المشهد السياسي

  • مرض اليسارية الطفولي

في إحدى حملات الدهم والتفتيش على بيوت الشيوعيين في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، رفع أحد أفراد الأمن كتاب من على المنضدة يحمل بعنوان(مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية)لفلاديمير ايلتش لينين، ثم أزاحه بعيداً وانشغل بغيره من محتويات مكتبة الزميل، حينما  قام  فرد آخر بتفحص الكتاب،خاطبه زميله قائلاً:(ياخي ده كتاب بتاع مرض أطفال ما تشغل نفسك بيه)ربما كانت القصة من حكايات مؤسسة بلغت أكثر من"70"عاماً ولابد أن تكون لها حكايات بعضها قد يكون مبالغاً فيه، ومع ذلك يبدو لي أن كثير من العاملين في العمل العام لا يبتعدون عن هذا الفهم كثيراً.

فالكتاب يناقش مسألة استلاف الأفكار وتطبيقها على واقع مختلف، وكان حينها الشيوعيون الألمان يعجبون بفكرة السوفيتات التي اكتشفها الرفاق الروس، فدعوا إلى تكوينها ومقاطعة النقابات، السوفيتات خروج على القانون السائد على طريق العمل على قلبه رأساً على عقب، لأنه لا يرجى شفاؤه، في حين كانت النقابات أدوات عمل مطلبي في إطار قانوني يسمح بها وتتناسب، مع طبيعة المجتمع الالماني الديمقراطي رغم أن الدولة تنحاز فيه إلى الطبقة الرأسمالية ويمكن تعديل سلوكها فيما يخص مطالب العمال عن طريق العمل النقابي.

لذلك كان من رأي لينين أن رفض الشيوعيين الالمان للعمل النقابي يعود لاصرارهم على نقل تجربة السوفيتات إلى واقعهم الذي لا يقبلها بمثابة أنها مرض يساري طفولي في الشيوعية.

الالتزام بمعطيات الواقع المحدد ومعرفة مطلوباته الملموسة هو جوهر الماركسية. هذه الفكرة التي حددها انجلز اشتغل عليها غير لينين، تروتسكي في كتاب:(الثورة والحياة اليومية)وناقش من خلالها العادات المضرة باستمرار الثورة التي تعتمد على العمل، مثل إطفاء أعقاب السجائر على البلاط، والتي تنطوي على عدم احترام جهد عامل النظافة. لكن لينين أعتقد أن تروتسكي قد ابتذل الفكرة فأطلق على الكتاب(الثرثرة الدائمة) وقال إنها واحدة من الثراثرات التي يعيش عليها الرفيق تروتسكي. وأضاف في وقت لاحق أن اكثر الاشياء اضراراً بقضية الثورة، هو الوصول بها إلى حد السخف بدعوة الدفاع عنها.

عبد الخالق محجوب طور الفكرة بشكل إبداعي بتطبيقها على الواقع السوداني. وناقش بشيئٍ من التفصيل العادات والسلوكيات التي تقود إلى عزلة وتقوقع الرفاق، وذلك من خلال كتاب:(إصلاح الخطأ في العمل الجماهيري) كما توقف عندها التيجاني الطيِّب على عجلٍ في مقال بصحيفة"الميدان" إبان الفترة الديمقراطية، وهو يرد على مجموعة من الثوريين اختاروا الانخراط في الجيش الشعبي، فأصدروا بياناً وصف القوات المسلحة السودانية بأنها جيش استعماري، ، فوصف التيجاني الخطوة بأنها (سقوط في مهاوي العزلة واليأس).

ظل الحزب الشيوعي السوداني منذ نشأته في منتصف الاربعينات يزاوج ما بين العمل الإصلاحي والعمل الثوري الداعي للتغيير الجذري.  وكانت ثمرة كل ذلك تكوين النقابات العمالية والمهنية والتنظيمات الفئوية في كل قطاعات المجتمع، انطلاقاً مما قرره ماركس، من(أن الإنسان قبل أن يفكر في الفلسفة أو الفكر أو الدين أو الفن ، لابد أن يأكل ويلبس ويسكن وأن الدماغ نفسه، وأن لم يكن في المعدة، لكنه ليس خارج جسم الإنسان) جميل جداً أن نحلم بواقع افضل للفقراء، واجمل منه ان نوقف حياتنا لتحقيق هذا الهدف، لكن الاجمل على الاطلاق ان يشاركنا الفقراء هذه الافكار والمشاعر والاحاسيس. وذلك لن يحدث ما لم نجعلهم يدركون العلاقة بين ما هم فيه من فقر وعوز، وبين النظام السياسي والاقتصادي الذي تسير عليه البلاد، وذلك لن يحدث بالدعوة من فوق المنابر، لكنه يحدث حين نتلمس معهم معالجة مشاكلهم الحياتية، ونساعدهم في تكوين تجربتهم النضالية استعداداً للمعركة الفاصلة، وهذا لن يحدث إلا من خلال  المزاوجة بطريقة إبداعية لا تجتر الماضي أو تستورد تجارب عالمية مختلفة،  بين ما هو  اصلاحي وسياسي جذري المتدرج و بأفق ثوري.

نعم لابد أن توفر الدولة الكتاب المدرسي، وهى لن تفعل طالما أنها لا تواجه ضغوط جماهيري، ولذلك تنتظرنا معركة كبيرة في هذا الجانب. ولابد أن نخوضها بتراص كل الصفوف ، وفي مقدمتها مجال التعليم.  لكنها قد لا تؤتي ثمارها في وقت وجيز، ربما تطول وتخلق تعقيدات تتعلق بمن يتصدون لقيادتها، وربما تحدث انتكاسات وهزائم فيها. لكن مهما كانت النتيجة فان طلاب السنة الدراسية لابد أن يتحصلوا على الكتاب المدرسي حتى ينتقلون الى السنة القادمة وهم قد تلقوا المقرر بشكل ملائم، من حيث المعلم والكتاب والاجلاس. و الى جانب معركتنا التي تهدف للضغط على الدولة لتوفير الكتاب، فأننا نحتاج جهداً شعبياً لتوفيره بالتبرعات العادية. وكذلك الحال في مجال الأدوية المنقذة للحياة والأمراض الأكثر انتشاراً، وغيرها من مجالات الحياة. فالعمل يتم على عدة جبهات، ولا تلقي جبهة عمل الاخرى، ولايعني العمل فيها بالضرورة صرف النظر عن الاخرى. فحين نكون قريبين من نبض الشارع عن حق وبعيداً عن الشعارات، سوف نتعرف على الواقع بشكل أفضل،ونعالجه بالطريقة المطلوبة، ونغني تجربتنا السياسية بطريقة إبداعية مستمدة من المعالجة الملموسة للواقع الملموس، ونشحذ قدرتنا على المواجهة بشكل لامثيل له.

  • الاستثمار الوسخ

لانقصد بالاستثمار الوسخ الصناعات الملوثة للغلاف الجوي، ولكننا نشير إلى"وساخة بلدية" لم تسبق عليها رأسماليتنا طبقة أخرى على مرِّ التاريخ، فالمعروف أن السودان ليس به نظام صرف صحي بالطريقة المتعارف عليها، لأن تشييد البنيات التحتية بصورة عامة مكلف، ولذلك ظهر مجال استثمار في الصرف الصحي، من عربات  الشفط وآليات الحفر، والأخيرة هذه ربما كانت عبر شراكة مع رأسماليات عربية لا تقل وضاعة عن رأسماليتنا، غير عابيين بتلوث المياه الجوفية واو تلوث النيل والمناطق العشوائية التي يفرغون فيها حمولتهم.

