حتمية نهوض اليسار ومفاهيم جديدة

نكذب على أنفسنا اذا قلنا أننا لا نشعر بالخوف وينفرد بنا القلق ونحن نواجه التحديات ونتحسس طرقا وعرة نحو مستقبل لم نُعد له مساهمة، ونحن في هذا الفضاء الواسع من تدفق المعلومات والمعرفة..ولا زالت توجد صور كاركاتورية قديمة في مؤخرة أدمغتنا عن المستقبل وإنكفأنا على الماضي نزور ونختلس بعض الإجابات للحاضر، وكأن الحاضر لم تشكله ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة، وفي الفكرة صالحة لكل زمان ومكان في مجال السياسة هذه الاشكالية هي التي أعاقت كل محاولة في الاجتهاد والتحرر من أثقال الماضي، وهذا الاعتقاد لا يستطيع مقاومة حقائق العلم والمنطق ولا تصاعد الاعتراف بحقوق الإنسان وحتمية التطور.

نحن اليوم أمام تحديات كبيرة في كيف نطرح طرحا جديدا متقدما وراقيا مستصحبا انجازات العلم والتكنولوجيا، ومستجدات الواقع في حاضر جامح منفتح لا يعرف احتكارا للمعرفة، ندرك بأن الفكر هو نتاج العقل الإنساني وهو ملكية عامة، ولا يمكن وضع علامة حصرية أو إدعاء الملكية الفكرية المطلقة التي لا تؤمن بحق الانتفاع. إن التحدي هو كيف يمكن تجاوز الأدوات والأساليب القديمة التي ما عادت تحمل شيئا من الإشعاع والإلهام. كل شيئ في هذه الحياة مرحلي وأن الفكرة إذا لم يطالها إعمال العقل تصبح ماضوية.. نحن اليوم في حاجة لهذا النوع من الملهمين والمبدعين لإضاءة قضايا فكرية إنزوت بعيدا في ظل الاهتمام المفرط بتفاصيل السياسة وبرزق اليوم باليوم، والتكدس اليومي للأحداث الذي لا يعطي فرصة للتحليل.

هنالك تحولات عميقة جرت ولا زالت تجري مثلا تركيبة الطبقة العاملة في ظل القدرة التكنولوجية تركيب الفلاحين في ظل الاستيلاء على الأراضي وتهجير واضمحلال دور الطبقة الوسطى وصعود المجموعات النازية الجديدة، وتكدس الثروة في يد القلة وعدوانية رأسمالية والكثير من المهن سوف تختفي دور المرأة في المجتمع...الخ

لا يمكن تقييم السياسة من وجهة النظر الاخلاقية الصارمة وهي في حالتها الدينامية وحالة تساميها التي تقبل أن توضع في قالب جامد.

إن وضع بعض المفردات والمفاهيم في حالة من التضاد والتناظر يخلق حواجز أحيانا يصعب كسرها، وفي حالة مفهومي اليسار واليمين فأن التوصيف والتقسيم المتعسف الذي لا يراع تداخل خطوط التلاقي والتلاشي، ويخلق تعقيدات أكثر من أن يقدم حلولا ومشاريع ذات معنى وفي ظل اختلاط المفاهيم والتشويش تبقى هنالك ضرورة للمراجعة، وإضافة معاني ومضامين جديدة للفهم وليس هنالك مفهوما واحدا جامدا. فان الكل في حالة تبدل وتغيير ومن يتوقف أو يتكلس سوف تعصف به أيضا رياح التغيير وقوانين التطور الاجتماعي العابرة للجمود.

إن اعتماد معايير حديدية في التصنيف كما في حالة مملكتي الحيوانات والنباتات لتقسيم البشر وإضفاء سمة خالدة، هذا يتعارض مع دياكتيك الأشياء.

إن الجمود آفة صامته تتخلق ايضا في رحم التجديد هذا اشتباك قديم بين قبول الافكار الجديدة والتوقف عند محطة الجمود، التي تريد قطع المسافات بنفس خيول الفكر المنهكة بالشيخوخة. الحديث عن الدور المرتقب ليسار حتمي وهنالك مؤشرات وحصيلة ملموسة على الارض، وخاصة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية تتمثل في محاصرة الدولة الوطنية تركيعها بالعقوبات الاقتصادية والابتزاز في سداد المديونيات والحروب ونهب الموارد وانتهاك سيادستها الوطنية بفقدان القرار الوطني أو باقامة القواعد العسكرية او جعلها جزءا من تحالفات عسكرية تتعارض ومصالح شعوبها.

تجد تبعا لتلك السياسات تمركزا للثروة في ايدي اقلية ونجد ان الفقراء والمهمشين هم الذين يدفعون ثمن الرفاهية وتراكم رأسمال الهجمى لهذه النخب وهذا يحرمهم من الحق في الخدمات الاساسية ويضعهم في خانة البطالة والتشرد ومتلقيِّ للصدقات والتعاطف الكاذب وهم يخسرون يوميا حقوقهم وممتلكاتهم.

هنالك بلا شك تراجع عن مفاهيم العدالة الاجتماعية وقضايا التنمية لتحل محلها مفاهيم حرية السوق وهيكلة المؤسسات والاصلاح المؤسسي وبناء القدرات وتمكين المرأة وأن المنظمات الدولية أسند إليها مهمة إعادة تدوير وتسويق هذه المفاهيم وهذه التوجهات.

هنالك تراجع ملحوظ في مجال القيم الإنسانية كاحترام حقوق الإنسان وخيارات الشعوب، بل زادت الفجوة المعرفية والمعلوماتية ويتم دعم الاستبداد والمستبدين بحجة حماية المصالح الحيوية للغرب، وتجرى محاربة الاحزاب عبر صيغ جديدة كتمكين منظمات المجتمع المدني والجماعات ذات التوجهات النوليبرالية.

وفي ظل تراجع وانحسار اليسار وجدت الجماعات اليمنية المتطرفة والنازية والشعبوية المسرح معدا تماما للعبث، واستغلت بذكاء فشل المؤسسات اليمينية التقليدية وفقدان الثقة في قياداتها، هذا وفر لها معبرا لتسرق وتستلف شعارات اليسار في العدالة الاجتماعية، ونظام الرعاية الصحية والنظام الضريبي العادل وبيئة نظيفة ومستدامة والحق في العمل وبجانب حماية الصناعات الوطنية.. الى هذا التشويش الذي ساوى بين اليسار واليمين المتطرف وبين الشعبويين والقوميين أعطى زخما للشعبويين والقوميين والنازيين الجدد على حساب اليسار لاعتبارات ليس منها مخاطبة الحساسيات التاريخية، لكن بأن هذه الجماعات تختبر لأول مرة وان اليمين التقليدي واليسار قد اختبارا من قبل ، وهنالك شكوك حقيقية حول مصداقيتهم عندما يجلسون على كراسي الحكم، وأن الجديد في هذه الحالة يجد قبولا لان البرنامج مبنيى في الأساس على العواطف وحسابات الأنانية والإقصاء.

وعلى الرغم من هذا الارتباك في المشهد السياسي في الجماعات الشعبوية والنازية ومستقبل لها لأنها صدى لحالة وردة فعل وتحصن نفسها بالعواطف والحساسيات والكراهية وتأجج لانقسام المجتمعات على أسس عريقة وطائفية، وتدعو علنية للحرب واستعمال القوة في استبعاد الشعوب، أن الممارسة كشفت زيف هذه الأكاذيب أهم مع حرية السوق والنهب ومع رأسمالية بلا كوابح إنسانية.

إن أحاديثهم عن القيم الإنسانية هو مجرد أوهام ودعاية لا تصمد أمام ممارساتها.إلى أن اليسار في المنطقة العربية وعلى رغم من انحساره تراجعه يمكن أن ينهض مجدداً وعندما نتكلم عن اليسار فهو لافتة كبيرة ومدارس متعددة، وليس مطلوبا منه أن يذوب في كيان واحد، فالتعدد والتنوع سمة المنطقة وهذا يحتم الاستقلالية. وهو كتحالف ليس ضد أي قوى آخرى كتعبير عن أشكال الاستقطاب السابقة- يمين / يسار.

إن من الأسباب التي تجعل لدينا يقينا بأن اليسار يمكن أن يطلع بمهمة النهوض وإحداث حراك في المنطقة، ومن الأسباب أن اليسار نشأ في رحم معارك النضال من أجل الاستقلال والتحرر، ونشأ ضد الظلم والاستغلال ولقد وجد اليسار نفسه في قلب قضايا التحرر الوطني، وعدم مهادنة المستعمر وبقاياه من العملاء المحليين، وظل اليسار يناضل من أجل أوطان تسودها القيم الإنسانية والعادلة الاجتماعية، وإن لليسار السبق في نشر الوعي والاستنارة.

ان كل هذا لا ينفى بان بعض الاطياف قد ارتكبت بعض الاخطاء في تحالفاتها او ساهمت في دعم انظمة مستبدة.

وهذا يتطلب منها الشجاعة في نقد كل ممارسة خاطئة في حق الشعب والوطن مهما كانت مبررات تلك الخطوات.

ولكن لا يمكن ان  تشكك أي جهة كانت في موافقها المبدئية ضد الظلم وقضايا العدالة.وهذا بالضبط ما يؤهلها لان تلعب دورا جديدا في قيادة الجماهير اذا ما قامت بإجراء مراجعات شاملة لأدوات وأساليب عملها وقراءة احتياجات اللحظة التاريخية- وأن اليسار سيبقى هو الحصان الأسود الذي سيقود والذي تخشاه دوائر النهب والتبعية.

إن اليسار ليس لافتات أو صورا لابطال عبروا عن زمانهم ان اليسار هو برنامج متجدد وابطاله يولودون في لحظة الفعل الثوري، وأن برنامج اليسار في حده الأدنى هو دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية واحترام التنوع والتعدد وان كل من يعبر عنه هذا البرنامج يصبح جزءا أصيلا منه بغض النظر عن انتمائه لاي تنظيم إن كان يرفع صورة ماركس أو المهدي.. الخ وهذا ما يدعو الى ان نطور مفاهيمنا لايجاد صيغ جديدة اكثر مرونة تستوعب الغالبية التي ترتبط مصالحها مع برامج اليسار للعدالة الاجتماعية؛ ومواجهة المخططات الرأسمالية التي باتت تهدد المنطقة والعالم.

إن المشكلة ما عادت في تبني الشعارات الفخمة مهما كانت ثوريتها او التحشيد المخاطبات المتكررة التي تحكي وتؤثر لخطأ الاتجاه، وليس التحدي في عدم وجود رؤية او حلم او الايمان بالحتميات، لكن التحدي في كيفية ايقاظ الحيوية الثورية والاستعداد للتضحية عبر برامج محددة تراعي الاحتياجات والقدرات. إن التحدي في كيف يتم استعادة الجماهير الى دائرة الفعل الثوري والتحرر من عقبة الفرجة والانتظار الى جماهير فاعلة في عملية التحولات الاجتماعية، لها القدرة على الاختراق لكي تضيئ طريق الثورة للآخرين، وهذا لا يمكن أن يحدث دون تحديد الخلل في أدوات وأساليب العمل.إن اليسار يجد نفسه أمام هذا الواقع الشائك، لكن ليس امامه من خيارات غير حمل هذه الاعباء باعتبارها جوهر القضية والنضال.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+