كوارث  تتجدد كل عام  

الخرطوم... "تغرق في شبر مويه"

قرشي/ أنطوني

ظللنا فى هذه الصحيفة منذ 2007 فى كل خريف نتابع الكوارث التى تخلفها الأمطار فى مناطق مختلفة من العاصمة والولايات والحصيلة دائماً...وفيات وانهيار منازل ومدارس .. تعطل حركة المرور ، والعديد من شوارع الأسفلت طالها التجريف، وكما هي العادة، تصبح العاصمة في كل خريف بركة كبيرة من المياه الآسنة وما ينتج عنها من أوبئة وأمراض.

هذه المظاهر لا تقتصر على الخرطوم، بل تشهد المدن الأخرى نفس الحال في مواسم الأمطار،رغما عن مواقيت الخريف المعلومة، لكن يبقَ التقصير والإهمال هو طابع السلطات الرسمية التي لا تبالي بالإضرار التي تنتج، إذ لا يتعدي اهتمامها فقط تحذير المواطنين الذين يسكنون بالقرب من شواطئ النيل من الفيضان.

على الجانب المقابل يعلن المسؤولون عن تخصص الأموال لتأهيل البنيات التحتية،ومن ضمنها مجاري الأمطار وقنوات التصريف دون أن يكون هنالك فعل حقيقي على الأرض،مما يعني أن هذه الميزانيات تذهب في غير وجهتها.

النظام يتحمل مسؤولية الموت والتشرد الذي يعانيه المواطنون كل عام،والمياه التي تحاصر البيوت ثم تسبب انهيارها،وأسلاك الكهرباء ولافتات الإعلانات التي تهوى فتقتل الأطفال تنبأ بلا شك عن مدى القصور الحكومي، أن إمكانيات الأفراد في كل حي تعجز عن إيقاف الأضرار الفادحة وفقدان الأرواح.

إن القصور الرسمي غير مبرر،فالنظام ينتزع قسراً الأموال من جيوب المواطنين.  

كعادتها التي جبلت عليها، الخرطوم وعند هطول الأمطار، كثرت أم قلَّت(تغرق في شبر مويه)وتتكون البرك داخل الأسواق والأحياء السكنية، وما يتبعها من توالد البعوض وانتشار الأمراض ويُحمِلٌّ المسؤولون ببعضهم البعض تبعة ما حدث.

  • الميادين البحرية

 تحولت الميادين والشوارع في منطقة الدروشاب والسامراب إلى مسطحات مائية، تخوض فيها السيارات والمارة حتى محطة (الطلمبتين) على طريق الكدرو.

وفي الحاج يوسف قال أحد المواطنين في اتصال بـ"الميدان"("محل ما تَقبِّل مويه") والشوارع الداخلية تصعب فيها الحركة ولا توجد أماكن تصرف إليها المياه، وشوارع الظلط أدني من مستوى المنازل، لذلك فأن المياه التي يخرجها الأهالي من بيوتهم تغطي الشوارع، وتكون البرك والمستنقعات في وسط الحي، والسبب أن المصرف الرئيسي مقفول  بسبب النفايات.

وفي المايقوما بحسب أحد المواطنين المياه كثيرة، ولا توجد مجاري داخلية، وحتى المجرى الرئيس عبارة عن خور يحجز المياه ولا يصرفها.  و الشوارع المسفلتة/ الظلط منخفضة من البيوت مما تسبب في توقف حركة المرور. وكثير من الناس وصلوا حلة كوكو بالركشات، التي تصل أجرتها إلى"10"جنيهات، كما أن بعضهم عادوا إلى منازلهم لم يذهبوا إلى العمل، ومن محطة"16"حتى محطة"20"عبارة عن بحر، وكذلك الحال بين محطة"9"واللفة الثانية.

هذه المشكلة سوف تقابلنا في كل احياء العاصمة، لكنها تزداد خطورة في الخرطوم. حيث المصرف الرئيسي الذي يشق المدينة من الشرق إلى الغرب حتى يصل النيل، عبر شارع الهواء، الطريق إليه مردوم ولا تصله المياه فتعود أدراجها إلى باطن الاحياء، فتتدفق عبر الشوارع الرئيسية والجانبية ، ويزداد الأمر خطورة في منطقة جبرة فالوضع على حد تعبير أحد المواطنين:(بطااال)حيث شارع الركشات من بداية الصحافة حتى نهاية الخط مملوء بالمياه، كذلك الشارع جنوب مكتب الكهرباء حتى محطة"7"بالصحافة والمربعات"2ـــ3ــ4" شوارعها مليئة بالطين ويصعب المشي عليها، وأن المجرى الرئيسي من "نادي سباق الخيل" حتى "كلية البصريات" جنوباً لا يصرف المياه،  فتعود ادراجها وتستقر في الميدان جنوب نادي جبرة الذي تحول إلي بحيرة.

في جنوب الحزام الأزهري قال المواطنون :"لا يوجد تصريف  والمياه ثابتة في الميادين، مع أن بعض الاحياء بها خيران،  لكن لا يوجد خور رئيسي لتصريف  المياه خارج الحلة، والمياه مع النفايات عاملة مشاكل كبيرة".

وفي جولة قامت بها "الميدان" بالخرطوم تأكد خلو المصارف الرئيسية من المياه، في الوقت الذي تحتقن بها الاحياء، خاصة المصرف الرئيسي الذي يشق المحلية من الشرق إلى الغرب عبر شارع الهواء ليصب في النيل، ويعتبر منفذ للاحياء الشرقية والغربية معاً.

  • تحول إلى جزر معزولة

الشعبي أم درمان ...  وضعٌ كارثيٌ

الحالة الراهنة للسوق الشعبي أم درمان دليل كافٍ لفشل المحلية للاستعداد لخريف هذا العام ( مطرة ) واحد سقطت معها أقنعة الخداع والمساحيق التي ظلت تضعها محلية أم درمان على الطرق الرئيسية في قلب العاصمة الوطنية.

بيد أن أسواقها كشفت كل القبح المستور. والأسوأ أن هذه الأمطار تساقطت فوق أكوام النفايات المنتشرة داخل أكبر سوق لبيع الخضر والفاكهة في المحلية وأكبر تجمع للمواطنين الذين يدخلون إلى العاصمة المثلثة ويخرجون منها إلى كثير من أقاليم السودان سيَّما الولايات الغربية والشمالية .. مشاهد مأساوية داخل السوق مياه آسنةٌ وانتشارٌ كثيفٌ للحشرات والبعوض وهوام الأرض، روائح كريهة تستقبل زوار السوق في منطقة الملحة والجزارات وسوق الخردة  .. مواقف مواصلات تحاصرها كميات كبيرة من الطمي الذي خلفته أول مطرة في بداية خريف هذا العام .. المجاري لازالت تحتفظ بالمياه والتي جمعت داخلها كميات كبيرة من النفايات وحولتها إلى منطقة مياه راكدة ومأوى للضفادع والحشرات الغريبة. .

رجلٌ خمسينيٌ  تظهر عليه حالة الإعياء والتعب السائق داود سعيد الزبير يشكو من هذه المشاهد ويقول أنها سببٌ رئيسي في أحداث الأعطال بمركبته العامة التي تعمل في خط المواصلات، علما بأن (جوز اللساتك  ) وصل إلى ما يقارب 4 مليون جنيه سعيد يقول لـ ( الميدان) (إن معظم السائقين تركوا المدخل الاستراتيجي للسوق من الناحية الشمالية الغربية مجبرين بعد أن تحول إلى برك آسنة حتى لا يعرِّضُوا مركباتهم إلى الأعطال خاصة في الفرامل واستهلاك الزيوت التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير. أضف إلى ذلك تعرفة المواصلات التي أصبحت غير مجزية)

معتصم إداري شعبي بملجة الخضار وصاحب  محل (ويكة وصلصة ) قال:( إنه يدفع رسوم نفايات 100 ورسوم صحة و رش دود، لكن المحلية مع ذلك مقصرة واقترح عمل صندوق خاصة لمعالجة مشاكل السوق البيئية) .

في شارع الخرد بالسوق  الوضع  أكثر من مأساوي  روائح كريهة وترسبات طمي أغلقت الشوارع الجانبية تماما ما خلق ازدحاما داخل السوق  يقول حاج حمدان (الوضع زي ما شايفين  لا يوجد حل ودا "اكل عيشنا"  ويضيف أن المعاناة تتفاقم عندما نريد أن نزود ورش السيارات التي نمتلكها ببعض المواد. أصحاب العربات التي تحمل كتل من الإسبيرات لا تستطيع الوصول إلى الورش ونضطر لحملها على الأكتاف ) .

أما حاتم محمد صاحب دكان اسبيرات بشارع الخرد يقول:( إن  الوضع صعب. المجاري محتاجة تأهيل  وإدارة النفايات تجمع الرسوم  من غير أن تقوم بواجبها،وهذه أول مطرة فكيف يصبح الوضع في بقية الخريف؟ نعمل على تقوية أسوار الورش وشوارعها عبر ردميات بالجهد الذاتي  وكل شخص يعمل لوحده أمام ورشته دون أن تتدخل الحكومة وتحل المشكلة )

موقف الشاحنات شرق "الملجة" البيئة أكثر بؤسا مما رصدنا من مشاهدات سابقة  أكوام النفايات توجد بكميات كبيرة وترسبات الطمي تفاقم من المأساة والمياه الآسنة.  يقول صاحب مكان لبيع البراميل البلاستيكية ( إنهم تأذوا من الوضع البائس جراء ترسب مياه الطمي والروائح المتعفنة لدرجة أنهم اعتادوا عليها،وأضاف المحلية قامت بطمر المجرة الرئيسي لإعادة تأهيله قبل الخريف ولم يحدث ذلك ما أدى إلى تراكم المياه بالمنطقة ).

أما في موقف كوستي وسوق الإخوان لإطارات البصات السفرية  فالطريق أصبح واحدا بعد إغلاق كل الطرق الأخرى في وقت يوجد بالمنطقة أكبر مجرى للمياه الذي تساقطت فوقه النفايات بفعل الرياح وحولته إلى مكان لتجمع المياه المخلوطة بالنفايات، استغل بائعات الشاي أطراف المجرى لبيع الشاي.

طرحنا هذه المشكلة على المهندسة المعمارية جيهان الشريف. فأجابت بأنها متعلقة بعدم العمل بين الخريف والآخر، حيث لابد أن تكون المصارف نظيفة، وجاهزة لأنها تحتاج إلى صيانة.  ولأن ذلك لا يحدث فأن المياه تجد المصرف مقفول. وتضيف جيهان ( هذا بافتراض أن المصارف نفسها مصممة بشكل جيِّد، ويمكن أن تكون غير ذلك) واضاف مهندس آخر أن عملية التنظيف اذا حدثت فانها تردم التراب والنفايات في مدخل المصرف فتمنع المياه من الدخول اليه.

وتعود المشكلة بحسب جيهان إلى عدم التنسيق بين وزارة التخطيط العمراني والاراضي ، في تصميم المدن.  ويتضح غياب مثل هذا التنسيق بين المؤسسات المعنية بتخطيط المدن من خلال الاحياء التي تغرق بالكامل، مثل المرابيع التي تقع أساساً في وادي، لكن عملية التعامل مع الآثار المباشرة هو بالطبع مسؤولية المحليات. كل الاحياء التي اتصلنا بها أو زرناها، أكدت عدم قيام أي جهد من قبل المحليات او اللجان الشعبية المعينة من قبل الحكومة بعد حل اللجان المنتخبة من قبل المواطنين.  وهم يعتقدون "أن الأمطار في الخرطوم تأتي مرتين أو ثلاثة خلال الخريف" وبحسب أحد المواطنين أنهم يرددون عبارة قالها والي الخرطوم الأسبق المتعافي في هذه الخصوص حينما غرقت الخرطوم في عهده.

 وكل الجهود المبذولة عبارة عن نفير شعبي يقوم به المواطنون ، وبلا خبرة.  وكل ما يفعلون أنهم يخرجون المياه من منازلهم إلى الشارع  أو من شارع إلى آخر ، لكنها تظل داخل الحلة ، ليسبح فيها الاطفال. وبعد يومين او ثلاثة سوف تستضيف جيوش البعوض، وتحدث الكوارث، التي يُحمِلها كل وزير للآخر كما حدث إبان كارثة الاسهالات المائية، حيث أنكرتها كل من وزارة الصحة ووزارة البيئة والتخطيط العمراني، مع أنها أصابت"16" ألف مواطن في الفترة من يوليو وحتى اغسطس2017م وتوفى منهم  "250"مواطناً بحسب تصريح وزارة الصحة. فالآن شوارع الخرطوم مليئة بالمياه وهى لا تحتمل أمطار إضافية ، وبالفعل بدأت المنازل تسقط.   

  

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+