الكاتب القلق أرثر قبريال ياك

كتبت قصص قصيرة تدور أحداثها في الخرطوم

  • لقد هربت من جوبا بعد صدور الرواية ومصادرة جهاز الأمن للنسخة الوحيدة التي وجدوها
  • تقدمت إلى منحة أفاق لكتابة الرواية كسوداني

في هذا الحوار يتحدث القاص و الكاتب الروائي الشاب أرثر قبريال ياك، عن تفاصيل كتابته  لروايته الشهيرة"يوم انتحار عزرائيل" والتي تعتبر أول رواية تصدر باللغة العربية لكاتب جنوب سوداني حول أحداث إندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان في العام2013م، ويقدم أرثر في إجاباته للأسئله قراءات حول شخوص الرواية والأدوار التي لعبتها، في وقت ينفي إسقاطه لأي من توجهاته وايدلوجياته على الشخوص التي أكد أنها خيالية لا تمت للواقع بصلة، على الرغم من أن الرواية تدور أحداثها حول أحداث ديسمبر2013م، ويستبعد الكاتب الشاب أن تكون الرواية محاكمة تاريخية لقادة الحركة الشعبية.

ويذكر أرثر تفاصيل هروبه من عاصمة جنوب السودان جوبا بعد صدور الرواية، ومصادرة النسخة الموجودة من قبل جهاز الأمن..فإلى مضابط الحوار

حوار: بحيرات بختان

 **لمن لا يعرفه، من هو أرثر قبريال؟

= أنا مشحون بقلق عدم الاستقرار  . تخيّل أن تقضي ثلاثة أرباع عمرك تشعر فيه بأنك تبحث عن وطن يأويك، وطن يحضنك وتحضنه وتشعر بدفء الانتماء إليه. لم أجد هذا الوطن أبداً. ربما وجدته في سنوات عمري الأولى إلى أن عرفت الحياة، ولكنه تلاشى، اختفى، تحول إلى سراب، إلى حلم كاد أن يتحقق بعد الاستفتاء الشهير، ولكن هيهات! فقد سُرِق حلمنا مرةً أخرى، وداهمني عدم الاستقرار مرةً أخرى، وبصورة أقسى من الأولى، قسوة داخل نفق مظلم بلا بصيص أمل. هذا هو أنا، آرثر الذي يبدو سعيدًا، متفائلًا، مبتسمًا على الدوام، لكن نفسه مهشمة بلعنة عدم الاستقرار.

**كيف تحولت من طبيب بيطري إلى قاص وكاتب روائي ؟

= أعتقد بأني، فقط، وظّفت دراستي للعلوم البيطرية في الكتابة الإبداعية. دائماً ما أقول بأن ثمة تشابه كبير بين سلوك الكائنات الدقيقة التي درسناها وسلوك الإنسان، بين سلوك الحيوانات والإنسان. في كثير من الأحيان  يصبح الحيوان حضاريًا أكثر : أنظر كيف يقتل الإنسان أخيه الإنسان، كيف يغتصبه، كيف يفقره، كيف يُبغضه إلى درجة أنه يشعر أن الوطن الواسع الفسيح الذي خلقه الله، لا يسعهم أبدًا! نعم، ليس هناك تحول تم، ولكن هناك توظيف تم.

**يوم انتحار عزرائيل، ما السر من اختيار اسم  الملاك عزرائيل ليكون عنوان الرواية؟

= ليس هنالك سراً.. الكاتب لا بد أن يختـار عنوانـا يناسب عمله الروائي. واعتقد أن عزرائيل ذلك الملاك الذي يحمل روح الإنسان ليسلمه إلى الرب وفقاً لبعض الأديان، يشبه بطلنا الذي يزهق الأرواح ليبعث بها الى العالم الآخر. الم ترَ أن عزرائيل الرواية يقوم بذات المهام الذي يقوم به الملاك عزرائيل؟

**ألا ترى أن عنوان الرواية يشوبه الغموض؟

= العنوان لا بد أن يحمل في طياته دلالـة اجتماعية، أو دينية، أو سياسية، أو ثقافية. هذا العنوان يحمل دلالة دينية بحكم أن عزرائيل موجود في الدين.

**عزرائيل هو  ملاك الموت  المرسل  من قبل الله بقبض الأرواح حسب كل الديانات والمعتقدات ، بحيث إنه أخرالمخلوقات والملائكة موتاً يوم القيامة، يكتشف القارئ عدم التوافق في ربطه بشخصية فرانكو بطل الرواية، كيف ترد؟

= أعتقد أن هناك توافقا بالرجـوع إلى إجابتي في السـؤال الأول. عزرائيل هنا تجسـد في شخصية الكولونيل فرانكو.

**ما القصد من اختيار اسماء شائعة لشخوص الرواية الفاعلين  أمثال(فرانكو_جرمايا_ام لادو،ربيكا) ؟

= أنا أكتب رواية تدور أحـداثها في المجتمع الذي أعيش فيه، وأنه ليس من المنطق أن آتي بأسماء صينية أو يوغندية أو قل حتى أسماء نيجيرية مثل آباشي أو أتشيبي، لأنها ببساطة ستجعل القارئ غريبا عن واقعه. اختيار أسماء شائعة تجعل القارئ الجنوب سوداني يعيش الأحداث كأنها شريط سينمائي يمر أمام عينيه. وهذا هو القارئ الذي أكتب له في المقام الأول، وبعد ذلك يأتي أي قارئ آخر..

 

**أحداث ديسمبر2013م  هي جوهر الرواية، لكن رجعت بالذاكرة البطل فرانكو إلى الوراء يستشف معاناته في الأسرة ،مدينة واو، أيام النضال ،منازعاته النفسية التي يرى نفسه في بعض الأحيان بأنه نويراوي، لماذا العودة إلى واو، أم أنك أسقطت بعض ماضيك على أحداث الرواية؟

= ماضيي الأكبر عشته خارج مدينة واو.. مدنٍ كثيرة عشت فيها وأحببتها كثيراً.. كتبت قصص قصيرة تدور أحداثها في الخرطوم وأخرى في القاهرة وفي العاصمة جوبا وأيضا واو.. فالكاتب لا بد أن يكتب عن شيء أو مكان يعرفه حق المعرفة، إن أراد أن يجعل بعض الأحداث تدور في ذاك المكان: تفاصيله شوارعه وأزقته وحتى بعض الشخوص التي تصلح للإعمال الروائية والتي نلتقيها في حياتنا اليومية..  معظم أحداث روايتي تدور في حي مونيكي لأنه الحي الذي عشت فيه سنوات وما زلت أعيش فيه.

**قد أظهرتَ البنية التحتية للمجتمع وغيِّبت السلطة هل هذا عن عمدٍ ولماذا؟  الم ترَ أن العسكرية التي طغت على مجمل الرواية هي سلطـة في حد ذاتها؟

 

**هل التهميش الذي عاناه فرانكو يجعله غير قادر على  الاحتمال والمواجهة إلا أن يمأرس القهر ليستعيد مكانته؟

= لم يكن التهميش فقط هو الذي عاناه فرانكو فحسب، بل الضغوط الاجتماعية التي كان يجابهها من قبل شقيقته كرستينا والتي كانت تلومه وتحثه بطريقة أو أخرى ليفعل كل ما بوسعه ليصير مثل زملائه الذين اغتنوا وكدسوا الثروات فتحولوا من رجال الثورة إلى رجال الثروة.. تلك الضغوط جعلته يضعف أمام أقرب فرصة لاحت له في الأفق ليلحق بركب زملائه الضباط الذين سبقوه في الرتب العسكرية.. لا تنسى أن فرانكو ذاته كان يُرهب زملاءه والضباط الأكبر منه رتبةً، يهابونه بمجرد ظهوره في أي معسكر أيام حرب التحرير، فهو، أيضاً، كان يبطش وينكل بهم بلا  هوادة من أجل تحقيق مبادئ الثورة.

 

**فرانكو نتاج مؤسسة القهر (الأسرة ) مارسه الأب على الابن والأم معاً،(الثورة) بحيث استخدم كأداة هل أن الديناميكيات النفسية للإنسان المقهور تكون كارثية على المجتمع ولماذا؟

= طبعاً تكون كارثية ومدمرة حين يتحول الإنسان من مقهور إلى قاهرٍ متماهي في شخصية المستبد ليقهر أقرانه.. وفي الغالب، أنه يكون أكثر عنفاً وأكثر دموية من شخصية المستبد، لأن القهر هنا يكون متجذراً في ذاته المقهـورة  لحقبـة طويلة، وهو، في ممارستـه للقهر لا يرى أنه يفعل شيئا غير طبيعي.. وهكذا شخصية الكولونيل فرانكو التي تشوّهت نفسيته دون أن يـدرك ذلك.

 

**فرانكو ضابط ثوري ملتزم بأهداف الثورة، بإسقاط شخصيته على النخبة الثورية هل هذا ما أردت كشفه للناس أن هذه النخب تعاني من أمراض نفسية بما أن هذا البعد يغيب دوماً عند تناول موضوع النخبة الثورية؟

= أن يقضي الإنسان أكثر من نصف حياته مناضلاً في الأحراش لا يثق إلا في السلاح الذي يحملـه، ويخبر الكثير من العنف والمشاهد المؤثرة مثل موت رفاقه في أرض المعترك أو موت عدوه أو قضم لغم أرضي لأطراف أعز صديق له، هذه المشاهد لو رآها الإنسان على شاشة السينما فقط، لاهتزت نفسه وزارته كوابيس مرعبة، فما بالك لو خبرها الإنسان ويبصرها بأم عينيه! لا شك أن ما يعانيه بعض من النخب الثورية تندرج في ما يسمى علمياً الاضطراب النفسي ما بعد الصدمة.

Post Traumatic Stress Disorder

ويحتاج ذلك الاضطراب إلى جلسات نفسيـة متواصلة وإلا أصبح المضطرب خطراً على نفسه وعلى المجتمع من حوله.

 

**مجوك يعلم ان زوجته اشول حامل من شخص اخر الا انه تزوجها، هل اشول تدفع ثمن خطأها لذلك يتعين عليها  تحمل القهر(جسدياً وجنسياً)؟

= لا أدري إن كانت أشول تدفع بثمن الخطأ أم لا. لكن القول بالخطأ هنا، أي حمل أشول خارج إطار الزواج، هو من إفرازات المجتمع الذكوري الذي نعيش في كنفه، ذلك المجتمع الذي يلقي باللائمة دوما على المرأة،   . أشول عندما حملت خارج إطار الحياة الزوجية، كانت بنت لا تعِ ما تفعـلها ولا تعلم عن تداعياته في المستقبل. نفس هذا المجتمع الذكوري جعل المرأة تنظر الى القهر الجسـدي والجنسي ليس إلا أشياء يجب عليها تحملها دون التلفظ بشكوى أو اعتراض. وان المتعة الناتجة عن ممارسة الحب مقصورة فقط للرجل، دون المرأة، والأدهى من ذلك، أن المرأة ذاتها اقتنعت بأن وظيفتها الأساسية هي إسعاد الرجل وإدخال البهجـة في نفسـه ومن ثم تفريخ الأطفال ليس أكثر! تأصل ذلك الاعتقاد في فهم المرأة ليست لأنها جاهلة، بل لأن المجتمع الذكوري الجاهل بحقوق المرأة، عمل، بدأبٍ، على مر العصور، في زرع ذلك في ذاتها غير الواعية فصـدقت أن الحياة الزوجية ليست سوى إسعاد الزوج وولادة الأطفال.

 

**بعدما مات زوجها رفضت أشول أن يدخل عليها احد أخوان زوجها بالنظر على شخصيتها قبل الوفاة، وبعدها تريد القول أن هنالك هدر في المجتمع خاصة على المرأة التي تهدر إنسانيتها؟

= وراثة زوج أخ أو أب ميت هي من التقاليد المتبعة عند بعض الإثنيات في بلادنا. العادات والتقاليد هي من الأشياء التي تُغزي التراث الثقافي لكل أمة. ليست كل العادات والتقاليد جيـدة! وهي أيضاً ليست نصوص مقدسة مُنزلة من السماء ليتشبث بها الإنسان. يجب علينا التشبث بما هو صالح وعدم التعلق بما هو طالح. توريث الزوجة للأخ أو الإبن من التقاليـد التي لا تُعطي الحق للمرأة في أن تتمنع عن توريثها لرجل غير الذي مات وهي تمـوت فيه عشقاً، وحباً. لاحظ أن تلك التقاليـد تعطي الحق للرجل الوارث حق الزواج من امرأة أخرى بجانب الإثني التي ورثها من المرحـوم أخيه أو والـده! إنه ذات المجتمع الـذكوري الذي لا ينظر إلى المرأة على أنها كائن تحس وتشعر وتحب وتعشق وترفض في الزواج من لا تريد الزواج بـه! الشيء الذي يدعو إلى التفاؤل هنا، هو أن بعض من هذي التقاليـد أخـذت في الإندثار تدريجيـاً.

 

**هل رضخ فرانكو لرغبات الآخر(أخته ربيكا،السلطة) لتنفيذ امتلاءاتهم ومخططاتهم ام انه اطراد إظهار أهميته؟

= فرانكو ليس سوى ضحية للمجتمع والسلطة العسكرية والسياسية.. ربما رضخت الضحية للضغوطات التي حاصرته من كل الاتجاهات.

 

**عندما تحدث الزعيم مع فرانكو بعدم الانكفاء على الذات،لكن ألا تعتبر أن الاحتماء بالماضي هزيمة جماعية بما فيه الكاتب نفسه الذي يهرب من الواقع ؟

= كيف تكون الإستعانة بدروس الماضي هروبا من الواقع أو هزيمة جماعية؟ لقد قلت على لسان أحدى شخوص الرواية "عندما يكرر التاريخ نفسـه، فلا بد من وجـود غباء في مكان ما" ا لم تكن قراءة التاريخ  هي الماضي، مفيـداً لتفادي الأخطـاء التي يرتكبها الإنسان في الحاضر، ومن ثم التخطيط لمستقبل أفضل؟ الزعيم كان يحدثه بعدم الانكفاء على قبيلتـه، وان البشر في العالم كله لو كانوا بيض أو صفر وبنفس تقاطيع الوجه والطول والعرض، فكيف كان سيكون شكل العالم؟ هل تعتبر ذلك الحديث القادم من عمق الماضي، والذي قلما ينظر إليه إنسان هذا الحاضر بتلك البصيرة الثاقبة وتلك الرؤية الذكية الواعية، حديثاً تعلمنا منه احترام التباين الإثني الذي خلقنا به الله؟ الماضي     لا يعني الهروب من الواقع، لأن الواقع بطريقة أو أخرى، نجدها مرتبطة إرتبارطا ً وثيقاً بالماضي.. فالأستاذ، بحيرات على سبيل المثال، سوف لا ولم يكُ بحيرات بختان رئيس تحرير صحيفة إن لم يكـن له ماضي في الممارسة الصحافية والتي  هي مكـوّن أسـاسي في شخصيته الإعلامية. وعلى حسب القول، من لا ماضٍ له، لا حاضر له، ولا مستقبل له.

 

**هل القتل الذي مارسه فرانكو من اجل قضية سامية يؤمن بها أم انه محتقن بالصراعات القبلية  والنفسية؟

 = كل الذين يمارسون العنف ضد القبائل الأخرى، أن احتقنت نفوسهم بصراعات قبلية أو نفسية، يؤمنون بأنهم يفعلون ذلك من أجل قضية سامية يدفعون الغالي والنفيس بغية تحقيقها. عكس ذلك لا يمكن تحقيقه إلا بتجرد الإنسان ونظره إلى الأشياء بنظرة إنسانية تجعله يحترم إنسانية الإنسان بغض النظر عن قبيلتـه. وقد يحدث ذلك عندما يعرف كل من تمور نفسه ببغضاء القبلية أن ليس هنالك من اختار أن ينتمي إلى قبيلة ما، وان ليس هنالك من بذل جهداً خارقاً ليجعل نفسه ينتمي إلى قبيلته. أجل، فرانكو كان يؤمن بأنه يزهق أرواح الناس من أجل قضية سامية، من أجل أن يدافع عن سلطة القبيلة التي صارت في خطر. 

 

**بالنظر إلى شخصية جرمايا الموغل في الفساد المالي والأخلاقي هل يعتبر ذلك سمة النخبة الثورية التي تمارس الفساد كجائزة النضال، السؤال: إذن لماذا لا يخضعون للمحاسبة؟

= أسمح لي أن أرد على سؤالك ابتداء من نهاية السـؤال.. لماذا لا يخضعون للمحاسبة؟ هذا سؤال أرهقني إلى أن تفتق زناد فكري يوماً وجاهرت بالقول بأنه إذا كان ما يحدث أمام أعيننا، من انفلات عقابي، ليس سوى مكافأة وتعويض لسنوات النضال في الأحراش، فيجـب علينا الجلوس لإجراء حسابات دقيقة لمعرفة كم من الثروات يستحقها المناضل كي يُدفع له دفعة واحـدة لنُغلق هذا الباب نهائياً ونبدأ المحاسبة! لم يمكن القول بأنها سمة خاصة بالنخبة الثورية فقط، فهنالك من هم لم يناضلوا  أبدا، بل على النقيض تماماً، كانوا يناضلون من أبراجهم العاجية ويعملون ليل نهار كي تخفق الثورة وتُرد على اعقابها، هؤلاء، الآن انغمسوا في بالوعة ذلك الفساد المالي والأخلاقي. إذن هذه ليست سمة محصورة في النخبة الثورية فقط.

 

**أصدقاء فرانكو  وجيرانه شخصيات من الهامش من خلال أحلامهم ولغتهم/ لماذا لم تضعهم في تضاد مع السلطة؟

= إن كانت الرواية كلها تسير حسب اقتراحك هذا، أي أن أضع كل الشخصيات في تضاد  مع السلطـة، لأصبحت الرواية عبارة عن تظاهرة سياسية كبرى لأبناء الهامش ضد السلطة! ولأصبحت الرواية مُنفِرة لبعض القراء الذين يمجون السياسة. الشخوص التي رسمتها في الرواية، هي شخوص عشتها في مخيّلتي إلى أن أصبحت حقيقية في عالمي.. هل تعلم عندما كنت أكتب "يوم انتحار عزرائيل" كنت احلم ب كولونيل فرانكو وام لادو وصندوق الأسرار وصاحب فنيلة برشلـونة؟ لقد أحببتهم جميعا دون فرز، ربما لأني أجد نفسي منجـذباً نحو حياتي الهامشية بتفاصيلها وشخوصها التي تشكلها كأنها لوحة جميلة صنعتها يد أكثر من فنان!

 

**قد أطرقت المسمار في الجرح بكشف ممارسات جرمايا الجنسية ضد الأسرى في أيام النضال وقد ظل المثقفون يدافعون عن حركة التحرير بالرومانسية ومهابة قدسية،أتريد القول ان الثورة فيها   خلل هيكلي وأخلاقي ما زالت تلازمها حتى مرحلة الدولة؟

= الرومانسية والقدسية لا توجدان أبدا في أيه حركة تحررية، لأنها، ببساطة، ليست كنيسة أو معبد أو جامع يصلي فيه الثوار.ولأنها ببساطة تُدار بواسطة بشر وليس أنبياء أو رسل أرسلهم الخالق لتحرير الخلق! حتى تلك المعابد التي يتعبد فيها الناس، تتلطخ، أحيانا، بأخلاقيات منحرفة، من قبل الذين يديرونها.. انظر إلي الكنيسة في الغرب، ماذا حلت بها؟ فسوق وانحلال أخلاقي مارسه القساوسة بحق الأطفال بعد دروس الكتاب المقدس لتعليم النشء! أنظر إلى زواج المثليين في الكنائس رغم أننا لم نجد أي واحدة، واحدة فقط، تُبيح ذلك.. أنظر إلى شيـوخ الفضائيات الذين يفـتون حسبما تتفق أمزجتهم وليس حسبما هو مشروع دينيا. عندما ينحرف رجل دين أخلاقياً، لا يعني هذا ان الدين يعاني من خلل ما، وهكذا الثوار عندما ينحرفون أخلاقياً فلا يمكـن إيعاز ذلك الانحراف الى الثورة برمتها! النفوس البشرية مهما تحوطت نفسها بهالة من القدسية والمبادئ والأخلاق، لا يمنعها كل تلك من الانزلاق، حتى ولو للحظة، في مكامن الفساد والتعثر في مطبات الرغائب الجامحة. إنها النفس البشرية المكوّنة من الشر والخير.

 

**يعتبر البعض انك متحامل على إثنية الدينكا والبعض الآخر على النوير، بماذا ترد؟

=جيـد أنهم لم يقولوا بأني تحاملت على إثنية دون الأخرى. وهذا إن دل على شيئ، وإنما يدل بأنني كنت متجرداً، ونزيها في كتابتي لهذه الرواية.

 

**لماذا انتحر فرانكو هل لأنه اكتشف نفسه بعد هذا الزمان انه رغم انه كان نويراويا ليس دينكاوياً بل نويراوياً ،أم لأنه اكتشف نفسه ضحية زيف؟

 = قد يبدو للقارئ أن فرانكو من الناحية البيولوجية، كان نويراوياً، وهذا صحيح.لكني اعتقد من الناحية البيئية أنه غير ذلك. فالإنسان إبن بيئته. ربما أن الانتحار هنا جاء كنتيجة طبيعية لحماة القنوط واليأس التي دبت في نفس الكولونيل فرانكو، بعد أن اكتشف بأنه كان ينتقم من بني جلـدته البيولوجيين، وذلك بعد أن رفضـته من كان يراهم أنهم بني جلدته الذين ترعرع بينهم وقضى جُل عمره مؤمنا بأنه ينتمي إليهم. تخيّل بعد هذا العمر كله أن يأتي احد الأقرباء ليذيع في أذنك سراً بأن والـدك ليس هو والدك بل فلاني الفلاني!

 

**هل يمكن القول ان رواية"يوم انتحار عزرائيل"محاكمة تاريخية لقادة الحركة الشعبية؟

 = القارئ الحصيف هو من يحـدد أن كان ذلك العمل الإبداعي هو محاكمة تاريخية أم لا! ولكن مسئولية الروائي ليست تقديم الثوار، إن وُجِدوا، إلى محاكمة.. الروائي ليس قاضيا ليحكم على كل من يرتكب جرم بحق شعبه! ما فعلته هنا هو تأرخة وتوثيق لحقبة سوداء من مسيرة هذه الدولة التي بدأت تتعثر منذ أن وُلدت حتى لا تنساها الذاكرة الجمعية لهذا الشعب.. أجل، أريد أن تأتي أجيال من بعدنا ويقرأوا ما وثقناه، ويهتفوا باستهجان شديد: إن تلك الأجيال، التي أخرجت هذه الدولة، لا شك، قد عبثوا بها عبثاً مُريعاً! إن كان ذلك النقد أو تلك الملاحظة من الأجيال القادمة، التي سوف تشمئز من تصرفاتنا الآن، بالمحاكمة التاريخية، فهذا جيّد..

 

**هل صحيح انك ملاحق من قبل الأجهزة الأمنية بسبب الرواية و إنها محظورة في جنوب السودان؟

=لقد هربت من جوبا بعد صدور الرواية ومصادرة جهاز الأمن للنسخة الوحيدة التي وجدوها في مكاتب جريدة(الوحدة) بعد أن نفدت كل النسخ. كان قصدهم   مصادرة كل النسخ بيد أن محاولتهم باءت بالفشل. بعدها أخبروا إدارة الصحيفة أن أحضر إلى مكاتب الأمن، وقد كنت في اليوم الثاني في الخرطوم. لقد ظنوا بأني من الغباء أن أمضي إليهم بنفسي. بعد أن وصلت الخرطوم، اتصل بي أحد رجال الأمن الذي أعرفه، بأن أفراد الجهاز كانوا في المطار يبحثون عني، لكن، لذكائهم الخارق، يبدو أنهم كانوا يبحثون عن شخص لا يعرفون شكله. فلقد مررت بهم دون أن يعرفوني. لا أعرف إن كانت الرواية محظورة في جوبا أم لا، لكن القادمون من هناك يقولون ذلك.

 

**تم الإشارة إليك في مقدمة الرواية ككاتب سوداني وليس جنوب سوداني، كيف تفسر ذلك؟

= حدث ذلك لسببين: السبب الأول هو أن إدارة الصندوق العربي للثقافة والفنون التي كتبت المقدمة، ارتكبت ذلك الخطأ، وقد أخبرتهم بذلك. السبب الثاني والذي ربما يكون قد أدى الى الخطأ الأول هو أنني عندما تقدمت إلى منحة آفاق لكتابة الرواية، قدمت كـسوداني حيث لم يكن اسم جنوب السودان مدرجًا في قائمة الدول الموجودة في الطلب الالكتروني الذي ملأته، وعندما تم قبولي أخبرت آفاق بذلك. كثيرة هي الطلبات الالكترونية التي لا يجد فيها المرء اسم جنوب السودان مدرجًا، لسبب لا أعرفه.

 

**البعض يرى أنك بارع في كتابة القصة القصيرة أكثر من الرواية، كيف ترد؟

= سمعت بذلك واعتقد أن في ذلك خطأ فادح حيث مقارنة تجربتي القصصية التي دامت أكثر من عقدين من الزمان بتجربتي الروائية الحديثة جداً- التي لم تبلغ الخمس سنين- والتي تمخضت عنها رواية واحدة كُتِبت في ستة أشهر، وهي وقت ضيق للغاية. هذا يشبه مقارنة صفات طفل في الخامس من عمره بصفات شاب في العشرينيات من عمره! ربما على القائمين بإجراء تلك المقارنة التريث قليلاً.

 

**بمن تأثرت في الكتابة الأدبية، من هو قدوتك؟

= من الصعب القول أن هنالك كاتب بعينه قد تأثرت به، لكن ربما قراءاتي لمعظم الأدب الإفريقي، والأدب اللاتيني كانت لها عظيم الأثر في كتاباتي.

 

**ماهي مشاريعك المستقبلية؟

= لدي عمل روائي سينشر قريبا بإذن الله، ومجموعة قصصية أبحث عن ناشر لها.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+