حوار مع أحد منفذي حركة 19 يوليو "1"

الملازم مدني:ـ كنت المتهم الثالث في أحداث بيت الضيافة وبراءتي أتت من المصابين!.

بالرغم من حداثة تخرجه من الكلية الحربية قبل عام فقط من حركة 19 يوليو 1971م، إلا أنه كلف بمهام عظيمة، من ضمنها اعتقال الرائد مأمون عوض أبو زيد أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، والرائد فتحي أبو زيد عضو تنظيم أحرار مايو، وبعد نجاح الحركة كلف بحركة المرور في كل المناطق التي تمت السيطرة عليها من قبل حركة 19 يوليو والوقوف على تأمينها وسد النقص فيها، ورفع تقارير يومية لرئيسة المباشر، كما أنه كان لصيقاً بالشهيد المقدم عثمان أبو شيبه عضو حركة 19 يوليو. ورغم مرور أكثر من 45 عاماً على الحركة إلا أنه لا يزال يتحدث عنها بفخر واعتزاز كما لو كانت قبل أسبوع، كررت في أسئلتي انقلاب 19 يوليو صححني بانزعاج قائلاً: هي حركة وليست انقلاب.

إنه الملازم معاش مدني علي مدني من منطقة "أمبكول" شارك في 19 يوليو  تخطيطاً وتنظيماً وتنفيذاً وقدم لنا إفادات مهمة لصالح التوثيق للحركة  وأحداثها، باعتباره  أحد الذين شاركوا فيها وعايشوها بمناسبة مرور الذكري 45 لحركة 19 يوليو.

* نبوكين: بركات بشير نجار.

في البداية.. نريد التعرف عليك عن قرب.. المراحل الدراسية، التخرج العمل حتى التقاعد؟

 أنا مدني علي مدني مالك، من أمبكول في الشمالية، ولدت في نوري المديرية الشمالية في 1/9/1948. أكملت كل مراحل تعليمي في عطبرة. المدرسة الغربية الأولية ثم المدرسة الأهلية الحكومية الوسطى ثم مدرسة عطبرة الثانوية الحكومية القديمة. التحقت بالكلية الحربية السودانية في ديسمبر عام 1969 وتخرجت فيها برتبة الملازم في يناير عام 1971 ضمن الدفعة 23 المعروفة بدفعة الـ( 400).  عملت في القوات المحمولة جواً (سلاح المظلات) ثم تم نقلي للحرس الجمهوري الذي كان مزمعاً بأن يكون هو وحدة القوة الضاربة في العاصمة.  كنت قائداً لسرية مدافع الهاون، ما يسمى بـ (سرية المساعدة أو المعاونة) حتى 22 يوليو بعد فشل حركة 19 يوليو التي قادها الرائد هاشم العطا.

  • ماهي علاقتك بأحداث 19 يوليو؟

 علاقتي ب 19 يوليو، كنت أحد المشاركين في التنفيذ. وكان مناطاً بي اعتقال كل من الرائد مأمون عوض أبو زيد أحد أعضاء مجلس الثورة، وعمه الرائد فتحي أبو زيد عضو تنظيم أحرار مايو، ثم بعد نجاح الحركة، كنت مسؤولا عن المرور على كل المناطق التي تم احتلالها والتأكد من الحالة فيها ومعرفة احتياجاتها، ثم رفع تقرير إلى الشهيد المقدم آبو شيبة لاتخاذ اللازم، إذ أن التليفونات لم تكن تعمل بعد أن تم قطعها أثناء العملية. ثم أوكلت لي حراسة الرائد الشهيد هاشم العطا في اليوم الأول وتولى بعدي حراسته النقيب عمر الدرديري، حيث ذهبت لاستلام حراسة المعتقلين في بيت الضيافة، خلفا للملازم فيصل كبلو حتى صبيحة يوم 22 يوليو حيث استلم مني "النوبتجية" الملازم أحمد عبد الرحمن الحاردلو، وعدت للقصر وقتها، لأنني كنت بصدد نقل نميري وأعضاء مجلس الثورة إلى مكان ما خارج العاصمة بعد منتصف الليل، إلا أن الهجوم المضاد حال دون إتمام هذه المهمة إذ إنه بدأ بعد ظهر ذلك اليوم.

  • ما الذي حدث يوم 19 يوليو 1971م والأيام التي تلتها؟

ما حدث يوم 19 يوليو والأيام التي تلته، أصبح معروفاً للجميع وكتب عنه أناس كثيرون ولن أضيف شيئاً جديداً. استلمنا السلطة لمدة 3 أيام وكانت حركتنا ناجحة بكل المقاييس من الناحية العسكرية. ولكن التراخي الذي حدث من جانب ضباط سلاح المدرعات، عجل بنهاية الحركة.

  • برأيك لماذا فشل الانقلاب؟

الأسباب التي أدت إلى فشل الحركة ( ولا أقول الانقلاب…فالأمر مختلف) هو ، كما ذكرت أنفا ، التراخي الذي حدث في سلاح المدرعات، بالإضافة إلى تآمر جهات استخباراتية خارجية، لا سيما المخابرات المصرية والبريطانية والسعودية والأمريكية والليبية، التي قامت باعتقال الشهيدين بابكر النور وفاروق حمد الله، وأسقطت الطائرة العراقية في البحر الأحمر، وأتاحت لخالد حسن عباس وزير الدفاع الذي كان خارج السودان، الاتصال بالقوات السودانية التي كانت مشاركة في الجبهة المصرية وتمكينه من مخاطبة أنصار مايو، لا سيما من العسكريين عبر وسائل الإعلام المختلفة، والخطأ الذي ارتكبه بعض قادتنا بمغادرتهم وتسريحهم لصف ضباط وجنود سلاحي اللواء الثاني دبابات والقوات المحمولة جواً (المظلات) دون مبرر معقول بدلاً من كسبهم إلى جانبنا منذ الوهلة الأولى كجنود محترفين، لا ناقة لهم ولا جمل ولا حتى مصلحة مع مايو، ثم إعادتهم أيضا بلا مبرر عندما ظن نفس هؤلاء القادة الذين سرحوهم بإمكانية تدخل أجنبي لإعادة مايو. ومن أخطر الأشياء، أن تجرد جنديا من سلاحه وتسرحه من الخدمة الأمر الذي يعتبره إهانة شخصية لكرامته ثم تمكنه من أخذ هذا السلاح مرة أخرى. أضف إلى ذلك، المعالجة الخاطئة لاعتقال الشهيدين بابكر وفاروق حمد الله، ففي الوقت الذي اقترح فيه الشهيد المقدم عثمان حاج حسين بإقالتهما من مجلس الثورة، بل حتى من الجيش نفسه وبذلك تكون ليبيا قد اعتقلت مواطنين مدنيين بلا مبرر، إلا أن الشهيد هاشم كان يرى الضغط على السادات باتفاقية مياه النيل، حتى يضغط بدوره على القذافي لإطلاق سراحهما. كذلك التعتيم على هذا الاعتقال وعدم إخطار الجماهير التي شاركت في موكب التأييد المهيب، ومطالبتها بالبقاء في الشارع والالتحام مع القوات المسلحة لحماية الثورة، وتركها للشائعات والتخمينات، بالإضافة إلى النداء الذي انطلق من الإذاعة والتلفزيون يطالب الجماهير للخروج لحماية ثورتها، والتحام الجماهير مع قوات أمن الردة، ظنا منها إنها في طريقها لرد عدوان خارجي مزعوم، الأمر الذي جعل هاشم العطا يمنع سلاح الطيران من ضرب الدبابات قبل وصولها إلى قلب الخرطوم لأن سلاح الطيران (سلاح منطقة) وليس كالبندقية ( سلاح نقطة) بمعنى أن القنبلة لا تتخير الهدف وإنما تقتل العدو والصديق بعكس البندقية التي تتخير الهدف. وكان منطق هاشم يقول، إذا تدخل الطيران، فإن الأعداء سيقولون بان الشيوعيين يقتلون المدنيين من شعبهم. ورفض تدخل الطائرات التي كان بإمكانها تدمير الدبابات قبل وصولها إلى قلب الخرطوم والتحامها بجنود المشاة من المظلات. خاصة أننا كنا لا نملك دبابات تماثلها ولا مدافع مضادة لها. ولو واجهنا المشاة وحدهم لتغلبنا عليهم لأننا كنا أفضل تدريبا وجسارة منهم، بالإضافة إلى أننا أصحاب قضية ندافع عنها والثورة ثورتنا.

  • كيف كان موقف الأحزاب السودانية بما فيهم الحزب الشيوعي من الانقلاب؟

 الأحزاب السودانية لم يكن لها أي دور، لا سلبي ولا إيجابي. أما الحزب الشيوعي، فقد وجدت جماهيره، وليس الحزب كحزب ، أن برنامج حزبها بكامله قد طرح منذ البيان الأول. كما أن سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية قد تم الإعلان عنها منذ الوهلة الأولى، فانطلقت بعفوية دون أن يحركها الحزب، ظنا منها أن حزبها، الحزب الشيوعي، وراء الحركة. وهو ما لم يكن صحيحا. فالحزب عندما طلب منه تنظيم الضباط الأحرار تأييد التغيير بالقوة العسكرية، رفض رفضا باتا. طلبنا من الشهيد عبد الخالق، الذي كان متواجداً في منزل الشهيد ابو شيبة، التأييد، فذكر أنه لا يقرر وحده. وهو كسكرتير للحزب، لا يعني ذلك أن يقرر وحده. وطلب اتاحة الفرصة له لحين الاجتماع برفاقه حتى يأخذ رأيهم. لا سيما إننا قد ذكرنا له أن التنظيم، وبالأغلبية المطلقة، قد قرر التغيير بالقوة سواء وافق الحزب أو لم يوافق. وكثير من الناس يظنون أن تنظيم الضباط الأحرار تابع للحزب الشيوعي. وهو ليس كذلك. فهو تنظيم يضم كل ألوان الطيف اليساري والشيوعيون جزء من هذه الفسيفساء. ولا أذيع سرا إذا قلت أنهم أقلية فيه. ولائحة التنظيم ودستوره تلزمان كل من ينتسب إليه التقيد بقرارات التنظيم طالما أجازتها الأغلبية وتصبح ملزمة لكل العضوية بغض النظر عن الالتزام الحزبي. وقد اقسموا على ذلك. واذكر ان التنظيم اخبر الشهيدين هاشم العطا وابو شيبه وقد أخبر الشهيدين بانه تم تخاذ قرار التغيير بالقوة، وقد تصدى الضباط الشيوعيون للقيام بعملية التنفيذ لضمان نجاحه، لأنهم في وضع أفضل من غيرهم للقيام بذلك، من حيِث وجود قوات ضاربة تحت أيديهم بالإضافة إلى أنهم أكثر تنظيما وانضباطا من غيرهم. وعندما طلب عبد الخالق الاجتماع بالرفاق، وفر له التنظيم الحماية حتى يصل إلى المكان الذي يقصده، مع إعطائه مهلة للرد قبل ساعة الصفر التي كان قد تم تحديدها سلفا. ولما عاد عبد الخالق أكد رفض تأييد الحزب لأي تحرك مسلح مهما كان ضمان نجاحه. تجلى ذلك، في عدم وجود قيادي أو كادر واحد من الحزب فور نجاح العملية حتى يصيغ خطابا سياسيا ليلقيه هاشم في بيانه الأول. وظلت أجهزة الإعلام تردد أن هنالك بيانا هاما سيلقيه الرائد هاشم العطا منذ الساعة الرابعة حتى السابعة مساء. ولو وافق الحزب على تأييد الحركة من قبل بدء التحرك، لكان البيان جاهزاً، والحكومة مشكلة والجماهير منظمة بطريقة حزبية. كل هذا لم يحدث. خرجت جماهير الحزب الشيوعي السوداني لأنها كانت تعرف أن هاشم ينتمي للحزب الشيوعي وان برنامج حزبها قد نزل إلى أرض الواقع، فظنت أن حزبها وراء هذه الحركة. وكنا قد طلبنا من الشهيد هاشم عدم إذاعة البيان باسمه خوفاً من هذا إلا أن هاشم أصر، وكأني به يريد أن يضع قيادة الحزب التي رفضت تأييد الحركة أمام جماهير الحزب في استفتاء علني وعلى الطبيعة (تلك هي وجهة نظري الشخصية ولم يقلها الشهيد هاشم وهذا للتاريخ)

تنظيم الضباط الأحرار يضم كل ألوان الطيف اليساري. .

  • رغم إصدار عدد من الكتب مثل "عنف البادية" لحسن الجزولي و "19 يوليو اضاءات ووثائق" لعبدالماجد بوب وكثير من التحقيقات الصحافية والمقابلات التلفزيونية، إلا أن الكثير من تفاصيل 19 يوليو مجهولة واختفت مع اختفاء تقرير القاضي علوب عن المجزرة والأحداث ترى لماذا؟

 ما يخص تقرير القاضي حسن علوب، وأنا كنت أحد الشهود الذين استجوبتهم لجنته، فقد علمت أن نميري جمع كل النسخ التي كانت لدى القاضي علوب، وفي فرع الإدارة بالقيادة العامة، وتلك التي ارسلت الى دار الوثائق المركزية بالإضافة إلى نسخته هو وقام باحراقها. ولا أدري السبب في ذلك حتى الآن.

  • ماهي علاقتك بالمقدم عثمان أبو شيبة؟

علاقتي بالشهيد المقدم عثمان حاج حسين ابوشيبة، بدأت منذ عملي في سلاح المظلات. لم أكن أعرفه ولم أره. ولكنني كنت أسمع عنه وعن جسارته وشجاعته ودوره في مناطق العمليات في الجنوب، وعن الدور المؤثر والرئيس الذي قام به في مايو. الصدفة وحدها جعلتني التقي به. ففي ذلك اليوم من شهر فبراير عام 1971، كان ابو شيبة في زيارة لصديقه وعضو مجلس قيادة ثورة مايو السري، مثل ابو شيبة أيضاً، العقيد سيد أحمد محمد الحسين (الشهير بـ (الحمودي) الذي كان قائدا لسلاح المظلات عندما حضر أحد ضباط الاستخبارات العسكرية، برتبة نقيب،  ليشكوني لقائدي إثر اشتباك تم بيني وبينه. وقد قارعته الحجة بالحجة وابو شيبة يسمع كل ما دار. وعندما خطأه القائد وانصفني، لم يعجبه الحال. فرفع تقريراً في نفس اللحظة للواء خالد حسن عباس يفيد فيه بأنني (ثورة مضادة) ولا بد من ابعادي من سلاح المظلات الموالي لمايو. وكان في نفس اللحظة هنالك عدد من الضباط الذين لم يصلحوا للعمل كمظليين سيتم توزيعهم على الوحدات. وجاءت إشارة من وزير الدفاع بنقلي إلى منطقة ( لاسو) في أقصى الجنوب على الحدود بين الكنغو والسودان. فاخبرني قائدي بأن خالد رتبته الحقيقية رائد ولكنه رقي إلى رتبة اللواء وتفكيره تفكير رائد. إذ لا يتم نقل ضابط إلى نقطة ولكن إلى قيادة. وهناك قائد القيادة هو من يقوم بوضعه في المنطقة التي يحتاجه فيها. حتى هذه اللحظة لم أكن أعرف أن هذا الضابط هو ابو شيبة الذي كنت أسمع عنه الكثير. وقد علمت – فيما بعد – أن زيارته لسلاح المظلات، كانت بغرض اختيار ضباط من الذين سيتم توزيعهم للوحدات لضمهم للحرس الجمهوري الذي سيكون سلاحاً مكتفياً ذاتياً من جميع الأسلحة (مشاة/مدرعات/ إشارة/نقل وتموين/ صيانة. .الخ). وعندما علم بقصة نقلي إلى الجنوب، قال إنه يريدني في الحرس الجمهوري. وفي صبيحة اليوم التالي، أرسل لي الملازم فيصل كبلو، الذي كان يعمل في الحرس الجمهوري ومعي في خليتي في التنظيم،  ليخبرني بأن ابو شيبة اختارني للحرس ويطلب مني اختيار اثنين من دفعتي، بمعرفتي، من ضباط سلاح المظلات المزمع توزيعهم على الوحدات. وقد كان. كانت تلك هي المرة الأولى التي أدرك فيها أن الضابط الذي رأيته بالأمس، هو عثمان حاج حسين ابو شيبة، ومنذ تلك اللحظة، كان بمثابة أخي الأكبر وليس قائدي المباشر. وأصبح يوكل لي بعض المهام السرية. كنا موضع ثقته أنا  وأحمد جبارة، وفيصل كبلو.

ــــــــــــــــــــــــ

* نقلاً عن موقع نوبوكي الذي نشر الحوار عام 2016 ونظراً لأهميته فقد رأينا إعادة نشره.

 

 

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+