ويبدو أن هذا النشاط سوف يتمدد ليشمل مياه الامطار التي سوف تنسحب منها الدولة للقطاع الخاص ليقتصر دور المحليات على تحصيل الجبايات فقط، فالمدن التي نشأت في الخرطوم بعد عام 1992 لم تقم وفق خطط إسكانية، لأنها   كانت قرى وصلها العمران نتيجة شراء الأرضي واتساع نطاق السمسرة فيها،  فلم يتوفر لها ما يعرف في التخطيط العمراني باسمmaster plan. كما أن المحليات الجديدة لا تمتلك خرط كنتورية لتحديد انحدار الأرض ومستوياتها، و أن هناك مدن قامت أصلاً في أودية،هذا مضافاً إليه أن كثير من الشركات المنفذة للمجاري والمصارف لم تلتزم بالمواصفات فقامت بحفر المصارف أعلى من الجسور، وأن المحليات استلمت منها من غير وجود مهندس مدني، النتيجة(الجسور فاضية والشوارع مليان) بالمياه.   المطلوب الآن شفط المياه من الشوارع قبل سقوط مزيد من الأمطار، والمحليات لن تحرك سكاناً، مما يدفع الأهالي لجمع التبرعات لاستئجار وابورات الشفط،  وستصبح عادة أن يقوم المواطنون بتصريف مياه الامطار، وينسون أن هذا واجب المحلية، وسوف يظهر رأسالمال من خلال توفير الآليات وجعلها في متناول يد الأهالي. رأسمال يستثمر في الصرف الصحي ومياه الأمطار في ظل وجود وزارة للتخطيط العمراني والبنى التحتية، والتي سوف يتحول عملها من تشييد تلك البنيات إلى منح تصاديق الاستثمار فيها. يعني الحكومة لن تقدم أي خدمة، بل وتتحصل اتاوات على طريقة تقديم الخدمات... إنهم يؤجرون البلد مفروشةّ.

  • الخرطوم تلعب دوراً إقليمياً

احتفلت صحافة الخرطوم مع سلطتها بنجاحها في عقد المصالحة بين فرقاء جنوب السودان. مهما تكون طبيعة الاتفاق، فأن السلام الضعيف أفضل من الحرب القوية، وأنه  يمثل فرصة لاستعادة المجتمع المدني الجنوبي لدوره بالطريقة تخلق التوازن المطلوب في الحياة العامة هناك، وبما يحد من سطوة الجنرالات. المهم أن ما يحدث هو في دولة جارة وشقيقة نتمنى لشعبها الاستقرار والنمو والتقدم ولن نقتحم على أهلها شؤونهم، لكن الذي يعنينا هو الدور الذي منحته القوى الإقليمية والدولية للخرطوم و افتتحته بعقد المصالحة الجنوبية، مما يشير إلى طبيعة الترتيبات التي تنشط فيها تلك القوى، فالخرطوم سوف تستثمر هذه الأجواء لتزيد الخناق على شعبها في ظل سياسات الجوع الافقار، وحينها لن تكون الضحية الحقوق الاقتصادية الاجتماعية، ولكن كل حقوق الإنسان الأخرى، ولا نعتقد أن القوى الدولية لا تعلم هذه الحقيقة، ولكنها تسعى للاستفادة منها. فالمستقبل للاستثمارات والتي ستكون بديلاً للتعاون الدولي في مجال إنفاذ حقوق الإنسان ، بطريقة تقضي عليها، وتريح أثرياء العالم من دفع ضرائب تذهب إلى فقراء العالم، وهذا وضع يتطلب في الأساس حكومات غير مراقبةً جماهيرياً"على شاكلة الانقاذ المحمية دولياً" ليس المهم تقاسم السلطة في جنوب السودان، لكن طبيعة السلطة التي تخطو نحو قصر الرئاسة في جوبا ويدرجها من اليمين واليسار كل من البشير وموسفيني. فقد انقسم السودان وأصبح دولتان بنظام واحد ليس مهم أن يكون علماني في الجنوب وإسلامي في الشمال،لكن المهم أنه في الحالتين معادٍ لحقوق الإنسان، وأخيراً أصبحنا من دول الكومنولث التي يقوم اقتصادها على الفندق والبار، ويجتمع رؤساؤها في رأس السنة في منتجع اسبارك سيتي في كمبالا يتبادلون التهاني بالعام الجديد، وليس من صلاحياتهم أن يفعلوا أكثر من ذلك. وتنتهي إلى الأبد كل طموحات الخرطوم في أن تكون معبراً بين افريقيا والعالم العربي، وبما أن العالم العربي حفرة وأفريقيا حفرة أخرى فأن الخرطوم ستكون نفق بين حفرتين، كما قال عبد الله علي إبراهيم في مسرحية"حار جاف مترامي الأطراف".

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )