ويسألونك عن نفي الصراع الطبقي..قل لمصلحة من..؟؟؟؟ (2)

حول رؤية الدكتور شمس الدين ضو البيت لمفهوم الصراع الطبقي

  • الصراع الطبقي هو نتيجة حتمية وضرورة تاريخية فرضتها ظروف التضاد في الوضع الاقتصادي والتناقض بين مصالح الطبقات.
  • سوف يظل الصراع الطبقي في السودان مستمرا طالما هناك فقراء لا يجدون حق العيش الكريم.
  • الوعي الطبقي وسط الطبقة العاملة السودانية كان متجذرا ومتعمقا الي أبعد الحدود.

بقلم / طارق علي

((ان الماركسية لم تكن نبتا بروس، ولا كانت مذهبا مغلقا، بل كانت خلاصة نظرية وعملية وتطويرا مبدعا لما توصل اليه الفكر الانساني عبر العصور ـ التيجاني الطيب بابكر)).

ضمن سلسلة (قراءة من أجل التغيير) التي يصدرها مشروع الفكر الديمقراطي صدر كتاب جديد للدكتور شمس الدين الأمين ضو البيت بعنوان (حول التناقض المركزي في السياق السوداني : طبقية أم تراتبية سلفية) وهو الكتاب رقم (63) من هذه السلسلة، وقد أسس الكاتب لكتابه بمقال مطول تحت ذات العنوان نشر في العدد السادس من مجلة (الحداثة السودانية) الصادر في شهر مارس من هذا العام  وذلك في ملف خاص حول (الدين والدولة في السياق السوداني). ولذلك ان هذا الكتاب الذي نحن بصدد مناقشته هو ـ في تقديري الخاص ـ توسعة للمقال الذي أشرنا اليه حيث صدرت الطبعة الاولي من الكتاب في يوليو 2017م، علي ان ذلك لم ينتقص من قيمة الكتاب الفكرية والمعرفية، فالدكتور شمس الدين كما هو معروف باحث ومترجم وناشط في المجتمع المدني ومفكر سوداني معروف أسهم في رفد المكتبة السودانية بعدد من مؤلفاته وترجماته القيمة ـ غض النظر عن الاختلاف او الاتفاق حولها ـ . ولكن في تقديري ان كتابه الأخير أثار فيه عدداً من القضايا المتعلقة بالحزب الشيوعي السوداني والنظرية الماركسية التي يستند عليها الحزب في تحليله واستقرائه للواقع السوداني وبالتالي (التوسل) بها من خلال منهجها المادي الجدلي للوصول الي حلول جذرية للمشكل السوداني في كافة تجلياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. والكتاب يشتمل علي مقدمة وتسعة فصول هي بالترتيب علي النحو التالي : (في البدء كانت الثقافة)، (الفكر الطبقي والواقع السوداني)، (المارد المتخفي)، (القطاع الحديث علي حساب القطاع التقليدي)، (الاستراتيجية المزدوجة للسلفية العالمة)، (فلاسفة الرجعية يصعدون)، (التراتبية السلفية)، (تقاطع الديني والجهوي)، واخيرا (مهام الفكر السياسي الجديد). وهنا أستميح القارئ وارجو منه ان يلتمس لي العذر في انني مضطر لايراد بعض الاقتباسات ـ المطولة بعض الشئ ـ من هذا الكتاب وذلك حتي لا أخل بالسياق الذي وردت فيه هذه الاقتباسات... 

مواصلة لسلسلة المقالات التي خصصناها لـ(الحوار) مع كتاب (حول التناقض المركزي في السياق السوداني ـ طبقية أم تراتبية سلفية) للدكتور شمس الدين الأمين ضوالبيت تأتي هذه الحلقة الثانية والتي سوف تعقبها حلقة ثالثة ونختتم هذه السلسله بحلقة أخيرة هي الحلقة الرابعة، ففي الفصل الثاني من الكتاب يشير دكتور شمس الدين الي ان السودان ليس به طبقات ـ بحسب التعريف الماركسي للطبقة ـ ويقول أيضا : " وهل التكوين الطبقي في مجتمعنا راسخ وبتلك القوة لكي يكون العامل الرئيسي والمفتاحي في التطور الاجتماعي والاقتصادي في بلادنا.؟؟" ويصل دكتور شمس الدين الي خلاصة بعد قراءات في كتابات بعض الاقتصاديين السودانيين مثل دراسة الدكتورة فاطمة بابكر حول الراسمالية السودانية أطليعة للتنمية؟. ودراسة الدكتور محمد زين شداد حول طبقة التجار، ودراسات للدكتور صدقي كبلو حول "النخبة والطبقة والجهوية والاثنية" و"من يقود الرأسمالية السودانية.؟" فضلا عن قراءة الكاتب الدكتور شمس الدين لكتاب "صراع السلطة والثروة في السودان لـ" تيم نبلوك" الذي عمل استاذا بجامعة الخرطوم في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، ولا شك ان معلومات تيم نبلوك غزيرة وواسعة عن الحركة الوطنية السودانية. بعد كل تلك القراءات الموسعة يصل الدكتور شمس الدين الي الفقرة التالية من كتابه والتي تقول " وكما رأينا فان خلاصة هذه الدراسات ،ان تطور بلادنا متَّسمٌ بكون ان القطاع الحديث الذي يمُور بالنشاط والحيوية قطاعٌ ضعيفٌ نسبيا، مع اتساع القطاع التقليدي الذي ضم الاغلبية الساحقة من السكان، فالتكوينات الطبقية في المجتمع السوداني كانت أضعف وأقل تماسكا وأكثر هشاشةً من ان يكون لها دور رئيسي في تطور السودان الاجتماعي والاقتصادي، فهذه التركيبات الطبقية ـ بمفهوم نيبلوك ـ والتي لا ترقي لتعريف الطبقة ظلت ترتكز دوما علي تكوينات أقوي منها واكبر تأثيرا مثل التكوينات الطائفية والقبلية والدينية والاثنية والبيروقراطية المرتبطة بأجهزة الدولة، كما ان إعطاء الصراع الطبقي دورا رئيسيا واعتباره التناقض المركزي في المجتمع السوداني بدءأ من تلك المرحلة لا يعدو ان يكون نموزجا للطريقة التي تعمل بها الآيدولوجيا من محاولات حشر الواقع الاجتماعي الحي في أطر مفاهيمية جاهزة قد لا تنطبق عليه ثم البناء عليها والعمل وفقها" انتهي كلام دكتور شمس الدين.

 

في الحقيقة ان هذه الفقرة من كتاب الدكتور شمس الدين تثير عدة تساؤلات اهمها : ما هو مفهوم الصراع الطبقي لدي دكتور شمس الدين.؟؟ وسؤال آخر ايضا حول ماهي تلك الأطر المفاهيمية التي يسعي الحزب الشيوعي الي (حشر) الواقع الاجتماعي الحي فيها..؟؟ وسؤال آخر أيضا : ما هي العلاقة بين ضعف القطاع الحديث نسبيا الذي يمور بالنشاط والحيوية ونفي الصراع الطبقي في المجتمع السوداني..؟؟ ثم ما هو مفهوم الطبقة لدي الدكتور شمس الدين ضوالبيت..؟؟

 

فالصراع الطبقي هو نتيجة حتمية وضرورة تاريخية فرضتها ظروف التضاد في الوضع الاقتصادي والتناقض بين مصالح الطبقات المختلفة، اما المصالح الطبقية  فيحددها وضع الطبقة المعنية في نظام الانتاج الاجتماعي، ففي التاريخ القديم كانت طبقة العبيد محرومة من أي ملكية، بل كان (العبيد) انفسهم هم ملكية لغيرهم من طبقة (الأسياد) ولهذا كان العبيد هم المعنيين أكثر من غيرهم في تصفية اسلوب الانتاج الذي زجَّ بهم في هذا الوضع وبالتالي القضاء علي النظام السياسي الذي كان الذي كان يشكل غطاءا لحماية مصالح طبقة الأسياد. واذا عدنا الي الوضع في السودان لنستبين الوضع الطبقي وما اذا كان لدينا فعلا طبقات في السودان ام لا توجد طبقات كما يعتقد دكتور شمس الدين، ويمكن ان نعود الي دراسة التركيب الطبقي للدولة السودانية الي ما قبل الحكم التركي المصري او الي ما قبل دولة سنار ولكن سوف نقتصر في هذه الدراسة فقط الي التركيب الطبقي في السودان عشية اعلان الاستقلال.

 

يقول "تيم نيبلوك" في كتابه "صراع السلطة والثروة في السودان" الصادر عن دار عزة للنشر ان المجتمع السوداني في نهاية الحكم الثنائي (1956م) كان يتكون من ثلاث (مجموعات طبقية) عريضة هي الطبقة البرجوازية النامية وكانت تتمثل في كبار التجار بحكم سيطرتهم في مجالات هامة علي النشاط الاقتصادي،وبجانب فئة كبار التجار هناك ايضا فئة كبار الموظفين والمهنيين المتحالفين مع طبقة كبار التجار، ثم الطبقة الوسطي، ويشير "نيبلوك" ان طبيعة هذه الطبقة تتضح من اسمها وان هذه الطبقة تتكون من شبه المهنيين والموظفين المتوسطين والعاملين ومجموعات صغار التجار والرعاة ويعتمدون بشكل أساسي علي العمل المأجور، واخيرا طبقة فقراء المدن والأرياف وتشمل هذه الطبقة غالبية سكان السودان الذين يعيشون في مستوي الكفاف وان الفئات التي تشملها هذه الطبقة الواسعة هم العمال الحضريين، ومجموعات البدو والمزارعين المتوسطين والفقراء والعمال الريفيين والمزارعون الذين يعتمدون علي عملهم وعمل افراد اسرهم. (أنظر صراع السلطة والثروة في السودان ـ ص 108الي109) فهذه خارطة طبقية واضحة لما كان عليه السودان عشية الاستقلال رغم حذر السيد تيم نبلوك الشديد من ان يطلق عليها مصطلح (طبقة) فأسماها (مجموعات طبقية) كما نجده احيانا يستخدم مصطلح (فئة) واحيانا أخري يستخدم مصطلح (طبقة) الأمر الذي قاد الي التشويش علي القارئ كما نجد أيضا التماهي الكامل بين وجهتي نظر تيم نيبلوك ودكتور شمس الدين في هذه النقطة والتي استند عليها دكتور شمس الدين في نفيه لوجود طبقات أصلا في السودان. ولكن في مكان آخر من كتاب صراع السلطة والثروة في السودان نجد السيد تيم نيبلوك يقول : " في 12 يوليو 1947م قام العمال بتنظيم مظاهرة سلمية حتي مباني الرئاسة وذلك بهدف تسجيل احتجاجهم ولاقناع الادارة بان غالية العمال تقف خلف هيئة شؤون العمال، وعندما اقتربت المظاهرة من مباني رئاسة المصلحة اعترضتها قوات الشرطة ومنعتها من الاستمرار في طريقها وسمحت فقط لرئيس هيئة شؤون العمال بتقديم مذكرة الاحتجاج للادارة ولكن العمال أصروا علي استمرار مظاهرتهم وتقديم المذكرة بحضور العمال جميعهم ـ صراع السلطة والثروة ـ ص 126" ففي هذه الفقرة تحديدا نجد ان الوعي الطبقي وسط الطبقة العاملة السودانية كان متجذرا ومتعمقا الي أبعد الحدود وان الصراع الطبقي كان محتدما الي أقصي مدي، وسوف يظل الصراع الطبقي في السودان مستمرا طالما هناك فقراء لا يجدون حق رغيف الخبز او حق الحصول علي التعليم والدواء أو حق العيش الكريم في بلد آمن من الحروب وموجات النزوح في ذات الوقت الذي ينعم فيه اقل من 5% بموارد الدولة السودانية ويعيشون في الفلل والقصور ويرفلون في حياة مليئةٍ  بالمباهج وكأنهم لا يعيشون في هذا السودان.

 

نقطة أخيرة اريد ان أختم بها هذه الحلقة الثانية من الحلقات التي خصصناها لمناقشة كتاب الدكتور شمس الدين الامين ضوالبيت وهي تلك التي يقول فيها الدكتور : "ان اعطاء الصراع الطبقي دورا رئيسيا واعتباره التناقض المركزي في المجتمع السوداني لا يعدو ان يكون نموذجا للطريقة التي تعمل بها الآيدولوجيا من محاولات حشر الواقع الاجتماعي الحي في اطر مفاهيمية جاهزة قد لا تنطبق عليه ثم البناء عليها والعمل وفقها" فلو رجع الدكتور لبرنامج الحزب الشيوعي الذي أجازه الحزب في المؤتمر السادس وما يخص تعامل الحزب مع الماركسية لما قال مثل هذا الكلام. فبرنامج الحزب عالج مسألة الاسترشاد بالماركسية في الفقرة التالية " نحن نؤكد علي ان النظرية الماركسية ليست عقيدة جامدة بل هي علم ولا تقبل الانغلاق وبذلك فهي مفتوحة لاستيعاب أفضل ما ينتجه الفكر الانساني وما يكتشف من معارف، ومن هذا المنطلق فاننا لا ننكفئ علي الماركسية كعقيدة جامدة بل نسعي بعقل جماعي مفتوح لاستيعابها والاسترشاد بها لدراسة وفهم الواقع السوداني وتغييره بانجاز مهام مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وتهيئة الشروط المطلوبة لولوج مرحلة بناء الاشتراكية، ونحن اذ نناضل من أجل  تحقيق هذه الغاية نحرص علي ان لا ننمي أي حساسية مرضية مسبقة ازاء أي أداة منهجية حتي لو لم تستند الي الماركسية، بل لا نستنكف ان نعطي حتي في هذا السياق  الاعتبار الراغماتي الكافي لما قد يطرحه الواقع حولنا من معطيات  لا يمكن ان يسقطها او يغفلها سوي عقل مغلق ـ راجع برنامج الحزب" فما نسميه الآن بالماركسية لم يتشكَّل دفعة واحدة بل تمت وتحددت عبر خبرة طويلة من المعرفة الفلسفية والعلمية والممارسات النضالية والعملية، وقد نتبين في بعض مفاهيم النظرية الماركسية ـ كما يقول المفكر الماركسي محمود أمين العالم ـ اختلافات في التركيز علي بعض الجوانب أو في بعض الدلالات، ولهذا فقد تكون النظرة التاريخية والموضوعية لماركسية ماركس هي متابعة تطوره الفكري لا من حيث ماجاء في كتاباته ومواقفه فحسب، بل من حيث علاقة هذه الكتابات والمواقف بالسياق الاجتماعي والتاريخي والثقافي الذي نشأ وعاش فيه وتأثر به كارل ماركس. (نواصل)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )