أين تذهب هذا المساء : عبارة اختفت من قاموس السينما السودانية

  • كانت السينما ملكة متوجة وكانت لأفلام الوطنية غرب والنيل الأزرق طعم نادر كالبهار، أفلام مفعمة بالحياة
  • عندما تمت تصفية المؤسسة العامة للسينما كان بمخازنها أكثر من 9 الاف فيلم سينمائى جاهز للعرض

بقلم : عبدالرحمن نجدي   

( لو قارنا بين أهمية تاريخ السينما وأهمية تاريخ المشاهدة لرأينا إن تاريخ المشاهدة أولي بالتسجيل ) جورج سادول

ويمكن القول ( للإنصاف )  إنه في أعوام الستينات وحتي الثمانينات بلغت مكانة السينما اوجها وذروة جذبها للجماهير العريضة. كانت هناك ( 14 ) صالة للعرض السينمائي بالعاصمة وحدها موزعة في العاصمة المثلثة ( أمدرمان والخرطوم والخرطوم بحري ) ثم سينما قاعة الصداقة التي فتحت أبوابها عام 1979.

كان وقتاً مثيراً بالنسبة لنا نحن شباب العاصمة ذلك الذى كنا نقضيه فى احدى تلك القاعات وخاصة الامدرمانية منها بحكم سهولة الوصول إليها رغم المكانة الخاصة لصالتي النيل الأزرق والوطنية الخرطوم.  كانت معظم دور العرض السينمائى فى العاصمة تفتتح اسبوعها بالاثنين، وفى الغالب تعرض فيه فيلما امريكيا جديداً، والسبب يعود الى أن معظم دور العرض كانت تبرمج لعطلة نهاية الأسبوع فيلماً عربياً أو هندياً يبدأ بالخميس وينتهى بالأحد، وكانت بعض دور العرض السينمائى تتبع أسلوبا مميزا تبدأ برنامجها الأسبوعي كالتزامها بتقديم فيلم رومانسي أو تاريخي وربما أحد أفلام الويسترن أو الأفلام التاريخية، غير أن سينما العرضة بأمدرمان كانت تبدع فى تقديم أفلام ( الاثنين ) بأسلوب مميز خاص بها إذ كانت تلتزم لأسابيع بتقديم أفلام واحد من نجوم هوليوود الكبار أمثال (روبرت ميتشوم، جلين فورد، مارلين ديترش أو مارلون براندو) وهو أسلوب متميز جداً للعرض السينمائى لا تجده إلا فى القاعات الأوربية المتخصصة كمعهد الفيلم البريطانى B.F.I رغم أن العرضه ظلت تحتفظ بمبناها الفقير وسط ذلك الحى الشعبى العريق بأمدرمان.

كانت السينما ملكة متوجة وكانت لأفلام الوطنية غرب والنيل الأزرق طعم نادر كالبهار، أفلام مفعمة بالحياة، وأكثر من ذلك كانتا تفاجئان جمهورهما  بتقديم بعض الأفلام الجديدة بالتزامن مع افتتاح عروضها عالميا  فى شارع النجوم بلوس انجلوس، أو ليستر اسكوير بلندن، أو الشانزليزيه  بباريس.

كانت السينما مظهراً رفيعا من مظاهر الحياة والثقافة الشعبية بالسودان، وكانت ملهمة وقادرة علي الوصول إلي جمهور واسع من سكان العاصمة المثلثة وفرص الاختيار واسعة، وجولة صغيرة علي  صحف الصباح يجد المرء نفسه يذهب تلقائيا للصفحة الثانية لتقرأ عمود (أين تذهب هذا المساء) وعليها إعلانات 14 قاعة للسينما موجودة بالعاصمة.

لقد أدركت الجماهير السودانية بفطرتها أن السينما وسيلة ترفيه وأداة معرفة، وكانت أيضا وسيلة ترويح للاسرة السودانية التى تخصص لها مساحه (بلكونة) فى تلك القاعات المكشوفة. كانت قاعات السينما تحترم مشاهديها فقبل بداية الفيلم الرئيسي كانت الجريدة الاخبارية (وهي نوع من الصحافة بلغة السينما) وكانت تظهر بصوره مبسطه (وغالبا بكاميرا واحدة) ولكنها غنية بالإخبار والمعلومات والصور، ومن حين لأخر كانت ( وحدة أفلام السودان ) تجتهد فى تقديم بعض أفلامها الوثائقية والتسجيلية مثل مناسك الحج، وذهب السودان الأبيض، والسودان الحديث ( والتعليق غالبا بأصوات الطيب صالح ، حمدي بولاد، محمد عبدالله عجيمي، الجزلي أو حمدي بدرالدين) وغيرهم من صفوة مذيعي ذلك الزمان. وفي بعض الأيام تفاجئنا بأفلامها الروائية القصيرة التي حققها جادالله جبارة، عمانويل أنطون أو محمد عيد زكي مثل ( المنكوب، تور الجر فى العيادة ) أو بعض الاغانى المصورة مثل (أغنية الخرطوم، ولا وحبك، وعروض الفرقة الاثيوبية ).

كانت هناك أيضا مساحة للرسوم المتحركة، تليها الإشارات ونسميها ( المناظر ) ثم الاستراحة التى كانت وقتاً مستقطعا لتناول المشروبات علي خلفية أغاني ( راي شارلز ونات كينغ كول)  وبعد ذلك يبدأ عرض الفيلم الرئيسي ... صورة تجدها فى كل دور السينما الراقية فى العالم رغم مظاهر الفقر،  ولم يكن وقتها يقلق تأثير السينما أحد، وما كان هناك من يعتقد أن السينما تلهية وليست ثفافة ... كان الجميع يتفقون - من دون الحاجة إلى مشروع حضارى - أن صناعة السينما نافذة مهمة على العالم، لقد أدركت الجماهير بفطرتها أن السينما وسيلة اتصال ومعرفه وثقافة (ومدرسة مسائية)

وبعد عودتي للسودان من بعثة دراسية بلندن عرضت كل صالات السينما بالعاصمة فيلم التخريج القصير (الضحايا) الذي لعبت بطولته نجمة السودان الأولي تحية زروق كنوع من التشجيع لصناعة سينما غرقت وتعرضت للتهميش والضياع والنسيان.

وفى أواخر عقد الستينات وعندما كانت السينما حاضرة وتجذب قطاعات كبيرة من الشباب وطلاب الجامعات، قام أول نادٍ للسينما فى السودان بمبادرة من الاستاذة الرائدة ( سعاد إبراهيم أحمد ) جاء كإفراز طبيعي للنشاط السينمائي المتطور في المدينة وتعاظم الإقبال الجماهيري علي صالات السينما. 

ولعقدين من الزمان كان النادى يواصل تقديم عروضة الاسبوعية المتميزة من أخر فيلم لجان لوك غوادر أحد رواد الموجة الفرنسية الجديدة والذي أدخل تغييرات كبيرة فى اللغة السينمائية والإسلوب والموضوع  إلى أول نسخة مهترئة من فيلم المدرعة بوتمكن  رائعة ( ايزنشتاين ) الخالدة التى حققها عام 1925 وأحدثت ثورة فى علم المونتاج السينمائى. وكان نادى السينما محترما بالفعل لنوعية العروض السينمائية التى يقدمها وأيضا لإدارتة للحوار الهادف حول هذه الأفلام، كان نادى السينما يسعى لتزويد أعضائه بثقافة سينمائية رفيعة.

لقد أطلع  جمهور النادى علي معظم الاتجاهات والمدارس الفنية من بيرغمان إلي روسلليني إلي غودار مرورا بتروفو وبيرتولوشي وعثمان سمبين، شاهدنا للمرة الأولي السينما الافريقية وسينما أمريكا اللاتينية، والواقعية الايطالية، والموجة الفرنسية الجديدة، وحركة الفيلم التسجيلى البريطانى، وأسابيع الأوسكار، والسينما اليوغسلافية، والبرازيلية ومهرجان الفنون الزنجية وعروض الأفلام السودانية الخ ..

وسعى النادى لتشجيع قيام سينما قومية عبر تجمع السينمائيين الشباب وعمل على تطوير النقد السينمائى غير الإنطباعى وقامت أول مجلة متخصصة للسينما فى السودان- وهى مجلة "سينما" التى كان يصدرها قسم السينما بمصلحة الثقافة -. وظهرت العديد من الكتابات المتخصصة فى الصحف اليومية ... وقامت للنادى عدة  فروع فى بعض مدن وأرياف السودان وفى الجامعات والمعاهد العليا والأندية الثقافية والمدارس وحتى في الاحياء ...

كانت السينما فى السودان لصيقة بالحياة وبالناس ففى موسم 77/78 إستورد السودان ( 242 ) فيلماً سينمائياً، من بينهما ( 214 )  فيلماً امريكياً ، وبلغ حجم جمهور السينما فى شهر واحد (حسب إحصائيات حفيفية لمؤسسة الدولة للسينما ) فى نفس العام ( مليون و 750 ) الف مشاهد أى ما يعادل ( 58.333 ) فى اليوم الواحد، يشاهدون السينما بمتعة كبيرة بدءاً من سينما (البلو نايل) بالخرطوم وحتى سينما (  دنقلا ابو الحسن ).

وفى هذا المناخ الذى يستنشق فيه العالم رائحة السينما تعيش السينما السودانية قصة طويلة من الحزن والأسي علي مستوي الإبداع والرسالة والمتعة أيضا ولا يبدو ان لها نهاية سعيدة.

لقد كان تجاوب الجماهير السودانية مع السينما منذ البداية وشغفة بها أسرع من أى أداءات فنية أخرى فبعد أقل من عشرة أعوام على أول عرض سينمائى أقامه الاخوان لويس وأوجست لوميير فى مقهى " كافييه لوجران " بباريس فى 28 ديسمبر كان السودانيون يشاهدون الفانوس السحرى فى قهوة الخواجة " لويزو " بالعاصمة السودانية .

وبعد أقل من عقد من الزمان على اكتشاف الصوت فى السينما - 1927 كان الأخوان ليكوس يشيدون دارا تجارية للعرض السينمائى بالسودان سموها " الاسكيتنج رنج " وقبل انتهاء عقد الثلاثينات بلغت قاعات السينما فى السودان ( 14 ) دارا للعرض السينمائى وشهدت تلك الفترة حركة نقد سينمائى مزدهرة فى الصحف والمجلات السودانية مثل الفجر والحضارة ومجلة هنا امدرمان (الإذاعة والتلفزيون لاحقا) ...

وفى حقبة الستينات بلغ عدد دور العرض السينمائى ( 56 ) دارا تسع ( 104.100 ) مقعد (بمعدل مقعد واحد لكل 153 شخصا) وهى نسبة مقبولة بكل المقاييس .

واليوم أستطيع أن أتخيل شعور الكثيرين من أبناء جيلى .. والأجيال التى سبقتنا علي هذا التخبط الهائل في الرؤية والمفاهيم، وأن معظم دور العرض السينمائى فى السودان تتهاوي وتقفل أبوابها وتأتينا الأخبار بأن سينما كلوزيوم وهى أول قاعة للعرض السينمائى فى السودان " الاسكتينج رنج " معروضه للبيع ولقد تمت بالفعل تصفية مؤسسة الدولة للسينما منذ مارس 1991 بدون إيجاد بديل لها، وعندما تمت تصفية المؤسسة كان بمخازنها أكثر من 9 الاف فيلم سينمائى جاهز للعرض (لست هنا فى حالة دفاع عن مؤسسة السينما سيئة السمعة) ولكنها عمليا كانت الجهة المتوفرة الوحيدة التى كانت تملك القدرة على إستيراد الأفلام وتوزيعها داخل البلد، والنتيجة الحتمية لتصفية المؤسسة هى سقوط الكثير من دور العرض السينمائى.

ومنذ مطلع السبعينات ظهرت الحاجه لقيام سينما قومية إثر عودة جيل من الشباب الدارسين للسينما بأوروبا ومصر، واستشعرت الجماهير التى كانت تحلم بشوق كبير بأفلام سودانية، تعبر عن واقعنا من خلال وجوه سودانية حية تتصارع في إطار محلي، ولكن سرعان ما تداعت هذه الأحلام إثر الضربات الموجعة للسينمائيين السودانيين الذين تفرقت بهم السبل، وتم تهميش قسم السينما بمصلحة الثقافة، وكذلك وحدة أفلام السودان وهى - بدون الدخول فى تفصيلات كثيرة - الجهة الوحيدة التى كانت تملك فرصة خلق سينما سودانية ..

وبعد هذه الرحلة السريعة وفي هذا المصطرع المضطرب ما زالت الدعوة قائمة للحوار والبحث عن طريقة لدعم السينما وصناعة الأفلام،  ولا داعي أن نكرر القول حول اهمية السينما فى حياتنا المعاصرة،  لقد تبنت كل الدول المسألة السينمائية كقضيه قومية، ونحن مازلنا نبحث عن مجرد رد اعتبار للسينما فى السودان .

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )