تعليقات في السياسة الداخلية

بقلم/ سليمان حامد الحاج

تصريحات جوفاء لامتصاص الغضب الجماهيري المتصاعد(1-2)

في الثلاثين من يوليو 2018م افتتح رئيس الجمهورية ما يسمى بوحدة تحقيقات جرائم الفساد التابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني بحضور رئيس القضاء ووزير رئاسة الجمورية د.فضل عبدالله والفريق أول صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني وعمر أحمد محمد النائب العام لجمهورية السودان.

قال رئيس الجمهورية في كلمته أمام حفل الافتتاح أنه مهموم بمكافحة الفساد باعتباره سوس ينخر في عضد الدولة والمجتمع ويخلق طبقات طفيلية. وأن تقوية مركز المراجع العام الهدف منها الحرص على صون المال العام ومحاربة الفساد والتجاوزات التي تحدث في المال العام. وأنه بقيام هذه الوحدة المتكاملة، والتي قوى في داخلها ممثلين لمختلف أجهزة الدولة نستطيع أن نطمئن على حراسة المال العام.

من جهة أخرى قال صلاح قوش أن الغرض من إنشاء الوحدة هو التحقيق المتكامل والدقيق في قضايا الفساد، وأن الوحدة ستعمل على الفرز بين الغث والثمين، والصحيح والخطأ"حتى نصل إلى حقيقة أن هناك قضية فساد أم لا"!!

قبل ان نتطرق الى قضايا الفساد الماثل والمتسع وحجمه واللجان التي كُوِّنت من قبل والقوانين التي دُبِجت وعُدِلت لاستئصاله نشير الى التناقض الواضح في تصريحي رئيس الجمهورية ورئيس جهاز الأمن. فبينما يؤكد رئيس الجمهورية أنه مهموم بمكافحة الفساد باعتباره "سوس ينخر في عضد الدولة والمجتمع..الخ" فأنه يتحدث عن واقع ماثل "مغروز" أصلا ومعلوم سلفا وهو يعمل على محاربته وليس محاربة طواحين الهواء. غير أن رئيس جهاز الأمن يقول": إن الوحدة ستعمل على الفرز بين الصحيح والخطأ حتى نصل إلى حقيقة أن هناك قضية فساد أم لا"!!

هذا يعني أن رئيس الجهاز يشك في وجود فساد اصلا بدليل قوله أن مهمة الوحدة هو(إثبات هل هناك فساد أم لا)!!

هذا التصريح هو أول مسمار يدق في نعش( وحدة جرائم الفساد) ويجعلنا لا نشك أنها ستلحق بأخواتها من اللجان والقوانين التي عملت لمحاربة الفساد.

أشرنا من قبل في صحيفة"الميدان" في هذا الباب إلى ترليونات الجنيهات التي نهبت أو جُنبت أو هُرِّبت إلى الخارج استنادا الى ما ورد في تقارير المراجع العام التي قدمها الى المجلس الوطني والى تصريحات كبار المسؤولين مثل رئيس المجلس الوطني ونائبيه والعديد من نواب البرلمان ورؤساء اللجان في ذات المجلس الوطني عن الفساد المستشري. وأنه أصبح يعم معظم مؤسسات الدولة وكلها تؤكد أن الفساد أصبح جزءا لا يتجزأ من ثوابت النظام وسياساته.

ولهذا فان استئصاله شأنه أمر غير ممكن بدون الاحاطة بنظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة التي تعتاش على الفساد ونهب أموال الشعب.

لقد كان الحزب الشيوعي السوداني صادقا عندما حلل طبيعة هذا النظام منذ الايام الاولى لسطوه المسلح على السلطة. ولم يكن يرجم بالغيب، عندما أكد أن هذا النظام سيفاقم من أزمة الشعب ويقود البلاد إلى درك سحيق من التخلف. فقد اوضح ان انقلاب 30 يونيو 1989 هو استيلاء بالقوة على السلطة من قبل فئة الرأسمالية الطفيلية الإسلامية.

والقصد من بالرأسمالية الطفيلية أنها فئة طبية من فئات الرأسمالية تعمل مثل فئات الرأسمالية الاخرى للاستحواذ على الفائض الاقتصادي، لكن في مجال التوزيع والتجارة الداخلية والخارجية والعمل المصرفي والمضاربات المالية، بما في ذلك تجارة العملة وتجارة الاراضي والمضاربة فيها، وهي تبني اقتصادا تابعا من خلال تبنيها لتحرير الاقتصاد وحرية السوق. وتأتي صفة الإسلامية لأنها تتخذ من الإسلام دثارا لسياساتها المفقرة للشعب.

وبما أن الفساد رديفه القمع الوحشي وانعدام الديمقراطية فقد فرضت من خلال انقلابها قيادتها على الرأسمالية السودانية والمجتمع السوداني باستخدام العنف والايديولوجية الدينية، بهذا أوقفت التطور السلمي الديمقراطي في البلاد ونقلت الصراع الطبقي والصراع بين شعوب السودان وأقاليمه الأقل نمواً إلى صراع عنيف رفعت فيه شعارات الجهاد الديني، وحلت المؤسسات الدستورية، وصادرت الحريات الديمقراطية، ومارست الاعتقال والتعذيب الوحشي اللإنساني في بيوت الأشباح والقتل خارج نطاق القانون وتصعيد الحرب الأهلية والزج بالالاف من المواطنين في آوار الحرب خاصة الشباب. وصفت الحركة النقابية واستبدلتها بحركة نقابية تابعة للنظام وتصفية الخدمة المدنية، ومحاربة الرأسمالية السودانية المستثمرة في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي واحتكار السوق والتمويل والتجارة. والسيطرة على الجهاز المصرفي وانتهاك واسع لأعرافه وقوانينه. وشردت العاملين في القطاع العام، ووضعت مكانهم الموالين لها دون اعتبار للقدرات المهنية، بل الشرط الأساسي هو الولاء التام الأعمى للنظام في المهن المختلفة بما فيها القوات المسلحة والقضاء والتركيز على المنصب التي تمثل مفاتيح السلطة والسيطرة عليها. وهذا ما يسمى بالتمكين.

(راجع التقرير السياسي للمؤتمر السادس للحزب الشيوعي).

هذا هو جوهر الفساد المتمثل في كل سياسات النظام. وقد ظلت هذه السياسات سائدة طوال ما يقرب الثلاثين عاما من حكم هذه الشريحة الطفيلية. ولهذا فان من يريدون حصر الفساد في نهب الاموال او تهريبها فقط ، إنما يخدعون أنفسهم قبل خداع شعب السودان الذي يعاني من فساد النظام في كل خطوة يخطوها. في مأكله ومشربه وعلاج أسرته وتعليم ابنائه.. وغيرها من الخدمات المهمة لحياة البشر. جميعها محتكر من قبل الموالين للنظام يمارسون فيها ما طاب لهم من كل أنواع الفساد.

ولهذا فان من يحلم ان ينتظر انهاء الفساد واسترداد اموال الشعب بواسطة (وحدة تحقيقات جرائم الفساد) فهو يعيش وهما كبيرا وسيطول انتظاره.

صحيح سيحدث جهاز الأمن فرقعة إعلامية واسعة تماما كما فعل عند الاحتفال بميلاد(وحدة التحقيقات هذه وسيقبض ويحاكم بضع أشخاص كأكباش فداء في استعراض مقصود لصرف الانظار عن الفساد المجسد في سياست السلطة وممارساتها، إلا أن الفساد سيظل قائما ومستشريا في كل أوجه الحياة، طالما بقى هذا النظام جاسما على صدر الشعب بكل سياساته المعلنة والمستبطنة.

لا نلقي الكلام على عواهنه، بل نؤكد ما ذهبنا إليه بالوقائع الآتية:

  • ليست هذه المرة الأولى التي يُعلن فيها عن جهاز أو كيان لمحاربة الفساد، بل تكرار ذلك في معظمه أن لم يكن الغالبية العظمى من خطابات رئيس الجمهورية قبل بضعة أشهر مع استفحال الازمة الاقتصادية والضائقة المعيشية، أعلن ان كل من نهب اموال الشعب سنقلعها من عيونه. وفي خطابه امام الهيئة التشريعية القومية في الثاني من ابريل2018 أقر بوجود شبكات فساد مترابطة استهدفت تخريب الاقتصاد القومي من خلال سرقة قوت الشعب. وأعلن في ذات الخطاب الحرب على الفساد في كل مكامنه ومخابئه، وكشف عن استمرار مراجعة وتفتيش وتقويم البنوك الخاصة والعامة وعلى رأسها البنك المركزي بإجراء إصلاحات هيكيلة بعضها تنظيمي والآخر(بتار)مؤكدا متابعة الإجراءات والمعالجات حتى تسترد أموال الشعب المهنوبة، ولن يفلت أحد من العقاب. وتعهد رئيس الجمهورية بتطبيق قانون الثراء الحرام (من أين لك هذا؟) بصرامة للكشف عن المال الحرام واستمرار متابعة إجراءات ملاحقة المتلاعبين داخل وخارج البلاد حتى يسترد الاقتصاد الكلي عافيته.
  • وفي خطابه عند زيارته لولاية شمال كردفان في مارس 2018 تعهد البشير بمحاربة المضاربين في العملة والسلع والخدمات (وأي شخص بعمل في نشاط اقتصادي مشبوه او يتهرب من الضرائب ستتم محاسبته قانونا ولن ندع المتلاعبين بقوت الشعب يفلتون من العقاب).

ظلت مثل هذه التصريحات تتوالى منذ عدة سنوات دون ان يصاحبها أي تنفيذ عملي، ورغم أن القانون الجنائي يحمل من المواد التي تعاقب وتكبح جماح أي فساد إلا أنه لا يطبق ولن يطبق، وكل التعديلات التي أدخلت عليه ورغم وجود قانون الثراء الحرام والمشبوه ومشروع(مفوضية مكافحة الفساد) الذي أجيز في العام الماضي إلا أن كل هذه القوانين والمفوضيات وغيرها ظلت حبيسة الفساد نفسه ولم تفعل إلا في القليل النادر لتضليل الرأي العام. وهذه قمة الفساد السياسي.

(نواصل)

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )