في الماركسية وقضية الدين

بقلم : عبدالفتاح بيضاب

استدعت العودة لعالم الكتابة بعد انقطاع طويل أمرآن أعتقد أنهما مهمان جدا للآتي:

  • أولاً: مرور (200) عاما على مولد المفكر والعالم كارل ماركس والحادث في الدنيا بأسرها يشير لصحة ما وصل إليه من استنتاجات حول كونية نمط وعلاقات الإنتاج الرأسمالي وما الحقته بالبشرية من بؤس ونكد وفقر ومرض.
  • ثانيا: ماكتبه الأستاذ كمال الجزولي في جريدة "الميدان" عدد الخميس 2/8/2018 تحت عنوان" الشيوعيون السودانيون وقضية الدين" ومهم جدا التوقف حينا عند موضوعه، حيث هو أمسك جيِّدا بأساس الميِّزة النوعية للفكر الماركسي، والتي استندت على مقولة إنجلز( ليس على الثوري تفسير العالم ولكن مهمته هو تغييره) لأنها كانت عند الكاتب ساس ورأس ما قاله في تلك القضية ومنطلقاتها، داعيا الكتاب والمفكرين برفع راية النزال في هذا المعترك على المستوى الفكري والفلسفي والمضي قدما إلى منصات الهجوم بدلا من الانتظار في خانة الدفاع عما يحدث من إفتراءات وأقوال أثناء العملية السياسية فقط.

لكن العنوان بصيغته هذه"الشيوعيون السودانيون وقضية الدين" يوحي يعطي انطباعا خطيرا كأنما هناك أمرا ملتبسا حول قضية الدين في أصل الماركسية ومنطلقاتها الفكرية، بما يستشعر الحاجة لمعالجة(براغماتية) تسد ما أخلت به وضيعته الماركسية لنلفق واقعنا الروحي والثقافي والذي فيه الدين واقعا ومكونا مهما.

كما جاء في صلب الموضوع دعوة الكاتب للإفادة من العقلانية التي يرتكز عليها المفكرون في تيار المستنيرين من الاسلاميين في مقابل التيار السلطوي فان لم تكن هذه (مذهبية) فهي أشبه بها.(وعلى أي حال) فقد انتهت معاهد العلم والكليات الاكاديمية في تقسيم الفلسفة إلى نوعين (مطلقة) وأخرى(نسبية) فقد كانت الفلسفات المطلقة هي التي تفكر في الكون وسر خلقه ومبدأه وكانت بذلك مغالطتها الشهيرة في اسبقية الروح أم المادة !؟، هذه المغالطة وبما في مضمونها من جبرية للمفكر وقارئه بالانتماء لاحد معسكريها روحيا او ماديا خياران لا ثالث لهما، فتغيب صفة العلمية عن كلا المعسكرين الروحي والمادي باعتبار انهما ارتكزا على الخيال والتأمل وغائب عن مغالطتهم أدوات البحث العلمي. ومن ثم ينتج هذا النوع(المطلق) من الفلسفة عقلا الوهياً (اما مؤمن أو ملحد روحي او مادي) وكلاهما تغيب عنه صفة العلمية.

اما الفسلفة (النسبية) فهي على عكس من المطلقة فهي تفعل ادوات عملها على واقع ملموس ومحدد وفقا لمعطيات مادية كحقائق تبنى عليها فكرا واحيانا فكر ونظرية وعن ماركس فكرا ونظريا ومنهجا، ونتيجة لاعتماد الفلسفة النسبية على الحقائق من واقع محدد بذأ استحقت صفة العلمية. وهي بذلك تكون قد فكت رقبتها من ورطة مسألة الكون وسر خلقه تاركة حبل الايمان والالحاد على قارب المسؤولية الفردية وكذا تكون على اتساق في اطروحة حرية المعتقد مع احترام تام وملزم للاديان وكريم المعتقدات كما اضاء الاستاذ كمال الجزولي في مقدمة موضوعه بايراد فقرات ومعاني بالزام الحزب الشيوعي السوداني لعضويته باحترام الاديان والاستفادة من الدين الاسلامي كقوة دافعة لنضال الجماهير بما يه من قيم العدالة والحرية والكرامة الانسانية.

وحينما يأتي الحديث عن نسبية الفلسفة وعلمية الفكر يكون فيه عبد الرحمن ابن خلدون محطة لا تغادر حتى نرتوي من مائها المعين ونقتات بغذائها الذي يسمن ويغني من الجوع فرغم كونه عاش على نحو (4) قرون مضت من ظهور الماركسية ولكن يجمع العلماء والمفكرون على علمية الفكر الحلذوني من حيث هو نسبي في اختياره للمغرب العربي من حيث واقعه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وخلص الى نتيجة مفادها ان الاقتصاد والسياسة تعدهما المحركان الاساسيان لتاريخ البشرية ورغم علمية فكرة واستطاع الخروج بنظرية علمية في علم الاجتماع الذي يعد هو اول مؤسسية بسبب من ان تاريخ المغرب العربي الاقتصادي والاجتماعي وانماط الانتاج السائدة(ما قبل الراسمالية) كان التاريخ يذهب عنها قدما للامام نحو نمط الانتاج الراسمالي وعلاقته الشئ الذي كان وما زال يعتبر مقياسا للتطور.

ولما اختار ماركس انجلترا كنموذج واقعي وملموس نجح في الخروج بفكر علمي ونظرية ومنهج، ليس لان انجلترا كانت مقرا لاحدث علماء الاقتصاد واكثرهم معرفة وحسب بل لان الاقتصاد الانجليزي قد وصل في تطوره اخر مراحل التاريخ البشري وقتذاك، وحتى الآن فقد اتسم براسمالية وعلاقات انتاجها وحركة النضال العمالي والنقابي المتطور الذي يسعى كل تاريخ البشرية في تطوره الافقي بالذهاب نحوه استخلص هناك(فائض القيمة) الذي هو السبب المادي في الصراع الطبقي ومن هنا استطاع ان ينقد علاقات الانتاج الراسمالية واضعا الاشتراكية العلمية بديلا لها الامر الذي اثار حفيظة البرجوازيين باعتبار الاشتراكية كهدف ومكون للنظرية الماركسية ستلقى بهم الى مذبلة التاريخ فما كان عليهم الا ان رموها باعتى الصفات (هي شبح هي الحاد هي تحلل اخلاقي وما الى ذلك) فهذا يستوجب علينا تلبية دعوة استاذ الجزولي في تصعيد حملة الهجوم على مثل هؤلاء الكتاب وما اظن لقلم لم يسكب حبره في هذا المجال أي عذر.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )