمقت الصراع القومي بين الشمال والجنوب والتطور غير المتوازن في البلاد.

 علي أن عمق وتطور الحركة الوطنية كان ترياقا ضد السياسة الاستعمارية، وكان الشعور القومي طاغيا في معركة الاستقلال، حتي جلاء القوات الأجنبية عام 1956م.

 وبعد الاستقلال لم يتم تعزيز الاستقلال السياسي باستقلال اقتصادي وتنمية متوازنة بين اقاليم السودان المختلفة، وسارت الحكومات المدنية والعسكرية علي خطى التنمية الرأسمالية الاستعمارية التي عمقت الفوارق الطبقية والتفريط في السيادة الوطنية، وتكريس الفقر وتعميق التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والاستعلاء الديني والعنصري والقهر والتسلط بإسم الدين، وعدم الوفاء بالعهود والمواثيق.

 كل ذلك أدى الي تعميق مشكلة الجنوب التي انفجرت عام 1955م، وانفجرت مرة أخرى بشكل اوسع بعد فشل اتفاقية اديس ابابا عام 1983م. كما انفجرت الحركات الإقليمية في دارفور وجبال النوبا، واتحادات شمال وجنوب الفونج، بعد ثورة اكتوبر 1964م، وقبل ذلك كان مؤتمر البجا الذي تأسس عام 1958م. طالبت تلك الحركات بمطالب مشروعة تتلخص في : تطورير وتنمية مناطقها وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها (التعليم، الصحة، الخدمات-كهرباء، مياه - ، العناية البيطرية...الخ). وكانت تلك الحركات ظاهرة صحية حركت سكون وركود تلك المناطق وجذبتها الي حلبة الصراع السياسي والقومي والاثني، وطالبت بالاعتراف بهويتها الثقافية.

 علي أن المسألة القومية انفجرت بشكل أعمق وأوسع في فترة الإنقاذ التي عمقت الفوارق الطبقية والتنمية غير المتوازنة والاستعلاء الثقافي واللغوي والديني، حتي اتسع نطاق الحرب الذي شمل الغرب والشرق وجبال النوبا وجنوب النيل الازرق..الخ. حتي تم توقيع اتفاقية نيفاشا التي أكدت علي الاعتراف بالفوارق الثقافية والتحول الديمقراطي والتنمية وتحسين احوال الناس المعيشية، ولكن  لم يتم تنفيذ الاتفاقية  وكانت النتيجة انفصال الجنوب.

 وخلاصة ما نود أن نقوله في هذا المقال:

  • الوحدة والتنوع والاندماج والانصهار القومي والثقافي والاثني في السودان، هي نتاج تطور تاريخي.
  • الحل لايكمن في الانفصال وتمزيق أوصال البلاد، كما يبشرنا بذلك غلاة الانفصاليين في الشمال وفي حركات الاقليات القومية في المناطق المهمشة، هذا فضلا عن أن ذلك ضد التطور التاريخي للمسألة القومية في السودان، والذي عبرت عنه حضارات وثقافات السودان المتنوعة، ولكن الحل يكمن في التكامل والتطور المتوازن والحكم الذاتي والعدالة في توزيع الثروة والسلطة، والوحدة من خلال التنوع وعلي أسس المساواة الحقيقية بين كل الاعراق والاثنيات ونبذ فكرة المواطن من الدرجة الثانية.
  • اسقاط النظام الفاشي العنصري الراهن وقيام الدولة المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع هي الضمان ضد التشرذم والتفتت والانفصال والذي تكرّسه الدولة الدينية.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).