حوار مع المخرج السينمائي ابراهيم شداد

 

  •  السينما لا تتخلى عنها إلا الدولة  التي تكره الثقافة وشعبها
  • يجب  كشف خطل سياسة الدولة بصدد السينما كي يصحح المسار  ويعود الحديث عن هذا الفن
  • الجهلاء لا يعون دور السينما والخبثاء يخافون هذا البعبع الذي يزلزل أرجاء العقول المغيبة
  • المجتمع في حاجة لان يري نفسه علي الشاشة لينشغل بهويته، بتاريخه، بحاضره وبمستقبله
  • بقي النقد السينمائي نادرا، إنطباعيا ويستلف أدوات النقد الأدبي

حوار -  سليمان محمد ابراهيم

المخرج السينمائى إبراهيم حامد شداد أول من درس الإخراج السينمائى فى الكلية الالمانية لفنون السينما والتلفزيون عام 1964، بل أول سودانى على الإطلاق يدرس فى أكاديمية متخصصة لمدة خمس سنوات، بعد فترة وجيزة من الإستقلال حزم حقائبه متجها صوب حلمه، وحين عاد كانت البلاد تخرج من تحت حكم أول إنقلاب عسكرى، وككل عائد إلى أرض الوطن فى ذلك الزمان الموَّار بحركات التحرر الوطنى وثورات الشباب والتطلعات الكبيرة والحركات الهيبية وألق السينما بتياراتها ومدارسها الجديدة، جاء بآمال عراض وحزمة أحلام محدثا النفس بحفر مجرى جديد للفن السينمائى فى البلاد. وللمفارقة فقد قطع بناء مبنى إستديو الإنتاج السينمائى - هدية المعونة الأمريكية للسودان - شوطا يغرى القادم الجديد بإمكانية تحقيق الأحلام وما درى أنها أحلام موءودة.

يمتلك إبراهيم قدرات إبداعية ضخمة، حرى كان الإحتفاء به بما لا يقل عن كبار مبدعى السودان فى المجالات الأخرى، ذاع صيته فى محافل المهرجانات السينمائية الأروبية والعربية والأفريقية والأمريكية ونالت افلامه التقدير و العديد من الجوائز. عمل أول ما عاد فى إدارة الإنتاج السينمائى/ وحدة أفلام السودان  وعمل بالمسرح وكتب وأخرج مسرحيات وعمل بالتلفزيون، وبقسم السينما بمصلحة الثقافة ورئيسا لإدارة الإنتاج السينمائى بمؤسسة الدولة للسينما ومدرسا بالمعهد العالى للموسيقى والدراما. وممتحنا خارجيا لخريجى كلية الفنون الجميلة، و لطلاب قسم السينما بكلية علوم الإتصال بجامعة السودان للعلوم و التكنولوجيا، وعضوا مؤسسا ورئيسا لإتحاد السينمائيين السودانيين، وعضوا مؤسسا لجماعة الفيلم السودانى ،ومؤسسا وعضوا نشطا فى نادى السينما ،ومحررا فى مجلة "سينما" التى صدرت منها أربعة أعداد عن قسم السينما بمصلحة الثقافة أعوام 78- 1980. ومن بعد فى مجلة "السينما" التى صدر العدد اليتيم منها عن مؤسسة الدولة للسينما عام 1987. كان يتأهب لتحقيق حلم الفيلم الروائى الطويل "النيل والضفاف" حين داهم مؤسسة الدولة للسينما الحل والتصفية وأحيل إلى الصالح العام فى مايو 1990، فعكف على الإنتهاء من مونتاج فيلم "الماء الأسود" الذى كان جزءاً من ثلاثية فيلم "البقعة" الذى أخرج جزئيه "باب النجار" عبدالرحمن نجدى و"بيت النمل" سليمان محمد إبراهيم وقد فقدت هذه الأفلام إلى الأبد فى أحد المعامل البريطانية، بسبب عدم رغبة ولاة الأمر المجافين للفنون- ذوى "الحكم القرّاص، أى الحامض والغليظ" كما قال أديبنا الضخم الطيب صالح -  من تسديد فاتورة عام 1991 بمبلغ ستة عشر ألف جنيه. أغلقت دونه الأبواب فأختار المنافى الإختيارية بين مصر وكندا، إلا أنه وخلال وجوده فى لندن نجح بعد مكابدة فى أن ينقذ فيلمه الذى أكمله فيما بعد على أيام إقامته فى مصر بإسم "إنسان".

ما زال فيلم التخرج لإبراهيم "حفلة صيد" الذى عالج فيه موضوع التفرقة العنصرية طازجا ومعاصرا فى محتواه. لم يستخدم إبراهيم فى أفلامه بدءاً ب "حفلة صيد" و"جمل" و"حبل" وإنتهاءاً ب "إنسان" أى حوار أو تعليق ما عدا النذر اليسير فى فيلم "حفلة صيد"، إعتمد تماما على اللغة السينمائية الكثيفة التعبير وحجم اللقطات وزوايا الكاميرا، والمونتاج لديه ليس مجرد بناء بصرى ولكنه بناء فكرى فى الأساس والموسيقى والمؤثرات الصوتية تدعم الرؤية الدرامية. كأنى بإبراهيم يعود إلى صفاء وبلاغة وتعبيرية اللقطة السينمائية فى نشأتها الأولى، وفى كل أفلامه هو مهموم بدراما الحياة ومأزق الإنسان مقهورا ومطاردا ومستغلا ومسحوقا ومسلوبا حريته.

 

 

** كيف تنظر لتجربتك السينمائية؟

 

– التجربة هنا هي الدروس المستقاة من كيفيات معالجة مطبات ممارسة النظريات الجمالية والاساليب العلمية، إدارية وإنسانية، في واقع ظروف العمليات الإنتاجية في زمان ومكان محددين. والتجربة هي عادة للإعتبار من قبل المجرب ذاته أو من قبل آخرين. ولأن مجال تجربتي خارج الوجود، تبقي هذه التجربة خارج الإعتبار وليس بها من يعتبر .... عليه سأحيد عن الإجابة بالتالي:

- فيلمي " التيوة" رفض المسؤولون عرضه.

- فيلمي " القطط والمجانين" تحفظ عليه المسؤولون.

- فيلمي "حديقة الحيوان" اوقف المسؤولون إنتاجه.

- فيلمي " كريت التي رفضت الرجوع الي البيت" أهمل المسؤولون مواصلة إنتاجة.

- فيلمي "شمعة" توقف بسبب عراك المنتج مع بطل الفيلم.

- فيلمي "النيل والضفاف" منع المسؤولون مواصلة إنتاجه.

- فيلمي "الماء الأسود" أحد ثلاثة افلام من فيلم "البقعة" ضاع جله لرفض المسؤولين دفع تكاليف العمليات المعملية.

- فيلمي العرجاء والرقص" لهف المشرف علي الإنتاج ميزانية العمليات الاخيره.

إضافة الي:

  • الدراما التلفزيونيه "اللص الشريف" التي تكالب بعض العاملين لإيقافها.
  • مسرحية "المشي علي الرموش" التي حضر وكيل الوزارة لمشاهدة البروفة النهائية لها علي خشبة المسرح القومي وطار من الفرح، ثم قيل في اليوم التالي ان الوزير أمر بمنع عرضها في المسرح القومي.

وعلما بأن المنع والإيقاف صدرا من أجهزة حكومات متعافبة ... فما هو الدرس من هذه التجربة؟ الدرس الذي لو أخذته أنا في عين الإعتبار... كنت إرتحت ورطبت.

 

** هل تعتقد ان الخيط صار رفيعا بين الفيلم السينمائي ومنتوج الثورة الرقمية؟ وكيف تري ذلك مقرونا بتيار سينما الدوجما الدنماركية وقبولهم بالتصوير بكاميرا الفيديو رغم عدم تخليهم عن شرط عرض الفيلم علي أشرطة 35 مم أو16 مم؟ ربما نحتاج الي "ضبط المصطلح" لما صار يطلق عليه فيلم سينمائي وهو منفذ كلية بالفيديو؟

   

- التطورات الحديثة هي إضافة إيجابية لتسهيل جزء من عملية الإنتاج وتقليل التكلفة علما بأن عملية الانتاج هي أكبر من المعدات وعملياتها الماديه. وإختلاف المعدات يؤثر علي الناتج كما وأن إختلاف طريقة العرض تؤثر علي المعروض. حقيقة هناك عدد من الإختلافات بين الفيلم والفيديو. مثلا الفرق الرئيسي بينهما هو ما يسمي بالنطاق الديناميكي (أي القدره علي تسجيل درجات الظلال والألوان من أحلك الظل الي المع الضوء). فللفيلم نطاق واسع جدا من الدينامية يعادل 1000:1 هذا مقارنة مع حوالي 100:1 لكاميرات الفيديو الرقمية. وأيضا مثال طاقة الثبات أو قوة الوضوح، فإذا مسحنا عبر المحور الأفقي لنجاتيف الفيلم الملون مقاس 35ملي نحصل علي 4000 بكسل معلومات  وهذا مقارنة ب 1920 بكسل معلومات عبر المحورالأفقي للكاميرات الرقمية الجديدة 24P HD . الفروقات بين الفيلم والفيديو عديدة وجلها يوضح تفوق تقنية الفيلم علي الفيديو ولكن هذا لا يقلل من شأن الفيديو فهو تقنية حديثة تركض نحو تصحيح كل مسالبها. الفيلم هو الأسبق ولقد تأسست النظريات والمسميات عليه. والفيديو شب علي اكتاف الفيلم واستلب النظريات والمسميات. في المستقبل سيكون لكل من الفيديو والفيلم ميزاته الخاصة. وستستمر "السينما" من الإستفادة من كلا الوسيلتين.

ان مصدر مصطلح "فيلم – سلسلة الصور الثابتة والمتحركة –" جاء من حقيقة ان "فيلم السليولويد الفوتوغرافي" كان تاريخيا هو الوسيط الأساسي لتسجيل الصورة ولعرضها. ومازال المصطلح يقصد به العمل الذي يسجل علي فيلم السليولويد الفوتوغرافي أو يعرض بواسطة فيلم السليولويد الفوتوغرافي. وكما ذكرت انت، حتي "مانفيستو َقسم البراءة" الصادر عن جماعة "الدوجما" الدنماركية وعلي رأسها "لارس فون ترير" لم يستطع ان  يتخلي عن "فيلم السليولويد الفوتوغرافي" رغم انه زلزل كيان الإنتاج السينمائي تماما. لقد أمنوا علي العلاقة العضوية بين السينما وفيلم السليولويد الفوتوغرافي وليس شريط الفيديو.

الان هناك فوضي في استعمال المصطلحات، يقول بعضهم انها ستنتهي بمجرد ان يشب الفيديو عن الطوق ويؤسس لنفسه مصطلحات واضحة. الآن هذه المصطلحات تقود الي سوء الفهم وفي بعض الأحيان الي التضليل بقصد أو بجهل.

فمسمي "فيلم" يقصد به العمل الذي صور علي "فيلم السليولويد الفوتوغرافي" أو عرض بواسطة "فيلم السليولويد الفوتوغرافي". أما العمل الذي سجل علي شريط فيديو فيسمي " فيديو او فيديو فيلم" والعمل الذي سجل علي هارد ديسك يسمي "ديجتال فيلم" كما ان العمل الذي خزن في هارد ديسك أو اسطوانة يسمي ايضا "ديجتال فيلم" أما دارعرض الأفلام المخزنه وتعرض بواسطة فيديو بروجكتر فتسمي " ديجتال سينما" و "إي سينما (إلكترونك)"  قد تعني دار العرض التي تستقبل الأفلام المبثوثه عبر الأقمار الصناعية .... ومازال الحوار قائما...........

** للنيجيريين تجربة في إستخدام الفيديو وينتجون سنويا ألآف الأشرطة لدراما إجتماعية وموضوعات محلية وجدت قبولا من الجمهور و إنتشرت محلات بيع الأشرطة وصار لهم نجوم، هل تري في نوعية هذا الأنتاج تجاوزا للسينما بوصفه فنا ... ألن ينتج ذلك علي المدي الطويل دربة وتجربة تفتح دربا لتطور الإنتاج؟

 

– حينما تعلم الناس الكتابة بالقلم ظن البعض أنهم سيصبحون خطاطين أو كتابا، ولم يحدث ذلك. هذه الأدوات، القلم، الكاميرا، تساعد علي الإبداع وهي لا تبدع. الفنان هو الذي يبدع بقدرته علي تطويع قوي الإبداع الكامنة في الأدوات. وليس كل من حمل كاميرا بمبدع.

  • سئلت دارا بيرنباوم – اسطورة فن الفيديو - : " تقنية الفيديو الرخيصة ساعدت عددا كبيرا من الناس علي استعمال الكاميرا ( وفي بعض الاحيان التلفون المحمول ) لإنتاج أعمالهم". قالت دارا:" لا اظن ان إزدياد الكمية يؤدي الي إزدياد القيمة. ولكن لايستبعد ان يكون من بين هذا الإنتاج الغزير بعض الأعمال الجيدة."

 

هذا ما نرجوه لنيجيريا. ولكن لابد اولا من معاينة بعضٍ من أشرطة الفيديو تلك حتي نصفها " بفن " فللفن معايير، قواعد ونظريات وأساليب.  ثم ماذا عن المشاهدة:  ترقية التذوق؟ رفع الوعي؟ التسلية الخلاقة؟ هذا كله لا يبدو واضحا في التجربة النيجيرية والتي قد تسبب ضررا في الوعي يصعب غسله فيما بعد. أرجو ان لا يكون  ما يحدث هناك الي الآن هو في أغلبه تجارة وإزجاء رخيص للفراغ..... تماما كما يحدث عندنا في الكم الكبير من الحيشان التي تعرض الأشرطة والإسطوانات في عشوائية منفلتة.

إذا كان لابد لنا من أخذ تجربة ما في الإعتبار فليست هي التجربة النيجيرية. هناك عدد من بلاد غرب أفريقيا اصغر بكثير من نيجيريا إستطاعوا ان يحققوا إنتاجا سينمائيا مميزا. فالفن تكمن ماهيته في الكيف وليس في الكم.

 

** علي قلة الإنتاج السينمائي السوداني للأفلام التسجيلية أو الدراما التسجيلية أو الروائية هل تري أن هناك محاولات نقدية رصينة واكبت هذا الإنتاج مع وجود تجربة معقولة في التذوق السينمائي حاول ومازال نادي السينما إرساءها؟

 

- النقد في السودان في المجالات المعتبرة مازال يُرجي منه الكثير، فما بالك بالنقد في مجال هامشي محدود كإنتاج الأفلام؟ لم تكن هناك حركة نقدية سينمائية سودانية علي الرغم من ان محاولات النقد السينمائي بدأت قبل إنتاج الأفلام بالسودان، وعلي الرغم من ان السينما قد لعبت دورا رياديا في توعية الناس الي أواخر ثمانينات القرن الماضي.  بداهة أن يحفز إنتاج ألأفلام ألسودانية بلورة حركة نقدية رصينة لهذه الافلام تنداح الي نقد الافلام الاجنبية، غربية، هندية وعربية. ولكن برغم الدور البارز للسينما في مجتمع وسط السودان بقي النقد السينمائي نادرا، إنطباعيا ويستلف أدوات النقد الأدبي. قد يبدو أن خصوصية النقد السينمائي والتي لم تكن في متناول يد النقاد الادبيين، وليس هناك من إمكانية لدراستها داخل السودان قد ساهمت في إضمحلال النقد السينمائي عامة. ان الدارسين للفن السينمائي قلة وليس من بينهم من درسوا النقد السينمائي. هم صناع افلام وليس بداهة نقاد افلام. هذا أيضا لم يساعد في مسألة النقد. وكان المرجو منهم كسينمائيين ان يبادروا في نقد الأفلام السودانية علي الأقل ولكنهم لم يفعلوا. ويبدو ان لهم اسبابهم في ذلك: بعضهم لم تلبي تلك الافلام طموحاتهم الفنية فخافوا، حتي وإن توخَّوا الموضوعية فيما يكتبون، أن يوصفوا بالتحامل السلبي. والسودانيون يحبون الحسد فسرعان ما يصفونهم "بالحاسدين الحاقدين" بعضهم رأي ان النقد الصارم، والسودانيون حساسون، سوف يثير حفيظة القائمين علي الفيلم ويسبب مشاكل فيما بين السينمائيين وهم قلة يجدر بهم التضامن. وآخرون رأوا ان المرحلة تستدعي التهليل لأي فيلم سوداني مهما كانت قيمته الفنية وذلك لكي يتواصل الإنتاج، ولكي لا تمتنع الجماهير عن مشاهدة الفيلم، ولكي تتشجع الحكومة لدعم الإنتاج، ولكي يتنبه القطاع الخاص لإمكانيات هذا المجال فيساهم في صناعته.  علي العموم هذا لا يقلل من دور السينمائيين  في مجال التوعية وترقية المشاهدة وهم الذين أقاموا ندوات الثقافة السينمائية وشاركوا في توجيه العديد من اللجان الرسمية والمؤتمرات الفنية لترقية المشاهدة وكابدوا في إصدار مجلة سينمائية تعني بالنقد والبحوث والمعلومات ولم ينفكوا يعانون من الحفاظ علي نادي السينما السوداني الي اليوم، وهو من أقدم الجمعيات المدنية في السودان، ويرعون دوره في تقديم مشاهدة إيجابية  يصاحبها قدر بسيط من المعلومات والنقد السينمائيين.

في الماضي السحيق كان الحديث عن النقد السينمائي مهماً للغاية، ولكن الان وبعد مضي عشرون سنة غيبت فيها السينما إنتاجا ومشاهدة -  إذ قامت الدولة بحل جميع الأجهزة المنتجة للأفلام، وعملت علي إغلاق دور السينما ولم توجه القطاع الخاص، وهو جزء منها، بإنتاج الأفلام أو تشغيل دور السينما – يجب أولا كشف خطل سياسة الدولة بصدد السينما ويجب تصحيح هذه السياسة لكي يعود الحديث عن هذا الفن ولكي يصبح له نقد رصين.

 

** هناك همس خافت وأحيانا بصوت مسموع يتهم السينمائيين السودانيين بالكسل والقعود عن النهوض بالسينما وتنفيذ أفلام وتدريب الشباب علي تقنيات السينما؟

 

- نجيب من الأخر-  تدريب الشباب كان مطلبا قائما في كل مقترحات السينمائيين الرسمية وندواتهم وإتحادهم، كما ولم يتقاعس السينمائيون عن المشاركة الفعلية في التدريب في جميع الفرص التي جاءت. ولكن التدريب حقيقة هو مسؤولية المنظمات المقتدرة، شركات الإنتاج، دور العلم وأيضا الحكومة وعلي هذه الجهات الإستعانة بالسينمائيين لتحقيق  ذلك.

- نجيب من الأول - كم عدد السينمائيين السودانيين مقارنة بالاطباء السودانيين، المحاسبين، الجزارين، الضباط، الرياضيين، الموسيقيين ...الخ...الخ؟ كم عدد دور العلم، المؤسسات، الشركات، المحلات والأجهزه الرسمية العاملة في كل من تلك المجالات؟... وكم حجم الأموال المتداولة في كل من هذه المجالات؟؟؟  أظنه من الأولي توجيه إتهام .. "القعود عن النهوض".. لهؤلاء جميعا قبل اتهام حفنة من الأفراد لا حول ولا قوة لهم في مجال لا تسنده دور علم أو مؤسسات أو رؤوس اموال. مجال غير مرغوب فيه رسميا. هو ليس كالشعر مثلا، تبدع القصيدة وقد تتلوها بلا حاجة لكتابتها بقلم رصاص في قطعة ورق. هذا فن مكلف حتي وإن إستعنت بأدوات الفيديو. كيف لهؤلاء السينمائيين أن ينتجوا الافلام وهم ليسوا بأغنياء؟ لا عائل لهم ولا أقرباء ولا أصدقاء ولا أحزاب ولا منظمات ولا شركات ولا عصابة ولا حكومة تدعمهم بالمال اللازم. إنهم "يمدون قرعتهم" عبر السنين ولا من محسن. والمصيبة، ان الأمر لا يدخل في باب الإحسان بل باب واجبات الوعي السياسي والوعي الإجتماعي والوعي الثقافي. لم يبيعوا أنفسهم للشيطان لأن الشيطان سيركبهم ولن تصبح لفعلتهم قيمة إيجابية للسينما وفنها. هؤلاء السينمائيين تراكمت السنين تحت مقاعدهم وصار المستقبل خلفهم، لا يتواطؤن لكسب شخصي، ولا يهمهم الغني والصيت وعلاقات المعجبات. ما يهمهم هي السينما. هذا الفن الذي لا تتخلي عنه إلا الدولة البليدة التي تكره الثقافة وتكره شعبها. ولا يتخلي عنه إلا المال الخاص المتخلِّف الذي يكره الشعب الذي هو مصدر رزقه. هؤلاء السينمائيين أضاعوا العمر ليس في إبداع الأفلام – ولم تكن هناك إمكانية لذلك – ولكن في التصدي لمشكلات السينما، إنتاجا ومشاهدة، المتراكمة عبر حكومات مختلفة ومختلة. ناوشوا برامج الحكومات الثقافية وافكارها الغير فنية وتوجهاتها السياسية وهم ... "مش اد الحكومات"... فقط آمنوا بأن دورهم الريادي هو في تأسيس قاعدة إيجابية لإبداع وتلقي الفن السينمائي وهو دور أهم من نجاحهم الشخصي. فتحملوا التخطي الوظيفي، والفصل التعسفي، والتحقيقات الأمنية والفقر وما إنفكوا يعافرون في مسألة السينما... سيموتون علي أسرَّتهم كما مات خالد إبن الوليد، فأين جراح الهامسين؟؟؟؟

 

** هل من ثَّمَّة أفق لسينما سودانية؟

 

  • نحن بلد غير مرئي أو مسموع في قرن تميزت حضارته بالصورة والصوت. بعضهم جهُولٌ لا يعي ماهية السينما، ولبعضهم هي حرام، والخبثاء منهم يخافون هذا البعبع الذي يزلزل أرجاء العقول المغيَّبة ... المجتمع في حاجة لان يري نفسه علي الشاشة لينشغل بهويته، بتاريخه، بحاضره وبمستقبله ولأن يتفكر في تعبيره عن نفسه وفي رؤيته للعالم... لابد للبلد من صناع سينما يحكون قصته ويعبرون عن افكاره... كما وأن التبادل الثقافي إصبح ضرورة، أن لم يكن لديك ما تبادل به فأنت في عزلة وضباب وفي ورطة إتصال تستقبل العوالم الاخري وليس لك عالم تطرحه.

أظن ان الحكومة مقرونة بالقطاع الخاص يستوعبان هذا كله، ولكن تغيرهذا الحال يستوجب منهما خلخلة القبضة. وفكفكة الهيمنة تقود الي ما يكرهان ... الحرية ... حرية المبدع، حرية الإبداع و حرية الجماهير المتلقية للإبداع ... 

أري ثَمَّة سينما سودانية ولكن الظلام  يحُول دون رؤية افق لها.

 

 

 

 

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )