تعقيدات الأزمة العامة وتجلياتها على وحدة العمل المعارض (2/2)

بقلم : أحمد الفاضل هلال

ربما تكون السمة العامة لهذه المرحلة وعلى مستوى العالم التراجع وانحسار تأثير القوى الحية في مجال الإلهام والمبادرة والتفاعل الثوري مع الجماهير والشواهد على قبور الانكفاء تبدو جلية من صعود الشعبوية ونازية جديدة وتطرف أعمى وتوحش للرأسمالية والتي تعمل على تعزيز الفوارق الاجتماعية الطبقية. ولا تأبه باستخدام العنف وتدمير الحضارة الإنسانية.

واذا تحدثنا عن ضلعين في الأزمة المعارضة والنظام فان هنالك ضلع ثالث لا يقل أهمية وهو قطاع عريض من الجماهير تظن بأنها دفعت بنفسها بعيدا عن الصراع وأنها محايدة وتعيش في سلام ولا يهمها ما يجري حولها وهذه وجهة نظرها من الأمور. ولقد ظهرت كتابات تتحدث هذه الظاهرة والأفراد ،ولقد أطلق اسم الشخصية المستقرة على هذا النوع من الأفراد والذي برمج على شفرات المعيشة والأسرة والرياضة.

هذه الظاهرة وسط قطاع واسع من المواطنين لا يمكن توصيفها بالجبن ولكن يمكن القول "بان هنالك جذور اجتماعية وتاريخية وبعامل الزمن أصبحت مثل هذه المواقف ثقافة وطوق مؤقت للنجاة. المجال لا يسمح بالسباحة والسياحة في أدغال التاريخ المهم هو وجود هذا النمط. ولا شك من أن البيئة تشكل وتطبع الفرد. إن الموقف السلبي من قضايا الوطن جاء لتراكم العنف والاستبداد والأبوية كأساس للإخضاع وحجب الآخر. إن الموقف السلبي الذي يتخذ دور المتفرج ويعتبر انه محايد لا يحسب لمصلحة قوى التغيير الاجتماعي، وإنما ينحاز بصورة غير مباشرة لمصلحة النظام. وهذه الشريحة تضم مجموعات مختلفة، جزء منها هم ضحايا الحروب والمجاعات وعاملين بالدولة يخافون على وظائفهم ومصالحهم ومواطنون عاديون يؤمنون بابوية الدولة كجهة تقدم الخدمات. هذا القطاع يبقى الأكثر أهمية لأنه الأوسع ويضم أكثر الجماعات تضررا من السياسات. ويصبح التحدي في كيفية إخراجها من المنطقة الرمادية وجعلها جزءا أصيلا من حركة التغيير الاجتماعي، وليس هنالك من وصفة جاهزة ومحددة لجر هؤلاء الى اتخاذ الموقع الصحيح. ولكن تبقى حالة أو الموقف الثوري رهين بموقف هذه الشريحة عندما تقرر بشكل قاطع الانحياز لإحدى المعسكرين والذي يعني تغيير وقلب موازين القوى "

إن هنالك جهة رابعة هي المجتمع الإقليمي والدولي ولا يمكن التقليل من دور واثر هذا المجتمع الدولي في توجيه السياسات الداخلية للعديد من البلدان وخاصة تلك التي تَقبعُ في وجود الأنظمة الشمولية وان الجديد هو أن المجتمع الدولي لا يسيطر على الأنظمة المستبدة ولكنه أصبح يهدد ويفرض عقوبات على القوى المعارضة التي تدعو الى ترسيخ الحريات وإحداث تحولات في البنيات الاجتماعية لمصلحة الغالبية. إن المجتمع الدولي وعلى رأسه الدول الرأسمالية لديها مواقف صريحة ومعادية لأي تحولات اجتماعية جذرية في المجتمعات وترى في مفهوم التنمية جزءا من الماضي وان شعار العدالة الاجتماعية لوثةٌ شيوعية وان حقوق الإنسان من أدوات نصبها القديمة.

إن المجتمع الدولي هو أداة الوصاية والهيمنة على موارد الشعوب ويعمل بشكل صارم على تركيع كل مشروع وطني واختراق ناشطي القوى الحية، والداعم الأساسي للأنظمة المستبدة والفاسدة وان المنظمات الدولية أصبحت أكثر فصاحة في التعبير عن انحيازها لأسيادها وعبرها يتم تمرير سياسات "الهبوط الناعم" عبر آليات العقوبات والطرد والتصفية كما حدث في حالتي كل من قرنق وخليل إبراهيم. وعلى الرغم من الدور المتعاظم للمجتمع الدولي في القضايا العالمية الا انه يمكن القول بان الإرادة الوطنية للشعوب إذا ما توحدت لا يمكن كسرها.

إن المجتمع الدولي في وضعه الراهن لا يمكن الوثوق به فهو يتعمَّد الصمت في الكثير من الجرائم ضد الإنسانية ولكنه كواقع يجب التعامل معه في حدود لا تتخطى الثوابت الوطنية.

هنالك جهة خامسة لا يمكن الاستخفاف بمقدراتها في التحشيد والتعبئة والتأثير على مراكز صناعة القرار وهذه الجهة هي الرأي العام وهي سلطة منظمات المجتمع المدني والتي تتبنى مواقف مناصرة للشعوب ضد الانتهاكات والاستغلال والسرقات. ولقد لعب الرأي العام دورا حاسما في حرب فيتنام والبوسنة. الخ. المهم كيف يمكنك استخدام هذه المنصات والأصوات لمصلحة القضية؟ إن عدم استغلال وتوظيف هذا الصوت الجزئي في الرأي العام العالمي يصبح من إحدى العوائق أمام قوى التغيير وتعطيل لصوت ايجابي يقف من حيث المبدأ مع العدالة والحقوق. وهذا حقل إذا عجزت القوى المعارضة في استثماره فان المستفيد الوحيد والرابح هو النظام.

كل هذه التقاطعات والتعقيدات لا تعني انسداد الأفق أمام القوى السياسية المعارضة عندما تكون شفافة مع جماهيرها ولديها مواقف صريحة معلنة والتزام أمام الشعب بعدم التراجع ولها القدرة على النقد الذاتي. إن عدم الوضوح والتذبذب في المواقف هو الذي يربك الجماهير ويفقدها الثقة في القيادة التي تصبح نخبوية وفوقية.

ويجب أن يُبدِّد الوهم بان شعار إسقاط النظام ليس هو القاسم المشترك الأعظم بين أطراف المعارضة لان هنالك قطاع يقف مع الهبوط الناعم وضد الإسقاط حتى عبر الوسائل السلمية ويستخدمون الفزَّاعات كلغة مشتركة مع النظام.

هنالك ضرورة في أن يعلن كل طرف موقفه بوضوح بدون الالتفاف حتى لا تكون هنالك تحالفات فضفاضة ومنقسمة على نفسها وإلا فان حالة السيولة السياسية سوف تستمر وتصبح التحالفات مواعين لحالة عجز مزمن.

إن كل نشاط يغيب أو يغيب فيه أصحاب المصلحة لا يكتب له الاستمرارية أو الوصول الى الأهداف المحددة. وتبقى الجماهير هي العقدة التي يجب حلها عبر تحالف واسع على قاعدة الديمقراطية.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+