كارل ماركس مفكراً

عبدالرزاق دحنون

يبدو لي أن العالم ينحو بعد مضي 200 سنة على ولادة كارل ماركس، باتجاه إعادة الاعتبار لطريقته في التفكير. فأنت تُصادف الآن في كل مكان في الجرائد والكتب ومواقع التواصل الاجتماعي كلمات: ماركسي, بلشفي, اشتراكي, لينيني, مادي, شيوعي, أحمر, وما إلى ذلك. وهي كلمات ليس لها معنى بدون هذا الفيلسوف الحكيم. ولو ذهبت إلى محرك البحث غوغل وكتبت كارل ماركس لوجدت في قسمه الانكليزي 94,500,000 نتيجة, وفي قسمه العربي 591,000 نتيجة, وهذه نتائج مذهلة على كل حال.     

ولو تأملنا في عدد من الكُتب والدراسات التي صدرت حديثاً في كل اللغات وأخذت عيّنات من كتاباته: رأس المال, بيان الحزب الشيوعي, الثامن عشر من برومير لويس بونابرت, نقد برنامج غوتا, مخطوطات ماركس عام 1844,رسائله مع رفيق دربه فريدريك أنجلز, سيرة حياته, أشعاره, نعم فقد كتب كارل ماركس شعراً في شبابه, والتي يتمُّ تناولها من قبل أعداد متزايدة من الناس لتأكدنا بأنه أحد أعظم الفلاسفة في كل العصور. إن القرّاء الذين يبحرون في أعماله للمرة الأولى، غالباً ما يكتشفون نمطاً إنسانياً تنويرياً وفكراً حراً يقود إلى دروب الحرية الرحبة ، بل قُل فكراً ثورياً خارقاً للمألوف. إنه أحد الذين تصوروا الكائنات البشرية المحيطة به تعيش حياة غنية ومتنوعة سعيدة ومرضية وحرة في مجتمع ما بعد الرأسمالية.

 لا يقتصر فكر ماركس على مشروع سياسي ثوري. فهو يقدم نقدًا أخلاقيًا لاغتراب الفرد الذين يعيش في المجتمع الرأسمالية. لأن الوعي الاجتماعي للأفراد يعتمد في الأساس على الظروف المادية التي يعيشون فيها. و بتتبعه تطور أنماط الإنتاج المختلفة  التي مرت فيها البشرية, يجادل بأن الشيوعية ستحل محل الرأسمالية الحالية وستكون نهاية الشوط في سلَّم الرقي الحضاري. والظاهر بأن هذه الفكرة الجوهرية التي كانت مستعصية كلياً على الفهم في زمانه أصبحت اليوم قاب قوسين أو أدنى من التجسد في عالم رأس المال المتقدم, بمعنى سيسير المجتمع البشري نحو التخلص من أوزاره ويُحقق نوعاً من العدالة الاجتماعية التي يطمح إليها البشر من آلاف السنين.

 ينظر بعض المفسرين إلى  نص "بيان الحزب الشيوعي" على أنه النقطة التي بدأت فيها أفكار ماركس في الظهور بشكلها الناضج. حيث يرى بأن الثورات البرجوازية في القرن الثامن عشر ربما تكون قد استفادت من طبقة غنية ومثقفة، ولكنها لم تتحدّ الأشكال الخاصة للهيمنة في المصنع والبيت والحقل.

يشرح ماركس مفهوم الفكر الثوري للطبقة العاملة، ويقترح أساس مهمتها التاريخية: إلغاء الملكية الخاصة-وهي واحدة من أنبل الأفكار على مرِّ العصور- وتحقيق التحرر من رتق عبودية رأس المال. و يجادل بأن العمال المعاصرين يُقصَون عن السلع التي ينتجونها و يُقصَون عن أدوات اتحادهم لذلك كان شعاره المشهور" يا عمال العالم اتحدوا" فبدلاً من تحقيق شعور بالرضى وتحقيق الذات في عملهم، فإن العمال يُستهلكون جسدياً وروحياً ومن ثمَّ يرمون على قارعة الطريق في أرذل العمر. والحل الأمثل في معالجة الاغتراب الحديث، هو: مفهوم إنساني للشيوعية يقوم على الإنتاج الحر والتعاوني وأن يضمن حقوق العمال والفلاحين كالصحة والسلامة والرعاية الاجتماعية, وألا يطرد العامل من عمله أو يستغنى عنه دون مكافأة كافية ليعيش حياته عزيزاً في مجتمعه.

وفي عام 1867نشر الجزء الأول من كتابه رأس المال و هو تشخيص نقدي للوضع الرأسمالي للإنتاج. وفيه، يشرح بالتفصيل المصدر الأساس للثروة في ظل الرأسمالية حيث نجد أن قوة عمل العمال  يستغلها الرأسماليون لمصالحهم الضيقة. إن العمال  يبيعون ناتج عملهم أو قوة أيديهم أو فكرهم إلى أي رأسمالي، ولكن بما أنهم يجب عليهم بيع عملهم من أجل بقاء أُسرهم على قيد الحياة، فإن أصحاب رأس المال يسيطرون عليهم ككل. ومن خلال عملهم، يعيد العمال إنتاج الظروف الاقتصادية لوجودهم ويعززونها، وكذلك الأمر مع الهيكل الاجتماعي والأيديولوجي لمجتمعهم.

وقد وضع ماركس هذه الفكرة في سياق مبكر من حياته وهو في السابعة والعشرين من عمره في مقال "موضوعات عن فورباخ" والتي كتبها في بروكسل في ربيع  عام 1845عندما أتم من حيث الخطوط الكبرى تطوير نظريته. يكشف ماركس في هذه الموضوعات النقص الجذري الذي يشوب على السواء مادية فورباخ وكل المادية السابقة, أي طابعها التأملي, وعدم فهم أهمية النشاط الثوري. وفي ختام هذه الموضوعات كتب جملته المشهورة  "الفلاسفة لم يفعلوا غير أن فسروا العالم  بأشكال مختلفة ولكن المهمة تقوم في تغيره" وقد قال فريدريك أنجلز أن هذه "أول وثيقة تحتوي النواة العبقرية للمفهوم الجديد عن العالم" نشر أنجلز لأول مرة هذه الموضوعات في عام 1888 في ملحق لطبعة منفردة لكتابه "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية" .

 

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+