متاعب التفكير الإبداعي الأدبي علي البصري: عثمان سامبين نموذجاً(1\2)

بقلم : د. وجدي كامل صالح عبد السيد

تعد تجربة الروائي والمخرج السينمائي السنغالي عثمان سامبين في توظيف العلاقة بين الرواية والفيلم تجربة غير مسبوقة في المحصلة العامة  لتاريخ الفيلم. فالفيلم السينمائي كان قد عرف قبل سامبين نزوعا خاصا في كتابة المخرجين لنصوص أفلامهم،

حيث مثل ذلك جريفت وإيزنشتين ثم شابلن وفون ستروهايم وويلز وفيليني وآخرون مثل كيروساوا وأنطونيوني وبرجمان زافاتينى ولكن فإن مساهمة سامبين قد عملت في درجة أعلي من ذلك بأن قام الروائي والقصصي السنغالي  بتحويل أعماله الادبية إلي أفلام سينمائية.

ورغبة في تعميم الدلالة العامة لهذه الورقة سأتبع طريقة وضع الاسئلة أو العناوين الجانبية حتي نتمكن من التعرف علي تأثير الخبرة الفنية في كتابة الرواية علي التعبير اللغوي البصري والعلاقات الفنية المتبادلة بين فني الرواية والفيلم لدي سامبين تأسيسا علي الفرضية التي تقول بأن الخبرة والسبق الأدبي لسامبين في ممارسة كتابة الرواية والحكاية والقصص القصيرة قد أعاق وأخر إلي درجة ملحوظة سيطرة سامبين علي التعبير البصري.

  • دوافع الإنتقال من تعبير الرواية إلي الأفلام:

الدارس أوالمطلع علي مساهمة السينمائي السنغالي والذي سيصبح فيما بعد أباً للسينما الأفريقية جنوب الصحراء لا بد وأن يسترعي إنتباهه ومنذ الوهلة الاولي إلي أن التكوين الآيديولوجي والتوجه السياسي كانا الحافز والمحفز الأساسي في الإنتاج الإبداعي الروائي والسينمائي لسامبين.

عثمان سامبين السنغالي الشاب وقتها و الذي أصدر أول رواياته ( عامل الميناء الأسود ) عام 1956 ومن ثم رواية ( وطني – شعبي الجميل) عام 1958 و(آلهة الاخشاب ) عام 1960 لم يثنه ذيوع رواياته والشهرة الواسعة ومردود التعليقات والكتابات النقدية الإيجابية النوعية علي أعماله الروائية  من روائيين ونقاد فرنسيين أمثال روجيه مارتن دوغارد، ولوي أراغون، وجان بول سارتر. فقد واصل الروائي البحث عن وسيط أشد تأثيرا وجماهيرية لتعميم الأفكار التي أراد نشرها. وقد صرح بذلك في عدد من الحوارات الصحفية وخاصة في لقائه مع الناقد السوفيتي سيمن شيرتوك مؤلف كتاب بدايات السينما الأفريقية ( والذي ترجمه السينمائي السوداني سليمان محمد إبراهيم الي العربية فيما بعد ).

 يقول سامبين في إجابة علي سؤال السبب أو الدافع الذي جاء به من الرواية إلي السينما: ( إن المسألة تكمن في أن 80% من سكان أفريقيا أميين  ، لذا فإن كتبي تقرأها الصفوة والتي لا تتجاوز نسبتها ال5% من النسبة الكلية للسكان.).

