تعقيدات الازمة العامة وتجلياتها على وحدة العمل المعارض (1\2)

بقلم : احمد الفاضل هلال

ربما تكون السمة العامة لهذه المرحلة وعلى مستوى العالم التراجع وانحسار تأثير القوى الحية في مجال الالهام والمبادرة والتفاعل الثوري مع الجماهير والشواهد على قبور الانكفاء تبدو جلية من صعود الشعبوية ونازية جديدة وتطرف اعمى وتوحش للرأسمالية والتي تعمل على تعزيز الفوارق الاجتماعية الطبقية. ولا تأبه باستخدام العنف وتدمير الحضارة الانسانية.

هذا الواقع الفاحش في تداعياته والذي يطبع هذه اللحظة بالارتباك ويشيع العجز والاحباط كمنتجات سياسية للحرب النفسية الممنهجة انه يلزم المهتمين ابتداع اساليب وقراءة اكثر عمقا قد يتم تحديد جذور الازمة ولكن بات واضحا اختلاف الطرق والوسائل للحل. ولا شك من ان هذه المواقف من الحل ليست رغبات وامنيات ولا تتم اعتباطا ولكن نجد مضمنة فيها التعابير الاعمق لمصالح سواء أكانت اجتماعية طبقية او فكرية. وهذا ما ينطبق على الحالة السودانية او حالات مشابهة في المنطقة في اطار الجدل المحتدم والصامت بين المرجعيات والايدولوجيات التي لا تموت ولا تخف نفسها منذ العام 1989 يمكن القول بان المعارضة السودانية لم تتوحد بشكل يرضي الجماهير عدا في لحظة عابرة شكلتها وثيقة مؤتمر القضايا المصيرية باسمرا للعمل الجبهوي والوحدوي. وان كل المحاولات اللاحقة لم تحقق ذلك الهدف في الوحدة المرحلية المرتبطة بمشروع وطني لبناء الدولة والنهضة التي تقوم على الحداثة وكل المحاولات لم تعبر نطاق الموسمية وردة الفعل والاصداء.

ان تعقيدات الازمة السودانية والدينامية المربكة التي تميزها تضع كل اطراف المعارضة امام تحدي وهي تواجه التساؤلات الحرجة التي تطرحها قطاعات عريضة من اتهامات حول عجز وفشل القيادات والاحزاب والتواطؤ.. الخ ولسان حالها يقول بان الظروف الموضوعية اكثر من مواتية وهذا ما يزيد الضغط والاعباء على قوى التغيير.

ولكن قبل الدخول في التفاصيل نشير بان المعارضة ليست حالة افتراضية او فضائية او عملا فوقيا انها كل الناس الذين يتضررون من السياسات الحالية ويجب الا يعزل البعض نفسه ويصبح وصايا على المعارضة وهو نفسه لا يريد الالتصاق بالصعوبات ووضع مداميك مع الاخرين في سكة التغيير ويريد فقط ان تقوم جهة اخرى بالنيابة عنه لانجاز المهمة وهذا كل التصور الذي يعيش فيه بعض المحيطين والذي يرون في العملية الثورية خطا تصاعديا ومعركة تحسم بالنوايا البرئية.

الحقيقة نجت امام مدرستين تاكدنا من خلال الممارسة السياسية وهي مدارس لا تخف في المحصلة النهائية المرجعيات والمواقف الفكرية وعندما يدمغك احد بانك علماني او عروبي او افريكاني هذه المصطلحات  تعبر عن رؤية ايدولوجية ومواقف سياسية صريحة للتمييز عن الاخر المختلف ومن هنا يمكن ادراك من خلال عقلية التجزئة العوامل السرية والخفية التي تتربص بوحدة العمل المعارض. وهذه المواقف تصبح عارية في التعبير عن نفسها عند كل منعطف او ازمة حادة. وعند هذا الحد تغيب الحدود بين الخطاب الرسمي للنظام وبعض الجماعات التي تتلاقى معها في الاهداف الاستراتيجية. وهذا ما ينسف كل جهود للتوحد. ان الذي يعيد عمل القوى السياسية المعارضة الى الوراء ليس عبقرية النظام وانما تشابك مصالح بعض الجماعات مع النظام والتي تجد نفسها عند لحظة الفعل الثوري تدافع عن نفس اهداف النظام البعيدة وبل تستخدم حتى الفزاعات والمفردات الصدئة في التخويف والتحوين وتصبح حماية العقيدة الفخ وستارا للتراجع وانحيازا للمصالح. وهذا ماكشف عنه التراجع عن وثيقة مؤتمر القضايا المصيرية والذي حددت فيه هوية النظام السياسي بالعلماني. ان التردد والارتباك ليست حالات مزاج وانما هي مواقف تعبر عن مصالح افراد وجماعات وانحيازات.

ان اضاءة الاجزاء الغامضة من الصورة ضرورة تحتمها اللحظة ولا نريد اعطاء صورة حالكة عن الوضع باعتبار ان هنالك استحالة في وحدة هذه القوى. ولكن يجب معرفة الصعوبات والخفايا ووضع الحقائق على الارض للتعامل بشفافية مع المعوقات. وان ما يجعل امر الوحدة ممكنا هو ان الاحزاب السياسية السودانية في غالبها لم تكون على اساس الفرز الطبقي الحاد وهذا ما سيجعل امكانية التلاحم في برنامج يتسع للجميع على اساس قاعدي يعبر عن روح وتطلعات الجماهير العريضة في مطالبها المعيشية والحياتية وهذا الشكل من التحالفات يفرض نفسه بقوة ارادة الشعب عندما تتقاعس القوى المنظمة عن التعبير عن رغبات جماهيرها. ويأتي في المرتبة دور النظام الذي يعمل بلا توقف من اجل عرقلة أي مسعى لتوحيد المعارضة وهذا طبيعي لان النظام لا يمكن ان يقدم نفسه وجبة شهية على مائدة المعارضة وهذا يجب ان تدركه المعارضة وان تضع التكتيكات البديلة بدلا عن الحديث الذي يغلفه الكسل. ان النظام يمتلك كروتا عديدة منها مادرة حق الوجود المادي للفرد والتنظيم وحق التعبير والتواصل الجماهيري ومناورة اطراف من المعارضة وتخويفها من بعضها وهي تملك الثروة ومن خلالها استطاعت الحاق اضرار جسيمة بالاختراقات. وبالاغراءات والاستلطاف استطاعت تحيد اطراف هي جزء اصيل من حركة التغيير ومن خلال العمل الدعائي والاعلامي اليومي والممنهج طمست طبيعة الصراع وحولته من صراع سياسي ويتعلق بالعدالة والديمقراطية الى صراع ديني واثني. وهنا قد تجد افراد عاديين ومتضررين من سياسات النظام ولكن يستخدمون نفس مفردات ومصطلحات النظام في تشويه واساءة  معارضيين وبسبب هذه السياسات التي تقوم على التفرقة والاقصاء والانطوائية اصبحت الوطن جزرا سياسية معزولة وهذا ايضا اضعف روح التضامن والعمل المشترك الموحد وان سياسات النظام خلقت مواطنا ميالا للسلامة الشخصية ومبررا للانتهاكات ولا يتكلم عن حقوقه ويدافع عن النظام مكرها بحجة عدم وجود البديل وهكذا يتم كتابة عقد اجتماعي بين النظام والمواطن على مشروعية الخوف . وهذه الاليات والوسائل التي يستخدمها النظام تعزل قطاعا مهما من المساهمة في أي حراك اجتماعي.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )