19 يوليو: ويَبقى الفخرُ

بقلم: قرشي عوض

(الحزن لا يتخيِّر الدمع  ثياباً كي يسمى في القواميس بكاء)  كما قال الشاعر الصديق/ الصادق الرضي، لكنه ينضج مع الزمن ويتحول من احساس كسير مهيض الجناح إلى  ذكرى نبيلة ثم لا يلبس أن يكتسي بثياب الفخر،

وهذا الأخير بالذات هو ما نحس  به حينما ننظر عبر هامات الليالي مع الفيتوري الى رفاقنا في تلك الايام العصيبة، وهم ينحتون الجدر الصماء ويواجهون همجية الموت، لا نملك غير أن نشكرهم لأنهم أهدونا هذا الاحساس الذي نحسه اليوم ، بأننا ننتمى الى ذات المدرسة الفكرية والسياسية التي انجبتهم ورمت بهم شهباً مضيئةً في غَيَاهِبِ الظلمات.

  • تناقض المغالطات:

القصة الملفقة لابد ان تتناقض مع الواقع ، لأنها  رسم تقريبي له والفرق بينها والحقيقة كالفرق بين الرسم والصورة الفوتوغرافية. ولعل حركة 19 يوليو 1971 من اكثر حركات التاريخ المعاصر التي نسجت حولها قصص مفبركة يرتدي اصحابها ثياب المؤرخين،  ولكن حال التدقيق في افاداتهم يتضح انهم مزيفون.

ومن دون ان نأتي على كل الافادات نستطيع ان نقسمها الى قسمين: الاول يحاول تحميل الحزب المسؤولية، من خلال التركيز على العلاقة بين الشهيد عبد الخالق والزملاء العسكريين، ويجتهد في تأكيد ان تلك العلاقة كانت من وراء ظهر الحزب. ثم يجمع افادات سماعية لا يمكن فحصها او التثبت من صحتها. اما القسم الثاني ولأسباب غير خافية يحاول ان يبرئ ساحة عبد الخالق ويرسم صورة لمؤامرة ضالعة فيها قيادة الحزب اللاحقة للتخلص منه، وبعضهم حينما لا تسعفه الحقائق التاريخية المتوفرة يلجأ الى اختلاق اكاذيب وينسبها الى مصادر يعتقد هو انه لا يمكن الوصول اليها.  لكن الموثِّق والمؤرِّخ الحصيف د/ حسن الجزولي استطاع كسر احتكار هذه المصادر وذهب اليها ونفت ان تكون قد قالت ما نسب اليها، وذلك في كتابه المعروف عنف البادية. ورغم ان صاحب الافادة المنحولة لم يدافع عن تلك المعلومات التي نفتها المصادر وهذا عيب يخرج المؤرخ من رحاب المؤرخين ويضعه في قائمة المدلسين، الا ان الصحف التي نشرت له لم تنتبه الى انها ساعدت في ترويج اكاذيب، وكان من الواجب ان تعتذر للقارئ اولاً قبل الحزب الشيوعي.

هنالك نوع ثالث لم نشأ ان ندخله في زُمرة الذين يكتبون بغرض لأننا نعرف دوافعهم، فهم لم يطمئنوا الى رد الحزب الشيوعي حول موقفه من حركة 19 يوليو، فهناك بعض المؤرخين يريدون من المصدر ان يؤكد لهم ظنونهم والا ظنوه يخفي اشياء، كما ان بعض الذين رددوا عبارات الراحل التيجاني الطيب عن الحركة تعاملوا معها بمفهوم لا تقربوا الصلاة، وحذفوا باقي الآية، وهى ( وانتم سكارى). فالتيجاني صحيح انه قال (ان19 يوليو شرف لا ندعيه وتهمة لا ننكرها) بمعنى ان مؤسسات الحزب ممثلة في اللجنة المركزية والمكتب السياسي لم تتخذ قراراً بالاستيلاء على السلطة عبر عملية فنية، ومع ذلك فان 19 يوليو من نفذها هم شيوعيون وديمقراطيون، وعليه فهي تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه.

  • نتائج مترتبة:

الذين يذرفُون دموع التماسيح على عبد الخالق تماماً  كما الذين يحاولون ان يتهموا الحزب بتهمة اثبت هو انه لا ينكرها، وكذلك الذين يبحثون عن المزيد من الادلة والبراهين التي تورط الحزب لانهم لم يقتنعوا بالإفادة الرسمية للحزب وظنوها غير كافية او انها لم تؤكد ظنونهم. نقول لهم ان من تحملوا النتائج التي ترتبت على تلك الحركة هم شهداء يوليو مهما تكن التقديرات التي دفعتهم، ومعهم الذين وقع على عاتقهم اعادة بناء الحزب والحفاظ على جسده وصون رايته من ان  تُدنَّس، بل ومرفوعة، لا الذين فاتتهم يوميات التحري فراحوا يقدمون شهاداتهم لاحقاً وفي المحافل التي فشلت ايام قضها وقضيضها في تصفية الحزب او تغيير خطه السياسي، مع ان محاولة الفشل لأكثر من مرة دلالة على ان صاحبها غير قابل للتعلم.

في تلك الايام النجسة السوداء على حد تعبير الراحل محجوب شريف اجتمعت اللجنة المركزية لتختار سكرتيرها الثاني والدبابات لازالت تجوب شوارع الخرطوم "لكي لا تريِّح الرجعية ولا لحظة" كما قال الاستاذ كما الجزولي في تقديمه للراحل نقد بالميدان الشرقي بجامعة الخرطوم بعد انتفاضة مارس ابريل. في ذلك الاجتماع الذي  استضافه منزل سوداني لم يؤثر اسير موجات نشرة الساعة 3 ظهراً بإذاعة ام درمان على عزيمة اهله رغم الوعيد لكل من يأوي الذين وردت اسماؤهم، يقول الراحل جزولي سعيد.( كنا 10 زملاء وقررنا بناء الحزب، وقد خبط تيجاني على التربيزة التي امامه وقال:" نحن ال10 حانبنيه، واذا بحثتم عن تلك التربيزة ووجدتموها ستجدون اصابع تيجاني محفورة عليها"). صمودُ الرجالِ وكبرياءُ النساءِ تجلَّى في معركة اعادة بناء الحزب والمحافظة على جسده تحت القاعدة التنظيمية الصلدة ( نحن قد انهزمنا ويجب ان ننسحب انسحاباً تكتيكياّ الى مواقعنا الاساسية ونعيد بناء الحزب ونحافظ على جسده) وهى مهمةٌ شاقةٌ ومعقدةٌ وطويلةٌ. وبالطبع لم يقدر عليها الجميع وقد شقَّت على البعض الذين خرجوا وراحوا فيما بعد ينسجون اسباباً لخروجهم تتعلق بالخط السياسي او بعض تفاصيل العمل مثل التعليم الحزبي وراحوا يصورونها وكأنها عصيَّةٌ على قدرات الاوعية التنظيمية الحزبية.  ولكن حسناً انهم توقفوا عند هذا الحد، لا كآخرين اعيتهم منازلة الانظمة الشمولية فراحوا يحملون تبعات حظهم العاثر للحزب الشيوعي وكأنه قد اغلق باب  الشارع امامهم واحتفظ بالمفتاح.

فالحملةُ المسعُورةُ ضد الحزب وقيادته السابقة والحالية تستعر كلما اقتربت 19 يوليو، لان الردة الدموية التي اعقبتها لم تؤدي هدفها في تصفية الحزب وها هو (جمع صفوفَه وشمَّر للعمل).

ففي هذا الموسم ينشط نساجو الاكاذيب كما ينشط صناع الحلويات في الموسم النبوي الشريف وتمتلئُ الميادين بالأسماء المعروفة من اهل الصنعة المتوارثة من ايام قلم المخابرات والبوليس السياسي حتى اليوم ليقدموا شهاداتٍ عن وقائع لم يحضروها او يستنطقوا من حضرها، وآخرون لم يشهد لهم معاصروهم بالصدق كما يشترط في كتابة التاريخ. فقد ذكر بابكر بدري عليه الرحمة ان اصدق التاريخ ما صدق فيه معاصروه كاتبه. فتنتصب المحاكم والمشانق من جديد وتلملم الدولة العجوز خرقتها البالية وتطارد الشيوعيين وتصدر الاحكام التي تُبرِئُ خِنجرَ القاتل وتصلب جثَّة المقتول. ولكن جثة الشهيد تنهض من جديد لتكافئهم بالهزائم.

  • بعيداً عن الضوضاء:

فليذهب شهداء 19 يوليو، من مدنيين وعسكريين، فان مثواهم قلب الطبقة العاملة الكبير، أما جلادوهم فقد سمرهم التاريخ على خشبة العار التي لن تخلصهم منها كل الصلوات التي يرددها كهنتهم في المعابد، كما قال ماركس عن شهداء كوميونة باريس. وبعيداً عن ضوضاء ليلة المولد هذه ينصب التاريخ محكمة اخرى لكل الذين تهازموا وتلامزوا وتغامزوا وتلمظوا وتقززوا  من فيه جرحك يا وطن. للذين فرَّطُوا في السيادة الوطنية وجعلوا من السودان ساحة لنشاط الاستخبارات العالمية والاقليمية. فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك ان انزال الطائرة التي كانت تُقِلُّ الشهيدين بابكر النور وفاروق حمدنا الله كانت ثمرة تعاون استخباراتي فرنسي بريطاني اسرائيلي ليبي. وقال السادات امام مجلس الشعب الاقليمي واصفاً مجازر 19 يوليو ( انيابنا حادة وهي بانت في السودان) وقد اثبت الذين كتبوا عن محاكمات الشجرة ان ضابطاً في القضاء العسكري تراس محكمة فاروق حمدنا الله وهو يرتدي بجامة الجيش المصري برتبة العميد، كما ضبطت الاستخبارات العسكرية وقتها منشورات وزعتها الجبهة الاستقلالية في ميزات الضباط ضد الوجود المصري في الجيش السوداني. وهو وجود بحسب مؤرخين يعود الى اعلان الاستقلال حين انسحب الجيشان الانجليزي والمصري وكان هناك ضباط من اصل سوداني مستوعبين في الجيش السوداني فتعهد عبد الله خليل بضمهم لقوة دفاع السودان وظلوا على علاقتهم بمصر. ومنهم ضباط من فرع القضاء العسكري ترأسوا معظم المحاكمات في معسكر الموت بسلاح المدرعات، بل ان احدهم وهو الذي  حكم على عبد الخالق كان يتحدث باللهجة المصرية.

ومع ذلك لم يجد السفاح نميري أي حرج في وصف الحزب الشيوعي وشهداء حركة يوليو بانهم كانوا ينفذون اجندة جهات اجنبية، وهو الذي يعلم ان الشيوعيين قد رفضوا وساطة من الرفاق السوفييت لكي يدعموا نظامه، الذي اثبتت الايام صدق توقعات الحزب بانه غير مؤتمن على الشعارات الوطنية الديمقراطية التي يرفعها وسوف يعرضها الى الانحراف ذات اليمين في اقرب وقت، وقد فعل وبالطريقة التي توقعها حزبنا.  ولا ادري بأي وجه يكتب الذين يحاولون اليوم اختراع العجلة او إثبات ان البيضة من الدجاجة او العكس وهم يجتهدون في إثبات علاقة الحزب او عبد الخالق بحركة يوليو ويتغاضون عن حقائق رهن سيادة البلاد لإرادة قوى اجنبية، تحرك ضباط يوليو ضدها استخلاصاً لاستقلال البلاد من براثنها، وقدموا أرواحهم من اجل ذلك كما يقدم أشباه الرجال الذين قتلوهم قطعة الشكولاتة لأطفالهم.   

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+