الكتابة بالرونيو ....

بقلم/ عبد المنعم الخضرمحمود

لم يكن الضو " بوليس سري عادي "..ولا يدري أحد متى تكونت لديه هذه الرغبة الملحاحة في قطع دابر هؤلاء الناشطين الذين يعملون ليل نهار لإسقاط الحكومة ..منحته حكمدارية بوليس عطبرة "عجلة" ميري كعهدة..لم يكن سعيداً بها فكم من مرة تسلط عليها أحد العمال وقام بافراغ هواء اطاراتها لكى يعطله ..

لذلك كان يركنها داخل حوش منزلهم فى الداخلة عند انتهاء ساعات العمل ..وينهض فى العصريات  ماشياً علي أرجله إلى معظم الاندية التي يرتادها هؤلاء النشطاء ..فى البداية لم يكن حريصا أن يفرزهم شيوعيين – إتحاديين- حزب امة...الخ

هو يعتبرهم كلهم ولاد كلب، واقفين ضد الحكومة ..ضد عبود جبل الحديد..كان جاداً وهميماً  فى تنفيذ الاوامر، التى جعلها مسئولية شبه شخصية.. اجتهد فى عمله واصبح لديه قوائم باسماء الشيوعيين . الابالسة ..يحفظ اسماء معظم كوادرهم عن ظهر قلب... تخصص فى كثير من طرائق عملهم حتى اصبح  متخصصاً ومرجعاً مهما..احتاط النشطاء واعتبروه مخبراً مزعجاً... إلا إبراهيم..الذى كان يقصد الضو وينظرإليه حتى قاع عينيه ..وكثيراً ماكان يلتقيه فى السوق صائحا :..ماتروقوها شوية ..تقول داقين فيها طورية ؟.. وكان الضو لايعيره انتباهاً ويعتبره ولداً روحو محرقاه...

 بداية الستينات.عطبرة فائرة وحكومة عبود تحاصر النشاط السياسى وتضيق عليه..مئات الجواسيس اندست وسط العمال على امتداد الورش ومكاتب العموم والهندسة ، ولكن تقاليد العمل السري الصارمة التى كانت سمة كل النشطاء  فى عملهم السياسي، جعلت محاولات الاختراق شبه معدومة، مما دفعهم لإجراء تنقلات وسط المخبرين..توجس النشطاءعندما اكتشفوا تلاشى الضو من أوساطهم فجأة وأبدوا قلقهم من زراعة مخبر جديد لا يعرفونه.

..المنشورات تطبع و توزع ليلاً و تتقافز فى  أيدي ساكنى شوارع المدينة وأزقتها  صباحاً ..الجبهة الوطنية التى ضمت كلا الاحزاب المعارضة لنظام عبود رأت أن إعلامها ضعيف، وان رأيها لم يصل منسوبيها بشكل كافٍ..قرروا أن تتم طباعة المزيد من المنشورات ..أوكلوا هذه المهمة للشيوعيين .. قرروا بدورهم دعم جهاز الطباعة بماكينة"رونيو"  جديدة ..هذه المرة تم تكليف الزميل إبراهيم باحضارها من مصر..اعترض البعض على إبراهيم باعتباره زميل نفسه حار،دافع عنه أصحاب القرار بأنه زميل مخلص، وعلى قدر من الحيطة وسعة الحيلة ..  مصر القريبة دي؟

.قال ذلك وسافر ابراهيم من دربه الى حلفا ومن هناك الى أسوان ..غاب شهراً كاملاً ..دبر حاله فى مصر وقام بشراء( المكنة) ..وفى شقة متواضعة فى  امبابة يسكنها رفاق موفدين، وطلاب في الجامعات المصرية،قاموا طوال الليل "بتشليع" الماكينة ووضع أجزائها فى طرود صغيرة واخري فى كراتين مختلفة و جوالات ، كومت وسط الغرفة واصبح كعفش أهلنا الدناقلة الذين اعتادوا جلب السحارات و"طشاطات" الغسيل النحاسية الضخمة داخل جوالات الخيش من مصر.. كلفوا زميل يدرس فى جامعة الأزهر بتوصيل إبراهيم إلى الشلال .ركبا قطار الصعيد وكان يسمونه القشاش...القطاريسير عبر حقول خضراء شاسعة على امتداد البصر  كأنها حديقة واحدة فى اتساقها وتراصها تعكس دأب الفلاحين المصريين الفقراء، وهم يضعون خيرات الأرض المخبوءة على ظهرها نضارة وبهاءاً ..  المسافرين داخل القطار المهرول إلى أعلى النهر معظمهم نوبيين وسودانيين ودودين وخيرين ومتلهفين للتعارف، كأنهم وجدوا أهلهم قبل الوصول الى الوطن يطرحون اجمل خصائلهم فى السفر... لقد توزعوا قطع الماكينة عليهم.. وقدموا محاضرة قصيرة لإبراهيم عن كيفية المباصرة والخروج بدون لكلكة من كل الجمارك..واقترحوا  فى حالة حدوث أي  مشكلة ..."يهلها هاج مهمود وهو معانا ..." كان حاج محمود أكبرهم سناً وأكثرهم سفراً على هذا الطريق ....كل ذلك ولم يسألوا ابراهيم ولو تلميحاً عما يحمله..!!

الباخرة تلامس بهدوء ميناء وادي حلفا وسرعان ما تنزل السقالات وتخرج الباخرة اثقالها ويذهب الجميع وهم يتدافعون الى الجمارك وعلى بابها تسمر ابراهيم قليلاً وتنبه ورأى من البعد ما لم يدر بخلده.. وفجأة إلتقت العيون .. انعقدت الحواجب .لم يكن هناك وقت للرد علي أي سؤال دار برأسه..مالذى أتى بالضو الى هنا ؟.لا يمكن أن يكون مرسلاً لاعتقاله متلبساً..

  • جاي من وين كدي..؟
  • من مصر ..من وين كيف يعنى.......قلب إبراهيم يدق بعنف وبعضاً من تحدي
  • آها وجبت معاك شنو من مصر..؟
  • جبت مكنة قدر كدي.. ومد إبراهيم كلتا يديه واصفا حجم الماكينة بعد ان وضع حقيبة سفره الصغيرة على الأرض
  • مكنة ..يرسلوك إنت تجيب مكنة..أمِش... أمِش

خرج ابراهيم من الجمارك لاهثاً .. تعصف به مشاعر الغضب والتحدي والخوف ..كان  كمن يقبض بكلتا يديه على قلبه المقطوع .. لاحقاً انشغل بالقادم فى سكة السفر الطويل ..وتخلص من توتره.. واعتبر ماحدث قد حدث وانتهى الأمر مع قليل من الفرح خاصة.

 عندما تصبب عرقه غزيراً بعد خروجه من الجمارك ولم يهنأ الضو برؤيته معصوراً ، والثانية عندما فتح السنافور إيذاناً بتحرك قطار حلفا- عطبرة - الخرطوم... وهو داخله خالفا رجله على مقعده الخشبى بالدرجة الرابعة ..متباهيا بحذائه البنى الذى اُهدي له من بعض الرفاق فى مصر..والتي يلامس كعبها جزء من ماكينة الرونيو أسفل الكرسى.. ولم يلاحظ أحداً ان ذلك السرور الذي كان بائناً على وجهه لا صلة له بالحذاء...

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )