9 شهور اعتقال بأمر السكري

على عسيلات

ليلة عيد الأضحى أمطرت السماء وظلت سارية ليلها حتى الصباح تصدع المنزل وعلى مد البصر يتدافع الموج ويخترق الحيطان والشوارع المتعرجة تصارع الأطفال والنساء وهم يخوضون الوحل ومخلفات الأكياس وأظلاف الأضحية.

جاء من يخبرني أن منزل ابني قد سقط السور الأمامي منه.

كان البناء قد تم بعد صيام عن ضروريات وأشياء هامة

خرجت من منزلي وسط القرية خائضا الماء والوحل وكنت حافيا لأنه لا يمكن لبس حذاء وسط المياه التي تصل حتى الركبة.

وصلت حتى السور الذي انهار جزء منه ثم عدت راجعا

كان عمق الماء يغطي الشوك والحجارة والزجاج. خرجت من الماء رأيت بقعة دم أسفل قدمي جلست أرضا نظرتها ثم ملسّتها بماء المطر وعدت الى المنزل كان هذا منتصف النهار.

وضعت سريري في ظل العصر. الجرح كان بسيطاً جدا لا يزيد عن سنتمتر. بعد العصر شعرت بحمى خفيفة وتنميل مكان الجرح. المستشفى المجاور في أم ضبان لا يشجع على دخوله في العطلات ككل المستشفيات الحكومية.

صباح اليوم التالي أخذوني لمستشفى مخصص فى السكري والغدد والإصابات والباطنية، لاحظ طول الاسم مثله ومثل الجماهيرية العربية الليبية الشعبية العظمى .. الخ وكلاهما لا ينطبق عليهما ذاك الاسم المتفرع.

لم يكن بالمستشفى الا طبيبة صغيرة وأظن ممرض يقوم بغيار الجروح. بعد دفع المال قابلت الطبيبة أمسكت قدمي من أسفلها حركتها ونظرت إليها ثم أمرت بدخولي (العملية الصغيرة) دون أن تدخل معي ، واكتفت بوريقة صغيرة للمرضى. ومن هنا بدأت متاعبي لقد وقعت في براثن الممرض الذي حمل قدمي بين يديه، ثم وضعها على طاولة عالية ووضع تحتها كمية من الشاش والقطن. حمل مقصا و(جفت) لف مقدمته بكمية من الشاش ثم قام بتوسيع الجرح وادخل الجفت داخل الجرح و"ساطه سواطةً" شديدةً، كتمت كل آلامي عندما سألني كيف ؟ قلت له: "تمام حتى لا يعاود الهجوم، قال خلاص تعال للغيار يوم بعد يوم" لم أنم ليلتها لأن "تكريب" الجرح الجديد فاق كل احتمال، ثم في اليوم الثاني حتى ليلة وصباح موعد الغيار الجديد، وكنت قد دخلت المستشفى التخصصي وأنا أتوكأ على أبني وعندما عدت المرة الثانية كنت محولا أربعة منو.

عاود الممرض مقابلتي ـ وأيضا لم أقابل أخصائي ـ حيث عاود نفس الطريقة في الغيار وقال "خلاص كويس حايقفل" ولا ادري أيهما الذي سيقفل هل الجرح الصغير الأصلي أم المجرى الذي فتح جديدا؟ ظللت على هذه الحالة عشرة أيام وفي اليوم العاشر أحضروني بحالة جيدة وتطور سلبي ملحوظ حيث أسفل القدم كان مثل قوس قزح وأعلى القدم به سواد ظاهر بأحد الأصابع – بيني وبين نفسي أيقنت انها(الغرغرينا) التي رأيتها عند أشخاص كثر بترت إقدامهم وبعضهم أودت بحياتهم.

نظر المعالج(الممرض) للجرح وتطوراته ثم أسرَّ لابني وأنا اسمع انه لابد من مقابلة الأخصائي والذي من المحتمل حضوره غدا. وقال احتمال يأمر أي الأخصائي ببتر الرجل.

كان ابن عمي عمر عسيلات قد سمع بإصابتي وهو يعمل ويسكن القاهرة فاقترح مشددا حضوري فورا للقاهرة، انه أي عمر عسيلات قد حضر في إجازة أسبوع فاقترح ذهابي فورا للقاهرة وسيلحق بي. حزمت أمري وتوكلت وفي الطائرة وحتى هبوطها في مطار القاهرة كنت احمل رجلي على يدي من الألم- وصلت المطار قابلني خالد عمر عسيلات. صباح اليوم الثاني ذهب بي للمستشفى الايطالي وبعد إجراء الفحوصات اللازمة وأشعة للشرايين قال لي الجراح: "حزين لرقلك(رجلك) يا عم علي" قلت ليهو "خير" قال لي "لازم بتر من تحت الركبة" قلت ليهو كويس اعمل ما ترى- كتب اورنيك دخول للبتر وقرر أن يكون الصباح بدري آو ليلا. ربك رب الخير النقود التي كانت معي ناقصة عن رسوم العملية وكنت انتظر وصول ابني الذي سيلحق بي ليلا- ذهبنا للشقة حتى يقضي الله أمرا. وكان ابن أخي المرافق يحاول الاتصال على جراح في مستشفى آخر ذهبنا اليه ليلا- حيث قرر آن يجري عملية لفتح الشرايين أولا لأنها معطلة كلها ولا توصل الدم، في اليوم الثاني أدخلني لعملية الشرايين حيث استغرقت عدة ساعات، وفي اليوم الثاني أدخلني لجراحة القدم، وكنت مستبشرا انه سيبتر الأصبع الأسود فقط كما قال أولا، وكان القدم ملفوف بالضمادات ولم أتمكن من رؤية التطور الذي حدث حيث انه وبعد التخدير وضح أن(الغرغرينا) قد أصابت أكثر من ثلث القدم فنادى ابني واخبره بتطور الجرح واستشاره فوافقه على بتر كل الأصابع وثلث القدم وهذا ما جرى وتم البتر ودخلت في طريقة جديدة للعلاج.

خرجت من المستشفى وبدأت رحلة غيار الجرح وهي مؤلمة بدرجة لا توصف

كان غيار الجرح يوميا كنت أضع البشكير أو العمة في فمي وأعضها بقوة حتى لا يشمت ابن النيل من جرسة الحبايب.

ما يقارب ثلاثة أشهر الغيار يوميا منه عشرة أيام بجهاز شفط الجروح وعشرين جلسة بالأوكسجين. تفاصيل كثيرة وقد استمر غيار الجرح لمدة 9 تسعة شهور لم ينقطع الا هذا الأسبوع ،ولم أغادر السرير الا محمولا على كرسي متحرك تعطلت كل تحركاتي وكان اعتقالا سلبيا دون فائدة وتلتلة للأسرة والأصدقاء والمعارف وتجربة مُرة سردت عليكم جزءاً بسيطاً منها ليتبصر مرضى السكري عن المآلات السيئة التي تنتج عن الإهمال.

أسرتي المباشرة لا تعرف هذا الداء اللعين بل كانوا أقوياء رعاة وزراع، وأنا طبيعة عملي بالسكة الحديد لا تسمح لمثل هذا المرض لإصابتنا، غير أن تغيير طبيعة العمل والكف عن الحركة وتوضيب القطارات والتعطل الإجباري بالفصل التعسفي والتواجد لسنوات عاطل عن الحركة أو التحرك المحدود في الأماكن الضيقة وعدم ممارسة الرياضة ثم عدم المتابعة الجادة كلها كانت أسباباً.

لقد اعتقلني السكري تسعة شهور- ولم يطلق سراحي الا قبل أسبوع مؤقتا حيث ينتظرني طرف صناعي(كركاسة) للطرف الذي بتر. تفادوا ما حدث لي اعملوا حسابكم (من يصادق السكري كمن يصادق حكومة الإنقاذ) فهو صديق غادر. بعد إجراء عملية الشرايين وبتر ثلث القدم حكم السكري بإجراء عمليتين لتصحيح العملية الأولى.

نعم تجاهلت السكري أحيانا لكن كان إهمال العلاج الصحيح وعدم وجود متخصص يتابع الحالة له الضلع الأكبر.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+