ماركس هذا المساء

(روبابيكا) في سوق العالم

بقلم/ حاتم الياس

بطريقة مناسبة، الآن نطلق على هذا العصر السوداني الدبلوماسي وكما جرى في المصطلح الدبلوماسي التاريخي القديم  هو عصر (حق الأمتياز) الذي كان يمنح بشكل مطلق للممثليات وقنصليات الدول الأوربية فى المستعمرات فى الشرق الأوسط وأفريقيا، كإعلان صريح عن سياسة (وضع اليد) التى إبتدرها العصر الأمبريالي الأستعماري وتنافس دوله الأوروبية المحتدم على مصالحه فى المستعمرات المغيِّبةِ شعوبها كلياً أما بوجود حكومات ضعيفة وصورية الحضور لايمكن أن تكون بأي شكل من الأشكال أحد صور التعبير النافذ لمفهوم السيادة ذات البعد الشعبي والتاريخي، والتى تعني ببساطة إعلان حق تلك الشعوب فى امتلاك أراضيها ومواردها، واستقلالها بقرارها السياسي والسيادي في تنظيم حياتها السياسية وعلاقاتها الخارجية، أو فى غياب هذه الحكومات الوطنية وجود الاستعمار نفسه المباشر نفسه كحكم وإدارة.

 ما نراه حاليا فى السودان من تآكلٍ مريع لجسد السيادة، لا يمكن أن يعكس بأي حال من الأحوال مايمكن أن يوصف بـ"المرونة" في عمل الخارجية السودانية، والتي نشك في أنها مازالت تحتفظ بتقاليد العمل الدبلوماسي القديم في مراقبة تصرفات الممثليات الدبلوماسية فى الخرطوم والضوابط المفروضة على تحركها وفق القانون الدولي ومارسخته الممارسة الدبلوماسية على طول التاريخ، ليس من المبرر أن تعلن سفارة دولة عظمى عن تحديد سعر صرف عملة وطنية،  وهى تحدد قيمة رسم التقديم لتأشيرة الدخول إليها كما أنه ليس من المقبول أن يجتمع سفير دولة عربية إسلامية جاره بعدد من الصحفيين والإعلاميين في ظروف سياسية حساسة إقليمية طابعها الأستقطاب الحاد، بينما تعلن حكومتكم بأنها تتخذ جانب الحياد في هذا الصراع، بينما تفتح باب الفضاء الوطني كسوق حر، وكبير لشراء المواقف لمن يرغب من ممثلي هذه الدول، هذا أمر ضار جداً، ويعكس أن الدولة لم يعد يعنيها كثيرا  التحديد وبصرامة لما يمس القضايا الوطنية، بجانب أنه يكرس لصورة نمطية سالبة عن شخصية النخب السودانية الفاعلة فى حقل السياسة والإعلام .

 بطبيعة الحال أن السياسة الدولية الراهنة صارت أكثر جراءةً فى إعلان قيم السوق التي تدور بين قيمة العرض والطلب، بين خطابها الذى كان فى السابق يختفي خلف المبادئ المتلبسة بغرض إخفاء الأيدلوجيا الباحثة عن الهيمنة والمصالح المعماة، لكنها الآن... وهو بالطبع أمر عالمي  أفرزته هذه المرحلة العالمية الجديدة، أصبحت قيمة المواقف واضحة فى سوق العرض والطلب، وصار من السهل أن تراها في جهة السلعة لا المبدأ المحض.

 قلنا أن مفهوم(الأمتياز)التاريخي الذي أعطى للممثليات والقنصليات دور حكومات أخرى مجاوره لديها حتى حق(الإعتراض والفيتو) على قرارات وتصرفات الحكومات الوطنية، يبدو أن العصر استعاده الآن مثل أستعادته المأزومة للأصوليات الدينية والعرقية والقبلية من أضابير التاريخ، فالأزمات الكبرى(أزمات الأنتقال واحتدام الصراعات في العالم) تعيد إنتاج أسوأ مافى التاريخ بحثاً عن حل، ومخرج ويبدو أن التاريخ يستعيد للدبلوماسية عصورها البعيدة منذ عصبة الأمم في واقعنا العربي الإسلامي والدولي.

واقع الأمر أنك يمكن أن تقيس ساعة أنهيار الدول القادمة، وفق مؤشرات عديدة من بينها سوء الحال وانتشار الفساد، وأن تصبح اللامبالاة نمط من العيش تفسح له الحكومات المجال وتشجعه، لكن أحد مؤشرات الأنهيار وأٍن بدأ لك بعيداً، هو تحول مجال العمل الدبلوماسي لهذه الصيغة الكاريكتورية التى تضع اعتباراً للفوائد التي تجنى منها كمؤسسة بيروقراطية تمنح الألقاب والجاه أكثر من كونها جهة حيوية لضمان سيادة البلاد، ومراقبة حالات التسلل للنيل منها  والحفاظ على مصالحها.. وكأن ثمة التباس في تحديد مفهوم(المصلحة) في حقل القانون الدولي بين عدة مدارس، إلا أن التعريف الثابت لها من قبل فقهاء القانون الدولي  حين تحضر كلمة(مصلحة) فهي تعني بلاشك مصلحة الشعوب لا الحكومات.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+