تونس .. طريقٌ جديدٌ للحُقوقِ الفَرديةِ والمساواةِ

تونس تتقدم وتفاجئ الجمود وكل المنطقة بإخبار تتسم بالجرأة في الطرح والوضوح والمطلوب وهذا في مواجهة إلحاحات الحضارة وتحديات اللحظة والمستقبل. ويبدو أن خميرة ثورة الربيع العربي لازالت في تفاعلاتها العنيفة محدثة إنزلاقات وتصدعات ضخمة في طبقات المفاهيم التي عجزت عن ملاحقة الحاضر.

ومن ريادة الثورة تطل اليوم من أعلى شرفة الاجتهاد لتدق أجراس الدعوة لعهد جديد من الحريات الفردية والمساواة في وسط هذا الظلام والظلم التاريخي.

ان هذا الحديث ليس عن تونس كنظام والكل يعلم انها لازالت تعاني من مشاكل عديدة ويحتدم الصراع داخلها حول شكل الدولة والحداثة، وعلى المكشوف تجري فيها مراجعات فكرية جريئة وتنزوي مرجعيات في فضاءات العلنية. وكل هذا يتم في تحسس الطريق نحو إقامة الدولة المدنية الديمقراطية والتي تقوم على نعمة وشرعية المواطنة المتساوية وليس على أي شيئٍ آخر سواها.

ان المهم الآن ليس هو القبول أو الاعتراض على عمل ومخرجات اللجنة التي كونها رئيس الجمهورية التونسي، وخاصة ان تاريخ المنطقة لم يألف توافقا واتفاقا على شيئ وحتى في القضية الفلسطينية ومقدساتها انقسم المجتمع العربي الى مهادن ومطبع ومقاوم ولا يوجد في الحياة والطبيعة ذلك التماثل والتطابق المطلق.

أن المهم جدا الآن هو ان الخطوة رمت حجرا ثقيلا على بركة الجمود والكسل وأنها لامست في العمق إحدى المحرمات المسكوت عنها عبر التاريخ من قبل الجماعات التي نصبت نفسها حارسا للماضي. هذه الصدمة القوية في التقدير هي أهم انجازات هذه اللجنة وهذا فتح الحوار والاستماع لآراء مختلفة وجر كل الأطراف لمواجهة التحديات وإيجاد صيغة للتعايش في ظل الاختلاف، فليس من الممكن قمع احتياجات التطور بالهروب أو الصمت.

الآن هنالك معركة فكرية وحقوقية تطرح نفسها على موائد كل الفرقاء شركاء الوطن. وانه لأول المرة تطرح قضية الحقوق لكي تؤسس وتشكل عليها الواجبات وليس العكس كما في السابق حيث توضع الواجبات أولا.

يجب إدراك بأنه لا يمكن تحقيق أي نقلة نوعية أو اختراق في المجتمعات العربية والإسلامية ما لم يتعزز الوضع الحقوقي للمرأة ولأن وجود أي شكل من أشكال الاضطهاد يعني عدم المساواة وسيادة المفاهيم الأبوية والذكورية والإقصاء ونفي مشاركة المرأة في الحياة العامة من مواقع التمييز والعداء ولكن باستخدام الدين في المعركة.

إن تمكين المرأة في المجتمع هو مؤشر صحي على تعافي هذه المجتمعات من ارث الوصاية. إذاً الممارسة هي المحك الحقيقي وليس عمل الزخارف والزركشات التي تقوم بها النظم المعادية لمساواة المرأة. وفي الواقع فان تونس قد خطت خطوات معتبرة بعد الربيع العربي والذي لا يمكن اعتباره لعنة البعض ، إذ انه فتح ثقوب في جدران أنظمة الاستبداد العربي والإسلامي المطلق وهذا لرؤية الغد الأكثر عدلا وإنصافا، ولا شك من أن الثورة هي عمل تراكمي وكل جولة تعقبها جولات.

إن من توصيات لجنة الحقوق الفردية والمساواة  المساواة التامة بين الرجل والمرأة ، الحق المشترك في الطلاق أمام القضاء، والمساواة في الميراث، الاعتراف بحقوق الأطفال خارج الزوجية ومنح الجنسية للأطفال من قبل الأب والأم التونسية في حالة الزواج من الأجانب والأجنبيات، إلغاء المهر وإلغاء النفقة على الرجل إذا كانت المرأة تمتلك عملا يمكنها من العيش ، إضافة يمكن للأطفال إضافة اسم الأم بجانب اسم الأب . عدم مضايقة المثليين واحترام خياراتهم ، إلغاء عقوبة الإعدام بجانب  إلغاء القيود على سفر المرأة بمرافق ولقد سبق أن أجيزت بعض القوانين كالزواج من اللاديني.

على العموم هذه التوصيات جديرة بالمناقشة قبل ان ندخل في موجات من التكفير وإصدار فتاوى إهدار الدم في قضايا فقهية. إن التصفيات الجسدية ولغة العنف لم تتمكن عبر التاريخ من لجم الأسئلة وفرملة التطور. المهم الآن ان يكون هناك حوار ومناقشات على يحمل الحوار مضامين العصر. ويمكن الجزم بان الحوار الذي بدأ يتنظم في مواقع مختلفة هو أهم الاختراقات التي أحدثتها توصيات اللجنة بعض النظر درجة القبول او الاعتراض.

هنالك بعض القضايا يجب التوقف عند حدودها ونحن نناقش مواضيع شديدة الحساسية ولكن جعلوا منها مواداً شديدة الاشتعال. وبدون فتح الحدود للأفكار فإننا سنظل في هذه المتاهة التاريخية وان أول هذه الاعتبارات التأكيد بأن الدين هو أمر الله وان القرآن هو مصدره ومرجعيته وان الفقه  هو اجتهاد وتفسير بشري شكلته ظروف تاريخية محددة.

ويجب إدراك أن أنظمة الاستبداد استخدمت الدين الذي يقوم على قاعدة العدل والمساواة الى أداةٍ قهر وقمع لمصلحة فئة اجتماعية محددة دون غيرها.

اليوم نحن أمام انقلابات سياسية وفكرية وفقهية كبيرة. اذ نرى كيف يتم إلغاء الحكم في أمور كان تحرر لها فتاوي دينية تحرمها، لتلغى اليوم بقرارات سياسية، وكيف تحول دعاة الأمس الى مبشرين بحقبة جديدة تسمح بمشاركة المرأة في الانتخابات وقيادة السيارات وحضور الاحتفالات والعمل في القضاء. هذا التوجه الجديد يطرح جملة من الأسئلة حول كيف استغل الدين لتنفيذ رؤى وتصورات لأفراد عاديين وهم في لحظة وجودهم في السلطة وكيف تحولت تلك التصورات التي آمنا بها زمنا الى مجرد أوهام وخرافات من وجهة نظر القوى المتنفذة الآن في مواقع صناعة القرار .

هذه اللحظة تتطلب إعادة تنظيف ما علق بالتراث من تشوهات وابتعاد عن أعمال العقل.

يجب الاعتراف بان هنالك تحديات حقيقية تواجه مجتمعاتنا وهي تحديات المواكبة واستصحاب مضامين العصر وحسم التناقضات في القوانين والمواءمة مع كل ما هو إنساني. وإلا فان حالتنا ستظل كحالة المهاجر الذي يمكث عقودا ويطلب ان تشحن امرأة طردا بعد أن عاش كل تفاصيل حياته ولكنه يمانع في اندماج أطفاله في المجتمعات الجديدة وأحيانا يرسلهم للوطن، وعندما يكبر هو شخصيا يعود مجددا حاملا كل التناقضات وهذا هو حال المجتمعات العربية والإسلامية تعاند الواقع وتظل حبيسة الماضي وأسيرة لهواجس المستقبل.

ويكفي ما نراه اليوم من حالة عدم انسجام بعض الأنظمة العربية والإسلامية من متغيرات العصر وثورة الحقوق وخاصة من معاهدة إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة أو هنالك وقع عليها وهنالك من وقف محتارا او متفرجا ولكنه سوف يوقع على الاتفاقية بالإكراه وسوف يبشر بالخير لمحاسن التوقيع في إطار فلسفة البؤس.

إن الواقعية والعقلانية مهمة في عالم يسير بسرعة مذهلة نحو أنسنة القوانين والتشريعات وكم من المحرمات كنقل الأعضاء والدم، الإنعاش وحق العمل والتعليم والتصويت والانتخاب وشرب القهوة وأكل الطماطم.. الخ كيف أصبحت أمور عادية.

لا أحد يدعو لإلغاء الدين في الحياة فالدين ليس مكونا وجدانيا فقط ولكنه مكون اتساق عظيم أساسه العدل والمساواة. ولكن بعض الطغاة يحاولون ان يجعلوا منه أداة استبداد واستعباد. يجب الا نساق دائما مكرهين في أمور كان من الممكن التوصل فيها للحلول بحوارات هادئة.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+