هنا يلاحظ أن الرجل قد وضع القيمة الدعائية والتربوية لافكاره نصب عينيه في إختياره للتعبير الفيلمي. فسامبين العامل السابق الذي شارك في إضراب السكك الحديدية بالسنغال عام 1948 و النقابي لاحقا والذي رأس إتحاد العمال الأفارقة بميناء مرسيليا كان من الواضح أن المحرك الجوهري لتجربته الإبداعية كان هو مخزون التجربة الشخصية المادية التي عاشها وفق المفاهيم السياسية اليسارية العنوان ، الماركسية المنهج. فإنتقال المخرج من الروائي لم يتم أو يقع بدوافع البحث والرصد والتأمل الفلسفي الفني في علاقة لغة  الرواية بلغة السينما، أو من رغبة التجريب الفني كلعبة قد تستهوي البعض أحيانا ، بل بأهداف نشر الأفكار علي اوسع نطاق وإيصالها الي الجمهور الافريقي العريض والذي وبحكم مفاهيمه أشد ما يحتاج إلي مخاطبة تعمل علي التنوير والتبصير والتثوير للوعي رغبة وإمعانا في إحداث التغيير الإحتماعي والسياسي للواقع الافريقي الذي كان يرزح وقتها تحت شروط النير الإستعماري المباشر. الدعاية والتربية والقيام بدور المثقف التنويري هم خلاصة الإختيار الذي كان يتناسب تماما مع عموم الأدوار التي رأي فيها مثقفوا وأدباء تلك المرحلة أنفسهم في علاقتهم بالأرض والجماهير و فهموا من خلالها الوظيفة التاريخية لإنتاجاتهم علي الرغم من الإشارة المتكررة التي ظل يبعثها سامبين في العديد من الحوارات بأنه ليس بالسذاجة التي تجعله يعتقد بأن الأفلام بمقدورها إحداث الثورة علي الواقع الإفريقي الماثل. ذلك ما كنت قد فصلت فيه ودعمته بأسانيد عديدة في الكتاب. وبالتالي يصبح التكوين الآيديولوجي  ليس ببيت القصيد في ورقتنا هذه وإنما التكوين الادبي الكتابي للرواية والحكاية والقصص القصيرة.

إنعكاس الرؤيا من الادب الروائي والقصصي الي الأفلام:

كانت السينما أو فن الفيلم هو الوسيط الذي إختاره وسعي إلي تعلم أبجدياته ولغته عندما سافر سامبين إلي الإتحاد السوفيتي عام 1961 وهو في الثامنة والثلاثين ليدرس الإخراج علي يد المخرج السوفيتي مارك دونسكوي ومساعده سيرغي غراسيموف  بإستوديو غوركي ليعود إلي إفريقيا ويخرج أول أفلامه "باروم شاريت أو الحوذي". حمل فيلم الحوذي أولي قسمات وملامح ذات المنطلق الفكري التثويري والتحريضي لسامبين من فن الرواية إلي فن السينما . ففي فيلم الحوذي والذى مثل أول أفلامه عند عودته بعد فشل مشروع فيلمي أولي كان يخطط لتنفيذه بجمهورية مالي.

نجد أن موضوع المعالجة قد إتخذ من حوذي بسيط طيب القلب شخصية محورية يقوم مجموع البناء الفيلمي عليه ومتابعة حركته اليومية منذ لحظة تجهيزه لحصانه و خروجه من البيت إلي الشارع ليبدأ رحلة عمله اليومي في توصيل الجمهور الي غاياتهم وأغراضهم المكانية إلي أن يستأجره أحد الشباب الحداثوييين الرامزين إلي فئة المتعلمين الوطنيين وشريحة الافندية ذات  الملبس والمظهر المختلف ويذهب به الي المنطقة المحرمة والخاصة بمؤسسات الحكم وسكن البرجوازية الوطنية الجديدة التي حلت محل المستعمر الفرنسي. وتتم معاقبة الحوذي بأخذ العربة الخشبية التي كان يجرها الحصان، ويعود الحوذي إلي أعقابه حزينا خاوي الجيب  ممسكا بحصانه الذي كأنما كان يشاركه ذات الشعور بالمأساة.

كتب الناقد روبرت أ موتيمر واصفا هذا الفيلم :

 ( إن من إيجابيات الإخراج بهذا العمل تمكن المخرج من الإستفادة القصوي من الأمتار القصيرة في تصوير أجواء البؤساء وعمق تعلقهم بالحياة في الكفاح غير المنقطع الذي يبدونه رغم خيبات الأمل الكبيرة. فالأغنياء هم الذين يصنعون القانون فيتضررمنه الفقراء، فالحوذي يعمل المستحيل لإعالة أسرته والمحافظة علي زوجته التي رغم كل ذلك تهجر بيت الزوجية في النهاية. إن من العلاقات المميزة للفيلم هو ذلك المزاج الذي صنع به: إنه ليس بالمزاج الثوري ولكنه مزاج حزين يترك إنطباعا حادا وقويا لدي المشاهد.) 2

الفيلم ورغم التطبيقات الفنية والجمالية التي عمل علي إستعراضها وتوظيفها عثمان سامبين في مجمل البناء، وبالرغم من كثافة الرموز والدلالات البصرية والمؤثرات السمعية عبر الموسيقي التي إنطوي عليها تعليقات النقاد إلي الدرجة التي تم تشبيهه فيها بأفلام الواقعية الجديدة إلا أنه حمل في أفضل عناصره التكوينية جينات الخبرة الأدبية لسامبين والتي تجلت في النفس السردي ولغة المنولوج الموحية المؤثرة التي إستخدمها للتعبير عن العالم الداخلي للحوذي. لقد إنعكست فنيات السرد الروائي المكثف هنا ولكن بتقنيات أخري جديدة تعبر عن حالة الزواج الماثل بين الصوت والصورة في مثل هذا النوع من الأفلام التمثيلية أو الروائية غير الناطقة.

من الناحية العملية نتمكن عبر الملاحظة الآنفة من الإعلان عن أول علاقة أو حالة تماس تجري بين الرواية والفيلم – إنها السرد أو الحكي.

إن الروائي هو التطور الطبيعي للراوي الشفاهوي في المجتمعات التقليدية بإستخدامه فنيات الأداء الصوتي ومفرداته اللغوية في توصيل البناء الحكائي وحمله من لحظة البداية حتي النهاية بحيث يحدث الطاقة التأثيرية الساحرة علي المستمع.

أما في الفضاء البصري الفيلمي – فضاء السرد بواسطة الصورة المتحركة وعناصرها المساعدة من مؤثرات سمعية  فيتحول المخرج كذلك إلي حكواتي ( غريو ) ولكن بأدوات أخري مغايرة. وليس من الصحيح التعبير عن تلك الأدوات بأنها أدوات بصرية خالصة ومطلقة، بل عدة أجناس تعبيرية يصبح الأدب أهمها وخاصة في الفيلم الروائي .

من هنا، من هذا النموذج الفيلمي الأول لسامبين يمكن الإشارة إلي مواطن قوته التعبيرية في الأفلام وبداية ورطاته ومتاعبه في التعبير البصري. إنه وفي المفاهيم النظرية يؤكد علي أهمية أن يقوم المخرج الأفريقي بالإستفادة من مخزون التراث الشعبي الأدبي ولعب دور الحكواتي، ولكن التبسيط الذي عبر به سامبين عن رؤيته جعل منها إشكالية فنية وجمالية في مستقبل إنتاجاته الفيلمية خاصة عندما يعلو موج الأدب من خلال الحوار والتقنية النطقية ويطغي علي حساب بقية المفردات البصرية الجمالية للفيلم.

ذلك  ما عبر عنه وأختلف فيه السينمائي الرائد  بولين فيرا ناقدا الآراء التي كان قد إجتمع عليها عدد من النقاد و السينمائيين والمنظريين الأوروبيين من أمثال رينيه غارودي وجان رينيه وبياتريس رولاند الذين وجدوا في فيلم " نياي " (أسطورة أخلاقية تتشابك عناصرها وتلتحم وبنحو مباشر مع نسق التقاليد الشفاهية الأفريقية.)3 .أعاب فيرا علي سامبين في هذا الفيلم ( رجحان كفة التصوير الأدبي المتصل بثقل نبرة الأسلوب الوعظي الأخلاقي.)4

سامبين في الأفلام التي تلت "الحوذي" مثل "نياي، وسوداء من...؟" يبدو كباحث عن شكل فني يحرره من صفة الروائي الأدبي ولكن بإستخدامات أوغلت في الرمزية أحيانا مما أوجد حالة من الإعتقاد لدي عدد من النقاد الأوروبيين بأن كل ما لم يكن مفهموما عبر الشكل الفنى يقع ضمن نسق العلاقات الرمزية المغلقة عليهم والممنوع فهمها دون تفسير ذي مرجعية ثقافية افريقية. وقد أحدث جانب إستخدام الإيقاع السردي البطئ والممعن في الثقل أحيانا إلي وصف تلك الحالة بطابع بطء الزمن الواقعي الافريقي.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )